الرئيسية » بيستون » أقمار في الذاكره لاتنسى – القسم الثاني

أقمار في الذاكره لاتنسى – القسم الثاني

أثناء تلك الحملات الهمجيه كانت قوات الأمن قبل ساعات من بدء عمليات التسفير وتبث جوا من الرعب في المنطقه وكانوا يختارون ضحاياهم وفق قوائم معده من مديرية الأمن وغالبا مايفضلون الليالي البارده في الشتاء القارص للقيام بجرائمهم ويقومون بمنع التجول في المدينه بعد منتصف الليل وهم مدججون بالسلاح وكأنهم يستعدون لمعركه عسكريه علما أن ضحاياهم من الأطفال والنساء والشيوخ العزل الذين لاحول لهم ولا قوه .

والحقيقه التي لايمكن أغفالها أن مدينة الحي الصغيره والتي كان عدد سكانها آنذاك لايتجاوز المئة ألف نسمه تضم بين جنبيها القوميتين العربيه والكرديه وهاتان القوميتان عاشتا منذ مئات السنين جنبا ألى جنب مع بعضهما وأبناؤهما متحابان في السراء والضراء وحدثت حالات زواج كثيره بينهما فترى الكردي وزوجته عربيه وترى العربي وزوجته كرديه ألى اليوم الأسود الذي تسلط فيه حزب البعث الفاشي على مقدرات العراق وأخذ يبث سمومه العنصريه الحاقده وأفكاره الشوفينيه بين الناس وأخذ يصور لهم أن الأكراد الفيليين يمثلون بقايا الدوله الفارسيه الصفويه في العراق وهم يشكلون خطرا على الأمن الداخلي ويجب مراقبتهم وتعقب نشاطاتهم وينسبون أحاديث تأريخيه مزوره لتأكيد ادعاءاتهم الباطله . وقد رافقت تلك الحمله العنصريه الظالمه حمله أعلاميه ظالمه وشرسه في الصحافه البعثيه وخاصة جريدة الثوره التي كان يرأس تحريرها طارق عزيز وعبد الغني عبد الغفور و ومحطة التلفزيون العراقيه متهمه أولئك الأبرياء بمختلف النعوت اللأأخلاقيه التي درجوا عليها وأقل ماكانوا يقولونه أن هؤلاء هم خونه وعملاء وجواسيس وطابور خامس وفرس مجوس وقد أعد النظام البعثي بعض الأساتذه في جامعة بغداد ليقوموا بدور مرافق للحمله الأعلاميه أمثال الدكتور علاء نورس والدكتور مظفر الأدهمي والدكتور نوري المرسومي وغيرهم وكان هؤلاء يتنقلون بين المحافظات للقيام بهذا الدور الذي رسمه النظام لهم فكانوا يعقدون الندوات ويجمعون الناس للأستماع لها وتبدأ الأكاذيب والتلفيقات التي ما أنزل الله بها من سلطان وكان بن العلقمي يأخذ حصه كبيره من أحاديثهم الباطله والمفبركه .

ورغم كل هذا التشويه والزيف والتلفيق كان هناك تعاطف كبير من قبل مختلف القوميات في الشعب العراقي مع هذه الشريحه المقهوره المظلومه وكانت لدى الأكثريه من أبناء العراق الشرفاء قناعه عميقه بمظلومية هذه الشريحه الطيبه والمسالمه والمخلصه لتربة العراق حد الأحتراق واتي تتباهى دوما وتعتز وتفتخر بانتماءها ألى تربة العراق وتأريخ العراق وشعب العراق وهم يتصفون بنزاهه تفوق الوصف وبالتفاني والأخلاص في العمل ولم يكونوا يوما ما تابعين لأحد خارج العراق لذا كسبوا محبة الناس وثقتهم .

ولكن السلطه البعثيه الحاقده أصرت على أجتثاث هذه النخبه الطيبه من أبناء العراق وكانت حملتها هي حملة تطهير عرقي بامتياز أبشع من كل حملات التطهير العرقي التي حدثت في العالم على مر التأريخ وهي مخالفه لكل قوانين الأرض والسماء وآيه واحده من القرآن الكريم تنسف نظرية حزب البعث من أساسها حيث يقول الله في محكم كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ( ياأيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم أن الله عليم خبير ) الآيه 13 من سورة الحجرات .

