الرئيسية » مقالات » عاهرة صغيرة

عاهرة صغيرة

جاءني مسرعا يلهث , متلهفا للحديث , يلتفت يمينا ويسارا بحثا عن أشخاص وهميين ليطردهم , فهو يحمل لي سرا عالي الأهمية , جلس على الأريكة بجانبي , وضع يده على صدره , وفتح فمه , وابتدأت أنفاسه تهدأ , لم يكن في غرفة المكتب سوانا , وأخيرا , ابتسم والتفت إلي , أسرعت بقدح من الماء ذهب سريعا إلى معدته , واخرج علبة السكائر , أشعل واحدة , وتطاير الدخان , من فم وانف صديقي العزيز .
أبو هديل – خبر عاجل سيهز كيانك .
لم اجبه اعرف أن هنالك استرسال سيتدفق .
أبو هديل – رندة ملاكك الطاهر البرئ , بالأمس فقط كشفت السر , وشاهدت بعيني الواقعة الأليمة , جئت لاحذرك ولا اعرف سبب صمتك ! , هل من سذاجة تملك لا اعرفها ؟
الراوي – أكمل لترتاح .
أبو هديل – لولا محبتي لك ماجئت .
لا اشك لحظة بمحبته لي, ولكن بنواياه , كاره النساء هذا المتيم بأجسادهن , كل امرأة في الشارع عاهرة ! حتى يثبت العكس , والتقييم بالطبع يتجاوز ويستثني , أخته أو زوجته وجميع قريباته , دخت كثيرا لاستكشف سره , كان ببساطة مادي, كون أهل زوجته أغنياء , وأصبحت هي تملك البيت الذي ياويهم , واشترت الأولاد وميولهم, حتى هو امتلكت ارادتة بدأ من الفراش , اكتفى صاحبي بالعيش الرغيد , ولكن مع الإحساس بالنقص والحقد على كل أنثى , من هذا الباب كره رندة , الفتاة السمراء الباسمة المشرقة , التي تجمع بين الجمال والبراءة والأنوثة , تعودت أن تأتيني صباحا في طريق ذهابها للعمل , قريبتها معي في المشغل الذي امتلكه , من اجل الاتصال بصديقها هاتفيا , والتحدث معه بكل حرية , كنت استمتع أحيانا بغزل جميل متبادل , وآهات تسري بينهما كالنسيم , ثم يأتيها الفطور , تأكل كطفلة جائعة من صحن حلوى , ثم تطورت علاقتنا رغم فارق السن الكبير , ابتدأت هي بالتساؤل , وتوليت أنا أمر النصائح , والحديث يدور عن حبيبها , رويدا رويدا أحست بنقاط فراغ عنده , كبرت كبالونات , ولم أكن حتما البديل , فقط هي خيوط الألفة تمتد وتشتد بيننا , أحببت فيها الاختيار , كانت ترفض أي شيء لاتحبه حتى لو كان هدية ثمينة , تحولت بعد حين رغبتها للحديث معي أكثر من حمل سماعة الهاتف , ثم يحضر الواشي , كان صديقي معتاد على زيارتي صباحا لشرب الشاي , يضطر للمغادرة مسرعا بعد سماعه حديث لا يفهمه , ثم يعاود بعد حين .
أبو هديل – هل ثمة علاقة لك مع رندة ؟
– ذلك يتوقف على زاوية الرؤيا ,
أبو هديل – العلاقة هي الفراش لاتقل لي انك لا تضاجعها !
كان يلقي بالكلمات كصخرة في بركة ماء و ولكن ارتباطي برندة سار بشكل هادئ , تعودت رؤيتها صباحا , ليشرق يومي سعيدا تتفتح آفاقه حركة ونشاط ومتعة في التعب والتحمل , ثم عصرا بعد عودتها من العمل , تتحدث وأنا صامت , تقرأ عيني وتبتسم , اشتهيها أحيانا , ولم تمانع , قبلت ثغرها , ولم أتمادى, الغريزة وحدها آخر مايخطر على بالي , تلك التي يتبعها بعد حين الملل والضجر , ويأتينا الواشي , فهمت هي نظراته , شرهة متوحشة , ذهنه وخياله الرجولي يحملها ويلقيها على الأرض , ويهوى فوقها , ويبدأ الصراع الأزلي الذي سيؤكد فيه فحولته وذكورته المفتقدة في البيت , وينهض ديكا صائحا صارخا تتضارب جناحاه على صدره , لم يصدق يوما غير مايعتقد , كانت أمامه نافذة واحدة للرؤية والتفكير , أساسها مايعرفه عن سوء علاقتي بزوجتي , وما أتحمله من متاعب , يمكنني بسهولة أن أزيحها عن كاهلي (و برأيه) أطلقها وأتزوج من جديد , والبديل جاهز , وجالس جنبي , ربما كان بحديثه يحاكي الدفين من غريزة حب الحياة في أعماقي , ولكن تأثيرها لن يطفح , كنت معها كالأطفال , نمارس ألعابنا الخاصة ونتحدث مثلهم مع حب لذيذ لم يصل لسن المراهقة , تصل فأبدأ السمفونية بتساؤل , وتجيب , تغادر, فأعيد قراءة الأسئلة ويكون جوابها الأخير عند الباب .
