الرئيسية » مقالات » الإنتخابات المحلية القادمة ومستقبل القوى الديمقراطية اللبرالية المتناثرة في العراق

الإنتخابات المحلية القادمة ومستقبل القوى الديمقراطية اللبرالية المتناثرة في العراق

خمس سنوات مضت منذ الإحتلال الذي لا يزال جاثما على صدور العراقيين، و ما يسمى بالعملية السياسية تنهك نفسها بقدر ما أنهكت الإقتصاد والمجتمع العراقيين، سواء كان ذلك بسبب عوامل ذاتية، تعود، عموما، لعقليات المحاصصة الطائفية وضمور العقل الوطني الأشمل، وتكالب المصالح الأنانية، الفئوية والشخصية، رغم وجود بعض الإستثناءآت، أو لعوامل خارجية، غالبا ما تجسّدت بالإنصياع او الإستجابة، بوعي أو بدونه، لإملاءات مصالح خارجية، إقليمية ودولية، ومنها الإرتهان لحماية دولة الإحتلال الرئيسة، الولايات المتحدة، بدلا عن الإحتماء بالشعب العراقي بعد توحيده؛ وهذا إذا إفترضنا أن لقادة العملية السياسية جذور حقيقية ممتدة لهذا الشعب؛ جذور تتجاوز التوظيف الطائفي الهش والذي سرعان ما تكشّف خواءه وزيفه، للسواد الأعظم من الناس. لقد بات ملموسا، وعي الناس بفشل الأحزاب الدينية والعرقية المتحالفة معها في محاربة الفوضى والإرهاب والنهب والفساد، ناهيك عن النهوض بالإقتصاد ومستوى الحياة، وترصين النسيج الإجتماعي، وإرساء دعائم مجتمع ديمقراطي، حر وآمن. لهذه الأسباب، ولأسباب الصراع والتدخل الإقليمي الذي أججه الإحتلال بأجنداته المعروفه، المضادة لأجندات دول الجوار، وخصوصا إيران وسورية، دفع ويدفع الشعب العراقي بكل أطيافه وأعراقه أثمانا باهظة جدا، دفعها بدماء أبنائه الأبرياء، ومن لقمة عيشه ومعاناته المأساوية وبتشرده داخل وخارج وطنه. فمن المسؤول؟ ألا يجب أن يحاسب أحد على كل هذه الفواجع غير المسبوقة في التاريخ؟ هل يحق لهؤلاء القادة الذين تربعوا على رأس السلطة بكل فروعها، ان يأتوا بعد خمس سنوات من الموت والدمار والترويع الذي لم تنجو منه أسرة عراقية واحدة، ليقولوا إنتخبونا مرة ثانية؟ أليس عليهم أن يتواروا عن أعين الناس بعد كل الذي جرى؟ سيقول العراقي غير الملوث، وهو من سواد الناس، لماذا أنتخبكم مرة أخرى أيها السادة العظام؟ ماذا جنينا من قيادتكم لنا على مدى الخمس سنوات الماضية؟ أليس بينكم من يملك الشجاعة ليقول، نعم فشلنا، أو في الأقل أخطأنا بحقكم؟
وللموضوعية يصح أن نقول، أيضا، إن الكوارث والآلام والإرهاب الوحشي، كلها، قد تخففت، وهي تتخفف بجدية الآن، شكرا لسياسة الحزم وشجاعة القرار التي أنتهجهما، أخيرا، السيد رئيس الوزراء نوري المالكي؛ إذ لا يمكن لأحد أن يجحد هذا الأمر، بل يثني عليه كل الثناء، حتى ولو جاء متأخرا كثيرا. ومع ذلك، فإن العراقيين يفتشون عن بديل سياسي يحمل مشروعا عراقيا وطنيا جامعا، وعن قادة وطنيين مخلصين ليست لديهم أجندات أو إرتباطات خارجية، فهل سيجدوهم؟
ليس مهما من يحمل هذا المشروع، طالما هو عراقي صادق وشجاع، بغض النظر عن معتقداته الدينية والحزبية، لا بل، وليكن المالكي نفسه، ما دام يثبت أنه يحمل مشروعا وطنيا ديمقراطيا حرا، أي لبراليا إجتماعيا، يقف من الدين موقف المحايد، ويحمي حريات الناس الدينية والسياسية والشخصية، مشروع يتساوى فيه العراقيون، حقا، بموجب الدستور والممارسة، ويصبح الجميع، وفقا لذلك شركاء حقيقيين في الوطن وثرواته وكل ممكناته. عندئذٍ، فإن كل من يحمل هذا المشروع هو البديل المنتظر،مهما كانت هويته، ولكن، مع ذلك، لابد له من تقديم أوراق إعتماد للبرهنة على صدقيته؛ فماضيه ومواهبه ومواقفه من القضايا الوطنية، وخصوصا سيادة الوطن ووحدته هي من جملة وثائق إعتماده.
