الرئيسية » التاريخ » وجهة نظر بريطانيا تجاه القضية الكوردية في الربع الاول من القرن العشرين – القسم الاول

وجهة نظر بريطانيا تجاه القضية الكوردية في الربع الاول من القرن العشرين – القسم الاول

صدر حديثاَ طبعة جديدة لصحيفة((تيكه يشتنى راستى 1918 ـ 1919م ـ فهم الحقيقة)) وهي أول صحيفة كوردية تصدر باللغة الكوردية في العراق من قبل القوات البريطانية بمدينة السليمانية في العراق. وكانت لسان حال السلطات البريطانية في العراق آنذاك وتروج لسياستها ومنبراَ للدعاية ضد الاتراك وتدافع عن سياستها في المنطقة الكوردية الى جانب ممارسة ضغوطها على الجانبين الاسلامي والعربي .
فمن الجانب الاسلامي كانت تدحض الافكار التي كانت تروج لها الاتراك في الاوساط الكوردية باعتبار ان الكورد هم من المسلمين وان الجهاد واجب على كل مسلم اذا دست اقدام الكفار اراضي المسلمين وان بريطانيا كانت من وجهة نظر الدولة العثمانية(الاتراك) كانوا يعتبرون انفسهم خليفة المسلمين وولي امر المسلمين فيجب ان تطاع اوامر ولي الامر. وكان هدف الانكليز من اصدار هذه الصحيفة تصب في هذا الاتجاه وتدحض افكار واقوال الساسة الاتراك العثمانيين.
اما على الجانب العربي فكان البريطانيون يروجون لسياسة تعايش الاقوام مع البعض وان العرب كونهم مسلمين ويحملون راية الاسلام وظلموا من قبل الاتراك العثمانيين. ويقولون انهم لن يظلموا احداً. ولهذا كانت بريطانيا تطلب من الكورد الانضمام الى الجانب العربي ضد الاتراك.
وان اغلب المقالات الافتتاحية للصحيفة كانت تصب في جانب كسب ود الكورد وافهامهم بان الاتراك لايريدون الخير للكورد وان التاريخ الطويل ابان حكمهم للمنطقة خلال اربعة قرون خير شاهد على ذلك وخلال هذه المدة كلها كانوا يضطهدون الكورد وبقيت المنطقة متخلفة جداَ عن ركب الحضارة.
هذه الطبعة الاولى من اعداد الجريدة تم جمعها واعدادها من قبل كل من رفيق صالح وصديق صالح وصدرت عن دار آراس للطباعة في اربيل وهي من ضمن مشروع مشترك بين مركز(زين) في السليمانية و(دار آراس) في أربيل.
جاءت في مقدمتها تعتبر (صحيفة فهم الحقيقة) واحدة من اقدم الصحف الكوردية التي صدرت في العراق حيث تم العثور على اعدادها في مكتبة المتحف ببغداد.
وان انور سلطاني الذي قام باعداد بيبلوغرافية للمجلات والصحف الكوردية الصادرة لمكتبة(سواس وبعض مكتبات اخرى بريطانية) لم يحصل على جميع اعداد صحيفة تيكه يشتنى راستى.
وللحقيقة يقال بان اول دراسة اكاديمية وعلمية اجريت على هذه الصحيفة كان من قبل الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد.
وكانت تضم بين دفتيها(115) صفحة تحت عنوان((تيكه يشتنى راستى ـ وشوينى له رؤزنامه نوسيى كورديدا ـ اي فهم الحقيقة وموقعها في الصحافة الكوردية)). وتم طبعها في مطبعة المجمع العلمي الكوردي ببغداد.
ويتساءل الباحثان من الممكن بعد ان انجز الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد كتابه المذكور انفاَ، فقدت اعداد الصحيفة. ثم يضيف قائلاَ كنا نتمنى من الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد ان يقوم في حينه بطبع اعداد الصحيفة كملحق لكتابه ولكنه لم يفعل ذلك لاسباب نجهلها. وان الاستاذ محمد ملا كريم الذي هو الاخر قضى معظم عمره في خدمة الصحافة الكوردية ولعدم وجود اجهزة استنساخ متطورة في العراق حينذاك وبذله جهداَ استثنائياَ باعادة استنساخ اعداد الصحيفة المذكورة. ولكن للاسف كانت غير واضحة ولم يف بالغرض.
