الرئيسية » مقالات » حقوق الإنسان في العراق.. ما أشبه اليوم بالبارحة

حقوق الإنسان في العراق.. ما أشبه اليوم بالبارحة

لطالما تعرضت حقوق الإنسان في العراق للإنتهاك والتهميش في أقل تقدير على مدى التأريخ ولاندري إن كان قد كتب على هذ الإنسان أن تنتهك حقوقه مادام يعيش على هذه البقعة الجغرافية من الأرض التي إسمها العراق.. فإستعباد الإنسان العراقي وظلمه وإنتهاك حرياته وحقوقه المدنية كانت صفة ملازمة لأغلب الدول والحكومات والنظم السياسية التي حكمت العراق على مدى قرون إلا مارحم ربي وفي كل مرة كان يظن فيها العراقيون بأنها ستكون خاتمة لسنوات القهر والإستعباد كانت دورة الظلم تتجدد وتتغذى عبر رؤى وأفكار جديدة وبواسطة أحزاب وشخصيات ونظم سياسية جديدة كانت أغلبها تداعي قبل وصولها الى السلطة بحقوق الإنسان العراقي حتى إذا ما تحقق لها ذلك قلبت ظهر المجن للشعب العراقي ولحقوقه المدنية بل وحتى الإنسانية

مثال على ذلك تلك الشخصيات والأحزاب السياسية بل وقبلها شخصيات ومنظمات حقوق الإنسان التي كانت تعارض نظام البعث والرئيس السابق صدام حسين الذي حكم العراق بالحديد والنار على مدى عقود للفترة التي سبقت 2003 والتي كان لتركيزها على موضوع حقوق الإنسان وماتتعرض له من تجاوزات وإنتهاكات في ظل ذلك النظام الأثر الكبير بتدمير صورته أمام الرأي العام العالمي وتأليبه وحكوماته ضد ذلك النظام مما أدى في النهاية لسقوطه في نيسان 2003.. وفي الوقت الذي كان متوقعاً أن تكون فيه هذه الشخصيات والمنظمات على قدر المسؤولية وأن تواصل دورها المبدأي الإنساني المطالب بحقوق الإنسان العراقي والمدافع عنها بوجه أي إنتهاكات تحصل لها بأيدي السلطة الجديدة المتمثلة بأحزاب المعارضة السابقة بدئنا نلمس بدلاً من ذلك تراجعاً ملحوظاً من قبلها في القيام بهذا الدور بل وباتت تلتزم صمتاً مطبقاً وسكوتاً مريباً أزاء مايحدث في العراق منذ ذلك التأريخ من إنتهاكات لحقوق الإنسان.. وقد جعلنا ذلك بدئاً في حيرة من أمرنا حتى إكتشفنا شيئاً فشيئاً بأن أغلب هذه الشخصيات والمنظمات لم تكن سوى واجهات ودكاكين لأحزاب المعارضة آنفة الذكر بل ووسيلة ضمن وسائلها المتعددة التي كانت تستخدمها لمحاربة النظام السابق بهدف إسقاطه أي إن تبنيها لموضوع حقوق الإنسان وإثارتها له لم يكن بدافع مبدأي وقيَمي وإنساني بحت بل بدافع سياسي ثأري لتحقيق غايات حزبية وسياسية تمثلت بسقوط النظام السابق والحلول محله وبالتالي لم يعد هذه الموضوع ذو أهمية وأولوية بالنسبة لهذه الشخصيات والمنظمات وهو مايُفسِّر غضها للطرف عن إنتهاكات حقوق الإنسان التي قامت وتقوم بها قوات الإحتلال الأمريكي وميليشيات وأحزاب السلطة الحالية منذ ذلك التأريخ دون أن تحرك ساكناً أو ترفع يداً أو تسيل مداد قلم أو تنظم إعتصاماً لفضح هذه الإنتهاكات وما أكثرها في عراق اليوم.. فقبل حق الإنسان في التعبير عن وجهة نظره وقبل حقه في حرية التصرف والتفكير كما يحلو له هنالك الحد الأدنى من حقه في إمتلاك رقعة من الأرض يستطيع أن يعيش عليها وسقف يلتحف به وعائلته يحميه ويحميهم من حر الصيف وبرد الشتاء وهنالك الحد الأدنى من حقه بالحصول على مايكفيه من طعام يسد رمقه ورمق عياله وهنالك الحد الأدنى من حقه في العيش بأمان وبدون خوف ورعب وتهديد من أن يتم قتله وإغتياله وذبحه وسجنه بدون سبب وهنالك الحد الأدنى من حقه في الحصول على الوقود والماء والكهرباء وغيرها من أبجديات الحياة الطبيعية بل والحد الأدنى من حقه بالعيش وهي كلها حقوق مفقودة ولايمتلكها الشعب العراقي في ظل دولة إدعت أغلب الأحزاب الحاكمة فيها بأنها مع حقوق الإنسان .