لقد سخر حزب البعث القوميه العربيه لخدمة أهدافه الشوفينيه العنصريه المقيته وسعى ولا زال يسعى لجعل هذه القوميه الأنسانيه قوميه معاديه ومتصادمه مع القوميات الأخرى مع أن التأريخ القديم والحديث زاخر بشخصيات غير عربيه دافعت عن القوميه العربيه واللغه العربيه دفاعا مستميتا فهل يعرف هؤلاء من هو عبد الله بن المقفع صاحب الأدب الكبير والصغير وكليله ودمنه حينما عيره الخليفه العباسي بأصوله الفارسيه فقال له جملته المشهوره ( أن كانت العربيه دينا فقد آمنا به , وأن كانت لغة فقد تكلمنا بها )وهل سأل هؤلاء أنفسهم من هو محمد كرد على وما هي مواقفه في الدفاع عن اللغه العربه ؟ وهل سأل هؤلاء أنفسهم من هو أحمد شوقي الذي لقب بأمير الشعراء ؟ ومن هو بن سينا وأبن طباطبا ؟ ومن هو أبو حنيفه النعمان ؟ والقائمه طويله وطويله جدا وأنا لاأريد أن أكتب بحثا مطولا وأخرج عن الموضوع .

وأقولها بصراحه متناهيه لايمكن لأي أنسان في العراق أن يدعي أنه من نسل عدنان وقحطان لكثرة الغزوات وتداخل الشعوب فيما بينها على مر التأريخ أضافة ألى أن هذه القضيه قد عفا عليها الزمن حيث يقول الشاعر

كن ابن من سئت واكتسب أدبا يغنيك محموده عن النسب

أن الفتى من يقول هاأنذا ليس الفتى من يقول كان أبي

ويقول شاعر آخر

لاتقل أصلي وفصلي أبدا أنما أصل الفتى ماقد حصل

ولا أريد أن أكثر من الأمثال والأشعار التي قالها العرب .

فالتفاخر بالأنساب والأحساب ظاهره من ظواهر الجاهليه الأولى ولا قيمة لها في عصرنا الحاضر وهناك من الآيات القرآنيه والأحاديث النبويه لاتسعها مئات الصفحات .

أرجع ألى الموضوع الرئيسي فأقول أن الأستعمار البريطاني البغيض الذي شرع قانون الجنسيه العراقيه وقسم العراقيين ألى تبعيه أيرانيه وتبعيه عثمانيه ورسخه عملاءه من غلاة العنصريين والطائفيين هو تشريع أستعماري بغيض يجب أن يلغى ويلقى في مزبلة التأريخ لأنه قانون عنصري بشع وسيئ وقميئ يدق أسفينا بين أبناء الشعب العراقي ويزرع الفرقه والتشتت والتمايز بينهم ومن العيب والعار أن يبقى هكذا قانون في دوله تدعي أنها ديمقراطيه وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على سقوط الصنم .

نحن لانريد أحاديث ناعمه وتبريد خوطر وتعاطف وقتي لايلبث أن يتلاشى بعد الأنتخابات ونسمع في دهاليز مديريات الجنسيه كلاما يتناقض مع مانسمعه من بعض المسؤولين .نحن نريد قانونا يطرح على مجلس النواب لطي هذه الصفحه المظلمه من تأريخ العراق رغم أدراكنا كثرة الصعوبات وتشابك التعقيدات في الساحه السياسيه لوجود الكثير من القوى الشوفينيه المتنفذه والمتغلغله في مفاصل الدوله المختلفه والتي تقف حجر عثره لتغيير هذا القانون ولا يمكن دفن الرؤوس في الرمال بعد كل الظلم الذي لحق بنا ولم يرفع لحد اليوم .ومن خلال هذا المنبر الشريف أناشد جميع الأخوه من الكرد الفيليين بتوحيد كلمتهم لنيل هذا الحق الشرعي والقانوني ولرفع الحيف عنهم وهي مسؤوليه تأريخيه لابد لهم من تحملها لكي يكون صوتهم أقوى تأثيرا في الساحه العراقيه التي تعج بالمصالح والتناقضات .