وقبل سقوط النظام كان قد اعطى نسخة من هذا الاستنساخ الى المرحوم فاروق علي عمر الذي كان يحاضر في قسم الاعلام في المعهد التقني في السليمانية وقد طلب منه عندما يسافر الى السليمانية ان يسلم تلك النسخة الى الاشخاص الذين طلبوا منه لطبعها من جديد ولكن المرحوم احتفظ بهذه النسخة المستنسخة وبقت محتفظة لديه الى وفاته.
واتصلنا عدّة مرات بعائلته لتسلم لنا الامانة التي كانت بحوزة المرحوم ولكن للاسف لم تستجب العائلة لطلبنا.
وكذلك سمعنا بان الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد قد دون اغلب المواضيع المنشورة في الصحيفة لديه ولهذا فقد حاولنا العثور على تلك المخطوطة من جديد نقوم بتنضيدها واصدارها على شكل كتاب ولكن هذا المشروع هو الاخر تأجل ولم ير النور.
وبعد سقوط النظام سنة 2003 توفرت فرص أوسع للبحث عن اعداد الصحيفة ليس لهذه الصحيفة بل لكل الصحف والمجلات الكوردية المحفوظة في ارشيف المكتبات ببغداد وبعد اتصال بالسيد عبدالله عباس الذي اشار بوجود جميع اعداد الصحيفة((فهم الحقيقة الكوردية)) في دار الكتب والوثائق ببغداد، وانها محفوظة هناك وقصدنا السيد نوشيروان مصطفى امين كي يبلغ السيد سربست بامرني الذي كان يشغل حينذاك منصب وكيل وزارة الثقافة برسالة ويطلب منه ان يزودنا بنسخة الاستنساخ من الصحيفة، وقد تم فعلاَ ارسال نسخة مستنسخة طبق الاصل ونظيفة وارسلت الى السيد نوشيروان مصطفى امين واحتفظ بها عنده.
وفي سنة 2006 وعند اقامة مهرجان لمناسبة مرور(60) سنة على وفاة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية وحضرها الدكتور سعد بشير اسكندر مدير عام دار الكتب والوثائق ببغداد وتعرفنا عليه عن قرب واستطعنا عقد علاقات ثقافية معه ، وكان مقتنعاَ وراضياً ومرتاحاً من اهداف ومقاصد(مركز زين) وهو الاخر ابدى استعداده للتعاون معهم بقدر استطاعته وتفضل بأرسال نسخة مستنسخة من صحيفة(تيكه يشتنى راستى) متضمناَ جميع اعدادها.
وورد في افتتاحية العدد الاول الصادر في(1/كانون الثاني عام 1917يوم الثلاثاء).ان فهم الحقيقة جاءت لتخدم الانتصار والحرية للكورد . لان اليوم كل شعوب العالم يحاولون ويناضلون من اجل تحقيق هذا الامل ، ونحن من جانبنا وبقلب صاف نقوم بتحقيق كل ماهو مفيد للشعب الكوردي.
وفي العدد الثاني الصادر في (5) كانون الثاني 1918 يوم الثلاثاء نشر مقال تحت عنوان((كوردستان جه خيريكى(له روميانى) يعني له تركان دى) جاء فيها:
كانت كوردستان قبل أربع مائة سنة حرة ومستقلة عندما التجأ ملا ادريس البتليسي الى السلطان العثماني سلطان سليم ومنذ ذلك اليوم والى الآن ماذا استفاد الكورد وحصل عليه من العثمانيين هذا سؤال وجيه بدون شك جوابه كلا لان الكورد كانوا يعيشون احراراَ وان اباءهم واجدادهم كانوا مسلمين واباة منذ عهد حكام بابل وآشور وفارس والميديون كانوا كورداَ يعيشون حياة حرة مستقلين ومحررين.