الراوي– من يسكن قلبي ؟
رندة- أنا رندة .
– من بيده روحي ؟
رندة- أنا .
– من هو كبدي؟
رندة – أنا
– من هي حياتي ؟
رندة- أنا .
– من من ؟؟؟؟
رندة- أنا أنا أنا أنا .
كانت الملائكة تحيطنا في تلك اللحظات , وننسى الكون والوجود , ليأتي دور أبو هديل , ونعود إلى نقطة البدء .
أبو هديل – صاحبتك عادي .
– هل تكرهها ؟
أبو هديل – لا ولكني احترمك أنت , تعلم بان الألسن طويلة ولا أريدك أن تنزلق , اسمع , سأصارحك وسترى بعينك ما شاهدته , سأذهب بك إلى (المكان ) حيث تتواجد أحيانا هي وأختها , لا ارتاد كثيرا تلك الأزقة ولكن احدهم يعرفني ويعرفك أرشدني أليها , تحدث عنك بسخرية , دفعتني للذهاب والتأكد , لا , لا يأخذك التفكير بعيدا , استنكفت عن الدخول إليها إكراما لك , هل تعلم ؟ دراهم معدودة! يمكن أن تطلبها مني أو منك ولكنه الأصل والتربية , اعرف أهلها قبلك , لا تنظر إلى بؤسهم اليوم , هنالك استعداد وراثي , سنذهب غدا .
– إلى أين ؟
أبو هديل – إلى حيث ترى وتحكم .
أتاني مساء وامسك بيدي ! هيا , كنت كالمسحور , أو كطفل يأخذونه حيث مدينة الألعاب , مشينا قليلا وتبدل الشعور , ولكن الطفل بقى , وكأنهم يتوجهون به هذه المرة إلى طبيب أسنان حيث الألم , , كانت مشاعر لا تتلاءم والحدث , أبو هديل جاد وكأنه يتوجه لقتال الأعداء , وبقيت صامتا , لا استطيع إقناع نفسي باني ذاهب إلى مسرح الجريمة , مع أبو هديل ليريني رندة عاهرة هي وأختها !
أبو هديل – سندخل بيتا مشبوها , شرقي الطراز , في الداخل غرفتان , في إحداهما سترى من تحب يدخل عليها من هب ودب . .
اعرف أنا وضعها العائلي كما اعلم أن أختها لا تمانع في علاقة , ولكن أن تتحول هي ! ؟ كآبة الدار أصابتني بالغثيان , لا ارغب بالدخول , قرع أبو هديل الجرس , قدم احدهم وبعد الاستفسار فتح الباب , صدمتني الرائحة عند الممر , كانت مزيج مقرف من دخان التبغ الرخيص الخانق , والخمرة المغشوشة , وأخيرا ملايين الحيامن المنوية البشرية الطافحة , المنزلقة , المتدفقة كالدود , أصبحنا في وسط الدار , على الجانب طاولة قمار يتكوم حولها البعض ولا احد يهتم , دخولنا لا يثير هلعا , جاءت إحداهن ضاحكة مرحبة , تركزت عيناي على فك علوي فقد اغلب أسنانه , ووشم كبير على ضهر يد امتدت إلينا بالتحية , توجهنا نحو أريكة , سيلتصق شرشفها بملابسي حال الجلوس ! , ولكن لا بديل , أشار أبو هديل إلى الغرفة المغلقة بألم غريب , تحول إلى الثانية كانت نصف مفتوحة .
أبو هديل – هي حيث الغرفة المغلقة , هل تفضل بقائي أم ارحل ؟
– لا اذهب .
أبو هديل – مصاريفك مدفوعة , وغمز لصاحبة الوشم ثم ابتسم وتركني .
صوت – لا تهتم كثيرا , هي ليست ابنتك مثلا ! .
تلفت حولي , لا احد غيري قريب , والمقامرين في شغل شاغل عني , هل بدأت بالهذيان ! عيني تسمرت على باب الغرفة وكأنها تحاول اختراقه .
صوت – على الأقل ذوقك موفق , انظر أختها تنتظر بلا زبائن .