ولكن بعيدا عن هذا التنظير، يلاحظ المراقب الدقيق، على مدى الخمس سنوات المنصرمة، بان مشاهد الصراعات وملاحم الإرهاب وفضائح الفساد والنهب، والقتل على الهوية، والمسالك النفعية الرخيصة لكثير من القادة والمتسلطين والمنضوين تحت كل الشعارات والمسميات والمليشيات والرايات والعمائم البيضاء والسوداء، يلاحظ، بل ويلمس تمخض قناعات جماهيرية واسعة، نوجزها كالآتي:
1. سقوط هيبة القوى الرئيسة التي تقود العملية السياسية اليوم، وهي بالأساس الأحزاب الدينية والقومية العرقية المتحالفة معها.
2. إنخفاض شعبية القوى المهيمنة على البرلمان، مع بعض الفرز لبعض الشخصيات القليلة التي بدأت تميّز نفسها، بما فيها المالكي، نفسه، ورهط قليل جدا من بعض البرلمانيين المعروفين الآن.
3. إفلاس المدخل الطائفي لإدارة الدولة والمجتمع؛ حتى إن بعض الفصائل الدينية بدأت تراجع بجد مواقفها الطائفية، ذلك إن المظلومية أضحت تطال اليوم كل الشعب العراقي بكل مذاهبه وأطيافه، بل وكل أعراقه، دون إستثناء.
4. تنامي الدعوة الى المشروع الوطني الديمقراطي العراقي الجامع، ورفض واضح للمشاريع التقسيمية التي يحمل لوائها بعض الأطراف الرئيسة من قادة القوى المهيمنة على البرلمان.
5. تصاعد الدعوة لرحيل المحتلين، ورفض ربط العراق ورهن مستقبله بمعاهدات غير متكافئة مع دولة الإحتلال الرئيسة، الولايات المتحدة.
6. رفض شعبي واسع لقوانين تمنح إجازات لنهب ثروات العراق، في المقدمة منها، مشروع قانون النفط الفدرالي، ورديفه الإقليمي الكردي.
7. الدعوة الى تعديل الدستور، بما يضمن وحدة العراق، وسيادته الكاملة على ثرواته الطبيعية، والى تثبيت حقوق المرأة ومساواتها الكاملة مع الرجل، وإقرار حقوق متساوية لكافة الأقليات الدينية والعرقية. وإصدار كافة القوانين اللازمة لترصين الحياة الديمقراطية الحرة، بما فيها قانون للإنتخابات يقوم على أساس الإختيار الفردي، بغض النظر عن القوائم والأحزاب أو التحالفات التي قد ينتمي لها المرشح. والدعوة الى إصدار قانون للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، بما يكفل إستقلالها، و إستيفاءها لشروط دستورية ديمقراطية واضحة، لتصبح بذلك أحزاب ومنظمات جادة وحقيقية وليست وهمية.
8. تعاظم الدعوة لإرساء ديمقراطية لامركزية لهيكل الدولة، لاتسمح بتفتيت العراق، مع تثبيت الصلاحيات المركزية للحكومة الفدرالية، بما يمكنها من بسط نفوذها على كل شبر من أرض العراق الواحد، ويتيح لها قيادة إعمار وتنمية الإقتصاد العراقي بكل مفاصله ومستوياته، دونما تمييز.
9. إقرار التنوّع العراقي، ضمن وحدة وطنية عراقية لا ينفصم عراها، ووفقا لمفهوم المواطنة العراقية.