وعندما جاء الاسلام وتم فتح بلاد الفارس وأراض اخرى .. وصولاَ الى عهد العباسيين توسعت وضمت مناطق اخرى الى الدولة الاسلامية منها حلوان ، لورستان ، وشهرزور، ودياربكر وللكورد اماراتهم المستقلة ورجالهم الشجعان ولكن الكورد وكما العرب اصابتهم مصيبة كبيرة . عندما جاء المغول والتتر وبسطوا نفوذهم على المنطقة وتم القضاء على جميع الامارات الكوردية.
و في العدد(8) الصادر يوم السبت المصادف 26/ كانون ثاني 1918نشر مقال تحت عنوان(سلطان صلاح الدين والاتراك) جاء فيه: سلطان صلاح الدين كان من كبار قادة الكورد والى اليوم لم يظهر رجل آخر مثل صلاح الدين ومن المحتمل سوف لم يظهر في المستقبل نقول من المحتمل وليس من المحقق ولكن في المستقبل سيظهر رجل آخر يتصف بالعلم والمعرفة.
وان الكل يعلمون بان الاتراك كانوا يحاولون تتريك الاقوام الخاضعة لسلطانهم من الارمن والكورد والعرب حتى يتخلوا عن قوميتهم وعندما احسوا بفشلهم ولم يستطيعوا تحقيق هذا الهدف. استخدموا اسلوباَ اخر وهو تشويه التاريخ واخذوا بتغيير قومية الاموات وهذا ما حدث عندما كتب نجيب عاصم في كتابه المطبوع سنة 1316 هجرية وفي الصفحة(446) ان صلاح الدين الايوبي باعتقادي هو تركي وليس كوردياً ولدينا دلائل تثبت ذلك وهي كالاتي:ـ
1ـ (مميت ـ (اي بيت) صلاح الدين كلهم اتراك)
2ـ تلك المناطق التي حكمها صلاح الدين وخلفاؤه من بعده من قادة كانت سابقاَ بايدي الاتراك وتحت سيطرتهم.
3ـ اسم والد صلاح الدين (شادي) ومعناه( ) وهذا لا كردي ولا فارسي .
4ـ خلفاؤه(توران شاه) فيه اسماؤه.
وترد الصحيفة على ادعاءات الكاتب التركي قائلاَ: ان سلالة صلاح الدين الايوبي والمعروف بانهم كورد.
وفي العدد(9) الصادر في 29 / كانون الثاني 1918 يوم الثلاثاء وتحت عنوان (حكومة انكلترا والفرس وكورد وترك وروس والمان) جاء فيها بما ان الكورد يحبون الفرس اكثر من الاتراك وهذه ترجع الى عدّة اسباب منها:ـ
1ـ اقترابهم من العرق الواحد
2ـ اقتراب اللغة الكوردية من اللغة الفارسية ووقوعهم ضمن العائلة اللغوية الواحدة وهي الهندو اوربية ان صح التعبير.
3ـ التكامل الاقتصادي.
4ـ ان الكورد في كثير من المرات اتفقوا مع الحكومات الفارسية(الايرانية) لردع تحركات العثمانيين (الاتراك).
5ـ وان القصيدة الحوارية التي نظمت ما بين الشاعر خضر(نالي) وعبدالرحمن سالم بيك بعد سقوط امارة بابان تعتبر وثيقة من الوثائق المهمة لادانة السياسة العثمانية الظالمة ضد الكورد البابانيين.
واذا تصفحنا التاريخ وتمعنا فيه نرى ان امير كبير بابان خان محمد والذي قتل بعملية اغتيال من قبل العثمانيين (الاتراك)سنة 1136هجرية كانت بحيلة مارسها الاتراك والتي جرت في حرب بين الفرس والعثمانيين وسيطر العثمانيون على مدينة(سنه) واستطاع الحاق الهزيمة بجيش عباس خان واوشكت ان تسقط مدينة اصفهان بأيديهم وان اشرفخان الافغاني الذي كان يحكم العرش الفارسي حينذاك كان في الحقيقة يقدر الصداقة الكوردية الفارسية. ومن اجل دفع هذه المشكلة وتجديد المودة والمحبة بين الكورد والفرس قام بتشكيل هيئة علمية وارسلت الى امير بابان محمدخان بابان.
