الرئيسية » مقالات » الحصانة البرلمانية

الحصانة البرلمانية

البرلمان أو مجلس النواب أو مجلس الشعب تسميات متعددة لمؤسسة دستورية تشكل السلطة التشريعية ، ويتكون المجلس من عدد من الأعضاء يتم انتخابهم عن طريق الشعب ، ويختص مجلس النواب بتشريع القوانين في الدولة الاتحادية ، والرقابة على أعمال وأداء السلطة التنفيذية ، وانتخاب رئيس الجمهورية ، وتنظيم عملية لمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعقودة بين العراق ونلك الدول ، بالإضافة الى تعيين رئيس وأعضاء محكمة التمييز ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الأشراف العدلي ، والسفراء وأصحاب الدرجات لخاصة الذين يتم اقتراح أسماؤهم من بل مجلس الوزراء ، وكذلك تعيي رئيس أركان الجيش ومعاونيه ومن هم بمنصب قائد فرقة ورئيس جهاز المخابرات ومسائلة وعزل رئيس الجمهورية وفق نصوص الدستور ، بالإضافة الى مسائلة الوزراء وسحب الثقة منهم وإقالة الوزارة وأعلن الحرب وحالة الطوارئ ، ومن خلال تلك المهام الخطيرة التي نص عليها الدستور ، ندرك أهمية المجلس والأعضاء العامين فيه ، وفي سبيل تفعيل عمل المجلس تدور لنقاشات وتطرح الأفكار ، ولهذا فأن الحرية التي يتمتع بها عضو البرلمان من اجل إتاحة الفرصة له لتقديم ما يخدم لشعب الذي خوله تلك المكانة وأوكل أليه تمثيله في هذا المجلس ، فأن الدستور منحه تلك الحصانة المشروطة ، التي تحمي أفكاره وآراءه من المسؤولية أثناء دورة الانعقاد ، غير أن الغطاء يمكن أن يتم سحبه منه أذا أرتكب أو اتهم بارتكاب جناية خلال تلك الفترة بالطريقة التي حددها الدستور .

يلعب أعضاء مجلس التواب دورا هاما في إرساء معالم الديمقراطية التي أكدتها المادة الأولى من الدستور عبر تمثيل أفراد الشعب، وعبر المناقشات الهادفة والنتائج التي تصاغ على شكل قوانين صادرة من المجلس ،

أن عضو مجلس النواب يعد ممثلا للشعب العراقي دون اعتبار لأي تمييز قومي أو ديني ، فهو يمثل الشعب العراقي ، وبالنظر لنيله ثقة الشعب قد صار وكيلا عنهم أمينا على حقوقهم ومتفهما للحاجة الى القوانين التي تسهل عمل السلطة التنفيذية وخدمة المواطن ، وبهذا يستمد أعضاؤه نيابتهم من الأمة وحقهم في التصويت حق شخصي لا يمكن تفويضه لغيرهم ، وعلى هذا ألأساس فأن الدستور وضع تلك الحصانة لعضو مجلس النواب لتسهيل عملية التلاقح والمناقشات الجدية بقصد التوصل الى أفضل السبل والحلول المطروحة ، ولذا فأن الحصانة التي يضفيها الدستور على عضو مجلس النواب لاتعني الحماية الشخصية ، ولاتوفر له درجة في التمايز كمواطن له من الحقوق والواجبات مايوفره الدستور لغيره من المواطنين ، الا أن الدستور يضع لعمله البرلماني تلك الحصانة ، وينظم حمايتها وفقا للقانون ، وفي سبيل فأن المجلس يدرس حالات سحب الحصانة دراسة وافية وعميقة ، ليس بقصد عرقلة الأجراءات القانونية في القضايا التي تمس حقوق الغير ، وإنما بقصد معرفة جدية تلك الاتهامات وعدم تعلقها بالأفكار والآراء التي يطرحها العضو داخل أطار المجلس ، فأن وجد إن العضو متهم بما يمكن إن يتم سحب الحصانة عنه ، فيتم أجراء سحب الحصانة بموافقة الأغلبية المطلقة من الأعضاء ، باعتبار أن القانون فوق الجميع دون اعتبار للمركز التشريعي أو الوظيفي الذي يشغله ، ولا احد فوق سلطة القانون ، وتلك الأجراءات تأتي انسجاما مع تمسك المجلس في التطبيق الدستوري والقانوني السليم ، وتجسيدا لمبدأ إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ، والأمر في كل الأحوال متروك للقضاء العراقي .