10. هناك شبه إجماع على المدخل السلمي لا العنفي لتحقيق إستقلال العراق ووحدته، وإن المقاومة الحقيقية تنبع من وحدة الشعب أولا، وخياراته المصيرية ثانيا.
تشكل هذه القناعات المتداولة اليوم منهج عمل تتنادى به كل القوى الديمقراطية المتناثرة اليوم في العراق، بغض النظر عن منطلقاتها الأيديولوجية، بعيدة الأمد. وهو بعد ذلك، منهج عمل يقوم على إلتزام حقيقي بالنظام الديمقراطي، بكل أبعاده، أي ليس فقط ببعده الإنتخابي السياسي، بل والثقافي والإجتماعي وألإقتصادي والإداري. فلماذا لا يختار الشعب هذه القوى التي تحمل هذا المنهج؟ والجواب هو لأنها ضعيفة ذاتيا، اولا، ولأن الإرهاب والقوى المهيمنة، بما فيها ذات المليشات القمعية، تحتكر الشارع وتقود الناس بكل وسائل الخداع والتوظيف، وخصوصا من خلال المواكب الحسينية والمناحات العاشورية والخطب الدينية ، ثانيا. ويبقى السؤال، من هي هذه القوى الديمقراطية التي يمكن أن تشكل بديلا سياسيا؟ ليس هنا المجال لنتحدث بالنيابة عن هذه القوى، فهي تستطيع أن تتحدث عن نفسها. ولكن، عموما، من الناحية التأريخية، لدينا الحزب الوطني الديمقراطي الذي تمتد جذوره الى ما قبل الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك، فهو لم يمارس الحياة السياسية لأكثر من عقدين من الزمن، جلها كانت إبان العهد الملكي؛ ويبقى هذا الحزب وريثا حقيقا لتقاليد ديمقراطية، كانت متقدمة في وقتها. وعلى الرغم من تبدل الأجيال وحجم المناصرين له، فهو لا يزال يشكل حاضنة لمن يبحث عن خيار ديمقراطي. ولدينا، تأريخيا، الحزب الشيوعي، وهذا هو الحزب الأعرق الآن في الساحة العراقية، فعلى مدى سبعين عاما من نشؤه، لم يتمكن من العمل العلني إلا لسنوات تعد بأصابيع اليد، أما لتعسّف الأنظمة، بما فيه الملكية، أو لسيادة الأنظمة الطغيانية، العسكرية والصدامية. وهو حزب قدم تضحيات هائلة عبر مسيرته الطويلة. ومهما كانت شعاراته في السابق، فهو يطرح اليوم الخيار الديمقراطي، وينادي بتعزيز العمل الديقراطي السياسي. ويشارك الحزب الشيوعي اليوم في العملية السياسية بصورة طفيفة، لكنها محسوسة. وربما ترتب عليه أن يوضح للشعب ولجماهيره المناصرة له مواقفه من عدد من القضايا المصيرية، كقانون النفط، والفدراليات، وقنون الإنتخابات وغيره من قوانين. والحقيقة، على التيار الديمقراطي بكل روافده التأريخية والجديدة أن بصبح الآن لسان الشعب العراقي كلة، وان يعمل بلا كلل لإثارة الوعي الديمقراطي. الى جانب هذين الحزبين نشأت كتل واحزاب، منها ما كان ضمن المعارضة العراقية، مثل حركة الوفاق التي يقودها الدكتور أياد علاوي، الذي ترأس أول وزارة عراقية تحت الإحتلال، وتراس القائمة العراقية في الإنتخابات العامة في نهاية عام 2005. وحركة الوفاق تعتبر نفسها فصيل ديمقراطي لبرالي، يعمل لصيانة الدستور و يؤيد تطوير العملية السياسية. ولسنا، بالطبع، في معرض تقويم هذه الكتل والأحزاب، فذلك أمر متروك للشعب. كما وهناك كتلة الحوار الوطني التي يقودها المطلك. وثمة حركات صغيرة، قومية ووطنية، وبعضها قديم العهد، مثل الحركة الإشتراكية العربية التي يقودها الأخ عبد الإله النصراوي، وغيرها من قوى أخرى صغيرة، بعضها يعمل في مجال المجتمع