أعود وأذكر بعض تلك الأقمار التي عشت معها والتي كانت مثالا في القيم العليا والمواطنه الحقه .

وهل يوجد أحد في مدينة الحي لايعرف يوسف حياص ؟ لاأعتقد ذلك

يوسف حياص مجبر مشهور في المدينه ويمكنني القول في معظم مدن العراق كان مجبرا حاذقا يقصده الكثير من الناس الذين كانوا يتعرضون لكسور مختلفه كانت له عياده صغيره في بيته الصغير الواقع في محلة السراي وغالبا ماكنا نتواجد في عيادته لنساعده في عمله كان المرحوم يوسف حياص دمث الأخلاق قوي البديهيه سريع النكته يحب مساعدة الآخرين ولا يطلب أجرة العمل بلسانه ولا يأخذ شيئا من الفقراء الذين يعالجهم وكان يعلق صورة خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري في غرفته فهو كردي أشتراكي أممي أصيل بالنبه أليه هكذا كان يعبر عنه وكان معجبا أيضا بالدكتور مصدق الذي ثار على شاه أيران عام 1952 ولذا سمى أبنه الأكبر مصدق والثاني فرزدق وعندما سألته عن أسم فرزدق أجاب أنه مرادف لأسم مصدق رغم معرفتي بالشاعر الأموي فرزدق ونقيضه جرير .

توفي المرحوم يوسف حياص أثر نوبه قلبيه وتم ألقاء القبض على الشابين مصدق وفرزدق وهم على وشك الدخول في الجامعه وتم تغييبهما ولم يعرف أحد مصيرهما لحد الآن على حد علمي .

باسم جاسم أحمد : عرفته منذ اليوم الأول لولادته بحكم قرابتي لوالدته وكنت معلمه في المرحله الأبتدائيه كان تلميذا تشع عيناه بالذكاء الحاد وذو أخلاق رفيعه ولم يتشاجر يوما ما مع أحد أقرانه في المدرسه وكان يستمع دوما ألى نصائحي التربويه علما بأن أبيه جاسم أحمد النجار كان معلما في نفس المدرسه التي كنت أعمل فيها وكان يقول لي رحمه الله أنت الأب الروحي في المدرسه وأنا الأب الحقيقي في البيت وقد بنى آمالا كبيره عليه وكان يتمنى أن يرى ذلك الغرس الطيب أستاذا جامعيا ناجحا ولكن ماكل ميتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لاتشتهي السفن .ومرت الأعوام ثقيلة رتيبه تحت نير كابوس البعث الصدامي وحصل باسم على معدل 80 بالمائه في الفرع العلمي في الثانويه العامه وتم قبوله في كلية الأداره والأقتصاد جامعة بغداد وصرح لي بأن القبول المركزي قد ظلمه وأن طموحه أن يكون طبيبا وأخذت اوضح له أن كل العلوم مهمه في هذا الزمن وأن علم الأقتصاد له مستقبل وسنراك أستاذا تدرس الأقتصاد في الجامعه ونفتخر بك .

في أحدى أمسيات مدينة النعمانيه التي تحيطها البساتين والتابعه لمحافظة واسط تم الأعتداء على عالم جليل في هذه المدينه وهو المفسر والعلامه قاسم شبر الذي كان في الثمانين من عمره حيث تم أعدامه في أحدى زنزانات مديرية الأمن العامه لرفضه كيل المديح والدعاء للطاغيه المقبور صدام حسين في خطب الجمعه التي كان يلقيها في مسجد المدينه وعندما طرق الخبر سمع باسم وهو ابن تلك المدينه أبدى ألمه وأسفه على تلك الجريمه البشعه وقال أن السيد قاسم شبر يحظى بحب واحترام جميع أهل المدينه فلماذا ارتكبت هذه الجريمه بحقه فانتقل ذلك الكلام ألى دائرة أمن النعمانيه وتم انتزاعه من الكليه واختفى من ذلك اليوم من عام 1978 ولم يعثر له على أثر ومات أبوه بالسكته القلبيه وهو يمشي في شارع الرشيد وماتت أمه بعد ذلك بعد أن غمر الحزن قلبيهما على أبنهما العزيز باسم ولم أشهد لذلك الحزن مثيلا لشدته . 

-السويد