ومع إن العراق ملتزم بتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ، الا أن جسم الهيئة لتشريعية يعتبر منطقيا هو الجسم الأعلى في البلاد ، وهو الذي يخطط ويقنن النصوص من اجل رسم المرحلة التي تحكم وجوده للسلطة التنفيذية والقضائية ، مع أن القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون .

غير أن عضو مجلس النواب مواطنا ومن البشر ، ويمكن أن تصدر عنه بعض الأفعال أو الأقوال التي أن صح وقو عها يعاقب عليها القانون ، وحتى يمكن أن تكون هناك آلية معتمدة في رفع غطاء الحصانة البرلمانية عن ذلك العضو ضمن الإطار الدستوري والقانوني ، تتم مسائلة عضو البرلمان عن الاتهامات الموجهة له من الجهات القضائية المختصة ، علما بأن عضو مجلس النواب سبق وأن أدى اليمين الدستورية على التزامه بتطبيق التشريعات واحترام استقلالية القضاء .

أكد الدستور العراقي في المادة 63 منه على تمتع عضو مجلس النواب بالحصانة ( عما يدلي به من آراء أثناء دورة الانعقاد ) ، ولايتعرض وفق تلك الآراء للمقاضاة أمام المحاكم ، كما منع الدستور إلقاء القبض على عضو البرلمان طيلة مدة الفصل التشريعي ( الا إذا تم ضبطه متلبسا بجريمة جنائية مشهودة ) أو كان متهما بجناية ، حيث يقرر المجلس بأغلبيته المطلقة رفع الحصانة عنه .

هذه الحصانة توفر الحرية في طرح الآراء والأفكار دون تحمل عضو البرلمان المسؤولية القانونية مادام المجلس منعقدا ، إذ تكون تصرفاته خارج دورات لانعقاد وخارج المجلس يحكمها القانون ، ويكون مسؤول عما يصدر عنه من أقوال وأفعال .

كما لم يجوز الدستور القبض على عضو البرلمان خارج مدة الفصل التشريعي ( الا أذا تم ضبطه متلبسا بجريمة الجناية المشهودة أو اتهامه بارتكابها ) ، الا بعد موافقة رئيس مجلس النواب .

وفي حال وجود عدد من الاتهامات الجدية بحق عضو البرلمان ، فأن المحكمة المختصة ترفع طلب استدعاء أو استقدام عضو البرلمان إلى مجلس القضاء الأعلى الذي يفاتح مجلس النواب لرفع الحصانة عن ذلك النائب العضو لغرض استكمال الأجراءات التحقيقية ، ووفقا لتلك النتائج التي يقررها القاضي ، فأن تم غلق التحقيق والأفراج عن النائب سيعود الى المجلس يمارس عمله بشكل طبيعي دون شك .

أما في حال توفر الأدلة فأن المحكمة تحيل القضية الى الجهة القضائية المختصة للمحاكمة لتصدر قرارها الفاصل وفقا للقانون .

قد يرتكب عضو البرلمان جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون ، أثناء حمله الصفة النيابية ، وعند طلب القضاء الموافقة على سحب الحصانة مؤقتا عن العضو يصير الأمر متروكا أمام المجلس ، الذي يدرس موضوع الطلب وبموافقة الأغلبية المطلقة يتم رفع الحصانة عنه ، حيث أن الأجراءات التي يمكن أن تتخذها السلطة القضائية دون تلك الأجراءات الدستورية تعد باطلة ولاقيمة لها قانونا مالم تقترن بموافقة الأغلبية المطلقة التي أشار لها النص الدستوري ، ولكن بعد أن تنتهي فترة العضوية فإن العضو يفقد الحصانة التي اكتسبها من خلال صفته عضوا ، فيجوز بعد ذلك اتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهته من دون إذن البرلمان ودون الحصول على أجراءات سحب الحصانة ، لأن العضو فقد حصانته بانتهاء مدة عضويته ، وعاد مواطنا عاديا دون حصانة قانونية .