المدني، مثل منظمة العمل الوطني الديمقراطي الإجتماعي. وهناك، أيضا، حزب الأمة بقيادة الأخ مثال الآلوسي، بل وهناك جماعات وتنظيمات تحت التشكيل، مثل تشكيل الأخ الدكتور مهدي الحافظ. وهذا فضلا عن وجود شخصيات ديمقراطية عديدة، منها الأستاذ عدنان الباجةجي وسعد صالح جبر وغيرهما. أضف الى ذلك، فإن الحزبين الكرديين، الإتحاد الوطني الكردستاني،والحزب الديمقراطي الكردستاني، يعتبران نفسيهما حزبين ديمقراطيين، قبل أن يكونا قوميين. ويمكن ان نضيف اسماء شخصيات ديمقراطية عديدة، دخلت الساحة السياسية، وبارحتها، او تعوّق ولوجها للمعترك السياسي؛ ولا ننوي، بالطبع، هنا سرد هذه الأسماء ولا عناوين التنظيمات العديدة التي اعلنت نفسها كقوى تسعى من أجل بناء وتعزيز الديمقراطية في العراق؛ نحن لا نريد تسويق أحد سياسيا، إنما نريد أن نؤكد إن روافد القوى والحركات الديمقراطية واللبرالية غنية ومتعددة، لكنها، للأسف، (بإستثناء الحزبين الكرديين، لأنهما فصيلان لهما أجندات قد تختلف عما لدى بقية القوى الديمقراطية العراقية)، متشرذمة وضعيفة، لأسباب ذاتية وموضوعية ايضا. سنشير إليها أدناه.
أولا: العوامل الذاتية؛
لا تشاد الأنظمة الديمقراطية بالتمني، ولا بالتثقيف النظري وحدهما، بل بخوض غمار التجربة السياسية، وتفشي الوعي الجماهيري بها، وتمسك القيادات والمنظمات المدنية الجماهيرة بأهدابها. ولو نظر أي منصف لتاريخ العراق الحديث، اي منذ عام 1921، لما وجد لهذه التجربة السياسية أثرا كبيرا، إلا لفترة محدودة، إنتعشت فيها بعض الحريات قليلا ، وهي فترة العهد الملكي التي إمتدت لسبع وثلاثين عام فقط؛ وحتى في ذلك العهد كانت ديمقراطية نخبوية ووجاهية، يتخللها التزوير والتحريف والتجميد، فضلا عن إستبعاد أحزاب، كالحزب الشيوعي، ولاحقا بعض الأحزاب الدينية، كالتحرير، والقومية، كالبعث. فكيف إذا، تترسخ ثقافة الديمقراطية، وكيف تتمرس وتتأهل كوادر قيادية ديمقراطية في الفكر والسلوك؟ بل إن ثقافة الراعي والرعاع هي التي سادت ولا تزال متمكنة في عقول الكثير من المثقفين وبعض المتنطعين للعمل السياسي في العراق. إذ لايزال النقد يعتبر شتيمة، لا حرصا على المصالح العليا؛ ولايزال هناك من يشخصن سلطته، ويعتبرها ضمن أموره الشخصية؛ ولايزال هناك من يرى في نفسه العصمة والكمال؛ ولا يزال هناك من يعتقد أنه هو او حزبه أو مذهبه أو عشيرته أو ملّّته، من يمتلك كل الحقيقة ولا يجوز لأحد أن يطارحه الرأي، ناهيك أن ينقده! فلغياب التجارب، ولإنخفاض الثقافة الديمقرطية، بل وإحتقارها، وإعتبارها، من قبل بعض الأصوليين، بضاعة غربية فاسدة وشريرة! لايمكن القول بوجود عوامل ذاتية موائمة للعمل الديمقراطي، إلا، ربما، بهّز العقول وإعلاء صيحات الوعي والتنوير، وشحذ شجاعات الرجال في ساحات المنازلات السياسية، وخصوصا الإنتخابية منها. ولعل مثقفي اليوم، الحاملين لواء الديمقراطية، هم مدعوون لإختبار معدن ثقافتهم الديمقراطية وإيمانهم بها، وذلك عبر إظهار قدرتهم على التوّحد بتيار ديمقراطي عارم، لإيقاف القوى الدينية والعنصرية عند حدها، أو، في الأقل، لتقليل نفوذها في الإنتخابات المحلية القادمة، كتجربة تمهيدية، للإنتخابات الوطنية العامة في عام 2010.
