الرئيسية » مقالات » من أجل تحالف وطني يدافع عن الحقوق

من أجل تحالف وطني يدافع عن الحقوق

منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية بتاريخ 28/9/2000 وحتى الآن دخل الشعب الفلسطيني في مرحلة جديدة من مراحل كفاحه الوطني التحرري، دفع خلالها ثمناً باهضاً في الأرواح والممتلكات ، ومورست بحقه مختلف أشكال القتل القمع والتنكيل علي أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل متدرج ومنظم ومتزامن مع رواية وخطة إعلامية إسرائيلية هما الأقوى علي المستوي الدولي بعد الهزيمة الأخلاقية التي منيت بها إسرائيل في حادثة استشهاد الطفل “محمد الدرة” بتاريخ 30 ديسمبر 2000.

حجم التضامن الدولي ومستويات التأييد الشعبي التي بلغت ذروتها مع البدايات الأولى للانتفاضة الفلسطينية ضعفت كثيراً بل وغابت لدرجة تبعث الشك في نفوس الفلسطينيين حول مدي صدقية هذا التضامن وجديته عندما اقترفت إسرائيل مجزرة بشعة في منطقة “عزبة عبد ربه” شمال قطاع غزة راح ضحيتها أكثر من 120 فلسطيني، وأثارت تساؤلاً عاماً لدي مختلف قطاعات الشعب حول الحصانة التي كان يتمتع بها الشعب الفلسطيني، كشعب يرزح تحت الاحتلال وتنطبق عليه مواثيق واتفاقات حقوق الإنسان الدولية، وإذا ما كانت إسرائيل تتعامل مع الشعب الفلسطيني كمنظمة إرهابية ينبغي القضاء عليها وتجند معها العالم تحت هذا الشعار؟ أم أن الفلسطينيون هم شعب يسعى للتحرر الوطني ولديه حق مشروع في الدفاع نفسه من اجل حريته ويجب أن ينحاز العالم إلى قضيته العادلة، وقبل كل ذلك انحياز العالم لصالح المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وفي مقدمتها حق الشعوب في تحررها وتقرير مصيرها؟

مما لا شك فيه أن اسرئيل لديها حلفاء يدافعون عنها ظالمة أو مظلومة وهي إلى جانب معركة الفتك بالشعب الفلسطيني عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً تجند آلة إعلامية ضخمة لتبرير جرائمها اليومية وتؤهلها لارتكاب المزيد من هذه الجرائم وتطويرها كماً ونوعاً كما هو متوقع بالذات فيما يتعلق بوضع قطاع غزة.

أمام هذا التطور المتدرج لسياسات الاحتلال الإسرائيلي تبقي أدوات العمل الفلسطيني كما هي، وتتراجع في بعض الأحيان، ولم تجر أي محاولات لإحداث تحول نوعي في أداء السلطة الوطنية الفلسطينية ولا في أداء منظمات حقوق الإنسان، ولم تجر مراجعات جدية لأداء أحزاب وفصائل المقاومة في جدوى فعلها الكفاحي اليومي ومدي ملائمته للحالة الفلسطينية وقدرته علي تحقيق نتائج ايجابية، بل أضاعوا فرصاً حقيقية عندما لم يحسنوا التعامل مع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في لاهاي بشان جدار الفصل العنصري والذي يفتح الطريق أمام الفلسطينيين للعودة القوية إلي ساحات الأمم المتحدة والشرعية الدولية.

ومما زاد الحالة الفلسطينية سوءاً ما قامت به حركة حماس في قطاع غزة بتاريخ 14/6/2007 والانقلاب الذي فصل الوطن سياسياً وجغرافياً واقتصادياً، واثر علي مختلف نواحي الحياة الاجتماعية لتصبح حياة سكان قطاع غزة صعبة تميل إلى البدائية وتفتقر إلى مقومات المعيشة والبقاء الأساسية.