ويفهم من نص المادة 63 من الدستور انه يجوز للسلطة القضائية إصدار أمرا بالقبض على عضو البرلمان أو توقيفه دون تلك الأجراءات حتى في حالة انعقاد الفصل التشريعي أو خارجه ، أذا تم ضبطه متلبسا بجريمة مشهودة ( جناية كما حددها النص حصرا ) ، والجريمة سواء كانت جناية او جنحة تكون مشهودة في حالتين ، وهما حالة ما اذا ارتكبت في حضور أحد أعضاء الضبط القضائي، او اذا حضر المحقق أو قاضي التحقيق الى محل ارتكابها عقب ارتكابها ببرهة يسيرة وكانت أثارها ما زالت موجودة وواضحة وتقطع بقرب وقوع هذه الجريمة.

كما تعني الجريمة المشهودة أنها تقارب زمني بين وقوع الفعل الجرمي وبين مشاهدته أثناء أو بعد الانتهاء من ارتكابه فورا ، وفي كل الأحوال ، فأن الجريمة المشهودة هي التي تقع تحت سمع أو بصر الشهود .

وفي باب الاختصاص الشخصي في قانون العقوبات العراقي أوقفت المادة 11 سريان القانون على الجرائم التي تقع في العراق من الأشخاص المتمتعين بالحصانة المقررة بمقتضى الاتفاقيات الدولية أو القانون الدولي و القانون الداخلي ، الا أن هذا الإيقاف في القانون الداخلي مشروط بالحصول على أذن البرلمان ، أو دون تلك الأذن في حال الجريمة المشهودة ، وعليه فأن استمرار الإجراءات القانونية يتوقف على موافقة البرلمان في أن يستمر بعمله لتحقيق العدالة والمباشرة بالتحقيق في الجرائم المنسوبة للعضو أو الأعضاء ، والأمر يكشف مدى أحترام الهيئة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب لقانون وللقضاء ، ومن المؤكد أن البرلمان وهو الجهة التشريعية التي تصدر القوانين هو الجهة الأكثر التزاما بتلك القوانين واحترامها .

وحيث أن هذه الحصانة للمركز القانوني لعضو البرلمان لايملكها شخصيا ولا تدور معه بأي شكل من الأشكال ، فليس من حقه التنازل عن تلك الحصانة دون صدور قرار من مجلس النواب يقضي بسحب حصانته لاتخاذ الأجراء القانوني سواء كان متهما أو شاهدا في قضية تحقيقية معروضة أمام القضاء ، ودون موافقة المجلس على مثوله أمام القضاء .

وقد يتعرض عضو مجلس النواب للعقوبات ضمن نصوص النظام الداخلي للمجلس ، غير أن هذا العضو يتمتع بالحصانة عما يدلي به من آراء أثناء ممارسته عمله في البرلمان ، ولايمكن أن يتعرض للمقاضاة بسبب تلك الآراء والأفكار أمام المحاكم ، لأعطاه الفرصة والحماية والحرية في طرح الأفكار ومناقشتها وردها والتعقيب عليها خلال مدة أنعقاد البرلمان .

ولاتترتب على عضو البرلمان إزاء ذلك أية مسؤولية قانونية ، ويترتب على عدم المسؤولية البرلمانية أن العضو لا يسأل عن أقواله فلا ترتب تلك الأقوال والأفكار أية مسؤولية جنائية ولا مسؤولية مدنية لأنه يمتلك إباحة دستورية تخوله ذلك ، وقد يتعرض للجزاءات التأديبية التي نصت عليها اللائحة الداخلية للمجلس التي نصت عليها المادة 51 منه لتنظيم سير العمل فيه .