ثانيا: العوامل الموضوعية؛
على الرغم من ضعف العوامل الذاتية، فقد إقتحم رجال شجعان معترك العمل السياسي الديمقراطي في داخل العراق، فعاني قسم منهم الأمرين، بل إن بعضهم أغتيل هو أو بعض عائلته، والآخر لوحق وشرد، وبعضهم ما زال ولم يبدل تبديلا! لعل هيمنة الأحزاب الدينية والكردية، وقسم منها له مصادر تمويل هائلة، فهم يملكون الصحف والمقرات ووسائل الإعلام، والمليشيات المسلحة والصحف والفضائيات العالمية، والقدرة على عقد المؤتمرات والندوات والإحتفالات، بحمايات رسمية مدججة بالسلاح، (فماذا لدى معظم القوى الديمقراطية؟ حتى إن قادة بعض الكتل الديمقراطية يدير كتلته من الخارج، لأنه إن عمل في داخل العراق، يجري إغتياله!)، فهذا هو أحد العوامل الموضوعية السياسية في ضعف وتشتت التيار الديمقراطي. فهذا التيار هو الأغنى ثقافيا، وهو الأغزر من حيث الثقافة والمثقفين، بل وهو الخيار الأقرب لعقول الناس، وهو الأكثر واقعية وملائمة لبلد متعدد الثقافات والأديان والأطياف، والتنوع الحضاري، ومع ذلك وجدناه مطاردا في بعض مناطق ومدن العراق، كالبصرة والرمادي والموصل وغيرها، بل وحتى بغداد، نظرا لهيمنة القوى الظلامية والأحزاب المليشياوبة، الدينية وغير الدينية! ولقد وصل الأمر أن بعض القوى الديمقراطية الصغيرة كفت عن العمل السياسي، وبعضها إتجه للعمل الإنساني، ضمن منظمات المجتمع المدني، لرعاية الأيتام والمعوقين ومجهولي الوالدين، وغير ذلك! كما إن واقع حال أغلبية القوى الديمقراطية الصغيرة، هو أنها لا تملك مالا يكفي حتى لعقد مؤتمر واحد، قكيف لها أن تصدر جريدة أو تأسس قناة فضائية على غرار الأحزاب الدينية التي لايعوزها مال ولا سلاح، فهناك من يمولها من خارج الحدود. و قد بلغ الأمر إن بعض الأحزاب الدينية، قد إشترت عقارات ضخمة، ناهيك عن المقرات والأبنية الرسمية وحتى الشخصية التي إستولت عليها نهارا جهارا، وعلى عينك يا تاجر! والسؤال المشروع الآن، كيف وحالة اللاتكافؤ هذه، أن تجرى إنتخابات حرة وديمقراطية، سواء كانت محلية أو وطنية؟ ألا يربحها الأقوى المدجج بالسلاح والمال؟ اليس بمقدور الأقوى أن يقوم بتكديس الناس بالباصات واللوريات وجلبهم الى مراكز الإنتخابات، لينتخبوا من يامروهم بإنتخابه. أما حكايات وبدع تبديل صناديق الإنتخابات وتزوير الإنتخابات، فقد صار فيها تمرس ملحوظ منذ عدة إنتخابات سبقت!
فما هي حظوظ وإستراتيجية القوى الديمقراطية الضعيفة والمتناثرة في الإنتخابات المحلية القادمة؟
لتجنب السرد الطويل نورد النقاط الجوهرية الآتية:
1. تقتضي مصلحة الوطن المصيرية ان تلتقي هذه القوى، حتى ولو كان بعضها بلا جماهير أو قواعد، ومعظمها هي فعلا كذلك، و تعلن توافقها على برنامج عام لا يدخل فيه بالتفاصيل، بل على غرار الخطوط العامة التي أشير إليها في هذا المقال سالفا.