الحديث عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للشعوب أو عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو الحقوق المدنية والسياسية في الحالة الفلسطينية يعد من وجهة نظر عامل فلسطيني عاطل عن العمل منذ ثماني سنوات ولا يوجد له مصدر دخل سوى ما يتلاقاه من مساعدات عينية موسمية يعد ضرباً من الجنون، ومن وجهة نظر مثقف مقموع يعد ترفاً لحالم أو مثالي لا يلامس الواقع ووصفة جيدة لجلب المشاكل ووجعة الراس، أما من وجهة نظر سياسي فهلوي ومحنك فهو موضوعاً ثانوياً أمام المعركة الضخمة مع الاحتلال الإسرائيلي !!!

حصاد ما أنتجته البشرية من فكر إنساني وحقوقي يصون كرامة الفرد ويحفظ له حقه في حياة آمنة وكريمة، مع التراث الأخلاقي الوطني الفلسطيني المتراكم عبر تجارب مختلفة، تعرض لانتكاسة خطيرة في المجتمع الفلسطيني طال الروح والقلب والوجدان وسيترك آثاره السلبية علي أجيال بكاملها إن لم تجر محاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

الاحتلال الإسرائيلي يسلب الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة، والساسة الفلسطينيون سلبوا أبناء شعبهم ما تبقي من حقوق اجتماعية واقتصادية تعد مقدمة ضرورية لكسب معركة تقرير المصير.

لم تعد التقارير اليومية لانتهاك حقوق الإنسان ولا الدراسات الميدانية ولا عمليات الرصد والتوثيق تقنع صناع القرار بضرورة تغيير سياساتهم وشكل إدارتهم للمجتمع، وعندما تتحدث إليهم عن ان80% من المجتمع يرزحون تحت طائلة الفقر والبطالة فان ما يعلق في ذاكرتهم هو الرقم 80 ويبقى الفقر للفقراء والبطالة للعاطلين عن العمل.

الحاجة باتت ضرورية لان يبادر كل المؤمنين بمبادئ الحرية والعدالة لإنشاء حركة وطنية للدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للشعب الفلسطيني تستند في فعلها ونشاطها اليومي إلي مبادئ القانون الدولي الإنساني ووثيقة الاستقلال الوطني الفلسطيني تضع في أول أولوياتها:

أولاً: فضح ممارسات الاحتلال الإسرائيلي الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني وتعرية موقفه المتناقض مع القانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية واتفاقية جنيف الرابعة، من خلال حملة إعلامية منظمة تستعين بها بكل الطاقات العربية والصديقة في العالم وتشكل انطلاقة جديدة لحركات التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني وتؤثر في مواقف الحكومات الدولية.

ثانياً: ممارسة الضغط الشعبي علي قيادات العمل الوطني المختلفة من اجل استعادة لحمة شطري الوطن وإنهاء الحالة الشاذة من الانقسام والشرذمة، والتأثير عليهم باتجاه مراجعة وتقييم أدائهم السياسي والكفاحي وإعادة النظر في كل الأدوات المستخدمة في هذا الأداء.

ثالثاً: العمل علي محو ظاهرة الأمية الحقوقية في المجتمع الفلسطيني والتصدي لكافة الانتهاكات والجرائم وعمليات الإرهاب السياسي والفكري التي تنفذ بحق المواطن الفلسطيني وتجمعاته السياسية والنقابية والمدنية، وإعادة نشر الثقافة المدنية الديمقراطية المستندة إلى حقوق المواطنة المكفولة قانوناً وعرفاً والاستفادة من التجارب المتقدمة في مجال الحقوق.

إن ما تقدم لا يمكن تحقيقه من خلال جهود فردية أو تجمعات نخبوية أو بنفس آليات عمل المنظمات الحقوقية السابقة، بل يتحقق من خلال تحالف جميع قوي المجتمع الفلسطيني المؤمنة بكرامة الإنسان الفلسطيني وضرورة الحفاظ عن إنسانيته وحقوقه وبضرورة مراكمة عمليات التربية والتحضر والبناء.