ثانية لا احد , يبدو إن هذه الليلة ستطول ! سمعت صوت صرير ورفعت راسي , هذه المرة حقيقي , خرج رجل من الغرفة ثم ترك الباب نصف مفتوح , ارتفعت يدي, كفاي, تغطي وجهي , كأني لا أريد معرفته ليصبح رقما في ذاكرتي! , وربما لا ارغب أن يعرفني , جاءني الوشم مسرعا .
أم سلمان – دورك .
نهضت , عبرت الباب , كان الداخل خافت الإضاءة , كل ما ميزته , سرير واسع , وشبح يجلس على حافته , سأتعود الظلمة بعد قليل وارى جيدا , ولكنها عرفتني حتما , ترتدي قميص نوم احمر , شعرها الأسود الفحم الطويل منسدل يتمدد وينزل حتى يلامس ساقيها ويغطي ظهرها وكتفيها , حدثتني سابقا وطويلا عن تعبها في غسله وظفره وتدويره وإخفائه تحت الحجاب الذي يلتف حول رأسها عند الخروج , أراه اليوم لأول مرة , يستر جسدها , خيمة تلامس ماتعرى ولم يخفه قميص النوم , أصبحت أراها بوضوح , منكسة الرأس , يالقسوتي وقذارتي ودناءة نفسي , هي تتألم الآن وستبكي قريبا , وأنا الذي لم يعش يوما الفقر الحقيقي , نصبت مني قاضيا , بأي منطق ؟ , سأتكلم وليحدث الانفجار .
– رندة ,
رفعت رأسها بتثاقل , لاحظت عيناها , أجمل مافيها , تحدثني , كانت سهامها مزيج من الشيطنة والأنوثة والخجل .
رندة – مارايك بشعري ؟ كانت شفتاها تبتسم .
جلست جنبها على حافة السرير , فهمت الآن فقط لماذا أحبها ! , هي حتما انضج مني , ويتوجب علي ثانية أن افهم إلى أين تذهب النقود من بيوت الفقراء ؟ , الحائر اليوم هو أنا الجالس على سرير المتعة , أنا هذه المرة من يتساءل ونظراتها تجيب , أمسكت بيدها , لافرق! , لا فرق بين الماضي والحاضر كانت لها نفس الحيوية , أطبقت أصابعها على ساعدي .
– من يسكن قلبي ؟
رندة- أنا رندة .
– من هي حياتي ؟
رندة – أنا .
– من هو كبدي ؟
رندة- أنا أنا أنا …….
قرع الباب , وفهمت الإشارة , حان رحيلي , لاوقت للحب , بل للمتعة والمضاجعة .
وقفت , التقت عينيانا , هي جالسة ورأسها مرفوع , ومصيرها يخاطب عقلي , وصمتها ينطق بتساؤل أخير .
أنقذني ؟
لم اعد أر ابتسامة , وكأن وجهي ورأسي تحولا لطبل أجوف كبير تصفعه وتناطحه المئات من العصي , قرع الباب بإلحاح اشد , أغمضت عيني , وتراءى لي اليأس محتويا جسدي , تافه , متفرد , ضعيف الحيلة أنا , وانسحبت مهزوما كالعادة , بلا رجولة موقف أخير , أداري خجلي باصطناع الألم , انتقلت للزقاق , مشيت منكس الرأس , حاولت رفعه لتأتيني صدمة وكان انفجار حصل ! , لا انه فقط عمود كهرباء حديدي يقف أمامي ! كيف لم أره ؟ والقمر بدر منير! , تلمست وجهي , التصقت براحة كفي بقع من الدماء , لم أميز مصدرها انفي أم فمي أم جبهتي المتورمة , سرت مسرعا , غاضبا أحاول التعويض , رأيت سيفا معلقا بجدار احد البيوت , سحبته من غمده , ورفعته عاليا , لمعت مقدمته وسط الظلام , سرت باحثا منقبا عن الفقر , عثرت عليه يفترش زوايا الأزقة , ضربته بالسيف بقوة , قطعته إلى نصفين , عاودت الضرب والتمزيق حتى تعب ساعدي , ارتحت لأرى نتائج جبروت أفعالي , كانت أجزائه تعيد تكوين وبناء نفسها وتتكاثر ويشتد عودها ! وقفت متفكرا يحيط بي أبناء وبنات الفقر والأزقة , والسيف بيدي , هل أعاود ؟ لا لا فائدة , ما جزاء الفشل ؟ تذكرت أفعال الساموراي بعد الاندحار , أدرت القبضة نحوي لا خير في مريض متهافت , أسرع السيف نحو راسي وجسدي , سمعت عضاما تتكسر , ولحما يتقطع , وأحشاء تتمزق , قبل السقوط .