2. لحسن حظ القوى الديمقراطية الوطنية العراقية, بان لها أنصار هائلين من العراقيين في الخارج، وهناك العشرات من المواقع والصحف الإلكترونية، ومئات الكتاب العراقيين اللامعين الذين سيقفون معهم وقوفا راسخا، بل إن بعضهم له مراسلين ونشطاء داخل العراق وفي صميم المعارك هناك. فعلى القوى الديمقراطية تقوية علاقاتها بهذه الجهات، وتسهيل مهامها بكل الوسائل المتاحة، كتزويدها بافلام الفديو والتقارير والصور، وإيصال كتابات العراقيين الديمقراطيين للشعب العراقي، اينما كان.
3. البدء بحملة واسعة للمطالبة بأمن الحملات الإنتخابية، وبدعوة مراقبين دوليين، لتعزيز دور اللجنة العليا للإنتخابات في ضمان عدم تزوير الإنتخابات و توكيد نزاهتها وسلامتها من العبث.
4. على قادة كل الأحزاب والكتل والمنظمات الديمقراطية، التعالي عن الزعامات، والنسب والحصص، عند إعداد القوائم الإنتخابية. وذلك على الرغم من إيماننا بأن نظام القوائم غير نافع، بل وحتى غير دستوري، في رأينا، حيث يتوجب أن يكون الإنتخاب فردي، مع إعلان القائمة التي ينتسب إليها المرشح. وهذا يقتضي إن يتنقي الناخب الأفضل من المرشحين، ومن معرفته بهم مباشرة. وهذا، ايضا، يقتضى إنه يجب زيادة عدد مرشحي القوائم الديمقراطية، لكي تعطي للناخب في المنطقة الإنتخابية أكثر من خيار واحد. وهل نزيد بالقول، بان المرشحين يجب أن يتمتعوا بالكفاءة والتأهيل والسمعة الأخلاقية والوطنية العالية. وبدون ذلك، ستتكرر بعض نماذج مجلس النواب العتيد الحالي.
5. على القوى الديمقراطية أن تسرع في لمّ صفوفها وتعلن قيام تيارها دون إنتظار إلتحاق كل القوى الكبيرة التي تريد او تعتقد بان لها سيكون القدح المعلى, فلا باس أن تكون هناك كتلتان أو ثلاث كبيرة، حيث يمكن التوافق على إستراتيجية عمل واحدة بعد الفوز بمقاعد في المجالس البلدية. ويمكن الإنطلاق من تجمع ” مدنيون” الذي يضم الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي والحركة الإشتراكية العربية وعدد كبير من الشخصيات المستقلة. فلهذا التجمع يمكن دخول قوى أخرى كثيرة، وبدون شروط، لا على الزعامة ولا على الحصص، وخصوصا إذا كان الأنتخاب على أساس فردي، أما إذا ظل على أساس القائمة، فينبغي أن تأتي الكفاءة والسمعة قبل الحصة، وعلى القوى المختلفة أن تمارس نكران الذات من أجل القضية الأكبر، لإيقاف الهيمنات الطائفية على مستوى المجالس البلدية. وهذا موضوع خطير لأن تيار المجلس الأعلى وبعض مناصرية يدعو لفدرالية تقسيمية لتسع محافظات. وعليه يجب وقفهم، هذا هو أهم سر في معركة الإنتخابات المحلية القادمة. فعلى الوطنيين العراقيين أن يوقفوا تقسيم العراق قبل كل شئ.
6. حالما يتشكل التيار الديمقراطي، ينبغي فتح حساب مصرفي في الداخل والخارج لتلقي التبرعات، ولا أغالي بالقول بأن العراقيين في الخارج سوف لن يقصروا مطلقا. ومن هنا أهمية التنسيق مع المواقع والشخصيات والتجمعات العراقية في الخارج.
نطرح هذه الأفكار العامة في ضؤ الكثير من الحوارات والمراسلات التي أجريناها مع العديد من الشخصيات والمثقفين العراقيين، داخل وخارج العراق، ونحن ندعو الى تدارسها وإغناءها، وصولا الى ما هو أفضل لخدمة العراق الغالي.