وبخصوص الاتفاقية المعقودة بين روسيا والاتراك لتقسيم بلاد الفارس مهما يكن مضمونها ومدى خطورتها كان لها صداها..
وان الخان اشار اليها والذي اجل الكشف عن هذا السر واعلانه الى وقت مناسب. وفي النهاية سحب يده من الحرب مع الفرس وتراجع عن الاتفاقية.
وهناك امثلة ونصوص ادبية وتاريخية كثيرة تدين السياسة العثمانية ضد الكورد سوف نكشف واحدة تلو الاخرى في المستقبل القريب. واننا في هذه المقالة(القول لمحرر المقالة): نقول والقول للسياسيين الفرس ، مادام كانت توجد في الماضي مودة بين الكورد والفرس وفي الحقيقة كانت تلك المودة معتبرة وراسخة لدى الفرس كما هو لدى الكورد، ويجب الاستفادة من التاريخ والادب القديم والسياسة التي نهجها أشرفخان مع قادة ورؤساء الكورد ولنسترجع ما فعله العثمانيون عند ابرامهم اتفاقية مع روس سنة1136هجرية من اجل تقسيم بلاد الفارس.
واليوم وفي هذه السنة 1336هجرية قامت كل من المانيا والدولة العثمانية بتوقيع اتفاقية تتضمن نفس بنود الاتفاقية التي وقعت بين الروس والعثمانيين قبل مئتي سنة خلت في عهد سلطان سليم. وبدون شك ان الاتراك انقلبوا على الكورد لانهم لم يحصلوا على اي شيء وكما انهم لم يحصلوا عليها في الماضي. ولن يحصلوا عليها في المستقبل .
وفي نهاية المقال يقول اليوم ان حكومة بريطانيا العظمى جيران للفرس وهي تراعي وتحمي شعوب المنطقة وتعمل من اجل تطبيق الديمقراطية والحرية. والمطلوب من شعوب منطقة الشرق الاوسط ان لا تسلك مسلك الدولة العثمانية بل يجب عليهم عدم الانحراف عن الطريق والمسار الصحيح او يميلون باتجاه المانيا لانهم اذا ما حدث ذلك سوف ينزلقون ويذلون انفسهم وعليهم البقاء على تأييدهم لسياسة انكلترا التي تحميهم ومن اجل ان تحقق لهم الديمقراطية والحرية.
وفي المقالة الافتتاحية المنشورة في العدد(11) الصادرة في (5) شباط 1918م تحت عنوان((ان الكورد هم من الشعوب الارية وله فرقة(الزندية))) والشعوب الارية تشمل كل من(الكورد والفرس والافغان والارمن وبلوج)) وهذه الاقوام الخمسة هم جيران بعضهم ولهم علاقات متداخلة مزدوجة وهناك تداخل وتشابه في اللغة والعادات والتقاليد . كذلك لهم علاقات مع الاقوام السامية والمغولية ولكن لكل قوم او شعب من هذه الشعوب الارية عاداتهم وتقاليدهم الخاصة بهم وبقى كل واحد منهم يحتفظ بها وكذلك بقوا محتفظين بمكان وجودهم فيه وسكناهم وعلى لغتهم الخاصة بهم.
وفي الوقت الذي قام بعض المؤرخين العرب القدماء بتشويه تاريخ الكورد حيث قالوا بانهم من الاصل العربي وبمرور الزمن استكردوا.
ويقول البعض الاخر انهم في الاصل من الفرس وانفصلوا عنها.
ان هذين الرأيين فيهما شيء من الصحة لاننا قلنا ان الفرقة(الزندية) هي متكونة من كل من(الكورد والفرس والافغان والارمن والبلوج) وانهم جميعاَ من الشعوب الارية. لكن الكورد ليسوا من الفرس ولا العرب ولا الاتراك … الخ.

Taakhi