المفروض أن قيمة ومبدأ حقوق الإنسان عامل ثابت لايقبل القسمة على شيء ولايمكن أن ينظر إليه من منظارين مختلفين ولايتغير ويتبدل بتغير وبتبدل الظروف والأزمنة والأحوال ولكن مانراه اليوم هو أن الكثير من الشخصيات والمنظمات التي كانت ولاتزال تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق والعالم تنظر الى حقوق الإنسان من منظارين مختلفين وبإزدواجية واضحة.. فهل يمكن لداعية حقوق الإنسان أن يداعي بها إذا قام بإنتهاكها عدوه أو من كان عدوه في حين يتناساها ويغض الطرف عنها إذا قام بإنتهاكها صديقه أو حليفه أو من كان كذلك ؟.. وهل يمكن لداعية حقوق الإنسان أن يحارب من ينتهك هذه الحقوق ويشهر به ويفضحه في كل مكان إذا كان عدوه في حين يماهي ويجالس ويعمل مع من ينتهك هذه الحقوق إذا كان صديقه او حليفه ؟.. وهل إن حقوق الإنسان هي بدلة قام بعض المعارضين للنظام السابق بإرتدائها فقط وفقط لمحاربته وإسقاطه حتى إذا تحقق لهم ذلك خلعوها عنهم ورموها في سلة المهملات ؟.. وهل إن الدفاع عن حقوق الإنسان وظيفة يقوم بها البعض كواجب لتحقيق هدف سياسي مادّي أم إنها قناعة يدعوا لها ويعمل على تحقيقها من يريد الوصول الى هدف إنساني سامي ؟.. وهل إن حقوق الإنسان العراقي في مدينة الصدر أو سوق الشيوخ أو البصرة عام 1991 تختلف عن حقوق نفس هذا الإنسان في نفس هذه المناطق عام 2008 ؟.. إذ كيف كان أبناء هذه المدن عام 1991 أبطال وثوار ومناضلين من أجل الحرية ينبغي الدفاع عن حقوقهم ومساندتهم وكيف تحولوا عام 2008 الى زمر وعصابات من القتلة واللصوص والمجرمين ؟.. وكيف إن نفس الأقلام التي كانت تدعي الدفاع عن حقوق أبناء هذه المدن عام 1991 في صحف المعارضة باتت اليوم تدعوا الى قتلهم وتصفيتهم في صحف الدولة وأحزابها ؟.. فهل إن قتل الناس دكتاتورية وإنتهاك لحقوقهم إذا حصل بيد او بواسطة حزب البعث فيما هو ديموقراطية وحفظ لكرامتهم إذا حصل بيد أو بواسطة أحزاب السلطة الحالية التي كانت معارضة لسلطة حزب البعث ؟

إن الظاهرة التي نتحدث عنها هنا هي أكثر وضوحاً خارج العراق منها في داخله ففي الوقت الذي تعاني فيه أغلب الشخصيات والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان داخل العراق الأمرّين بل وتقدم التضحيات يومياً على هذا الطريق الصعب والخطر نرى بالمقابل أن الكثير من الشخصيات والمنظمات في الخارج تجلس مع من يمثلون أحزاب السلطة الحالية وبالذات تلك المتهمة بإنتهاك حقوق العراقيين وقتلهم وذبحهم وتصفيتهم وتهجيرهم بأبشع الصور والأشكال !.. وفي الوقت التي كانت تقوم فيه بعض هذه الشخصيات والمنظمات ولاتزال بالتظاهر والإعتصام جنباً الى جنب مع أتباع تلك الأحزاب بالخارج إستذكاراً وإحيائاً لذكرى جريمة قام بها النظام السابق رغم سقوطه وزواله لم تقم حتى الآن بمظاهرة أو إعتصام واحد تندد فيه بواحدة من عشرات ومئات الجرائم التي قامت ولاتزال تقوم بها قوات الإحتلال وبعض أحزاب السلطة الحالية وتعرض فيها جزئاً يسيراً من الكم الهائل للصور والشهادات المريعة لإنتهاك حقوق الإنسان التي تحصل بالعراق حالياً في كل يوم وكل لحظة بل هي لاتزال تعيد وتصقل وتستنكر وتستهجن فقط ماحدث من إنتهاكات لحقوق الإنسان في العراق قبل 2003 وكأن الزمن قد توقف لدى بعضها عند ذلك التأريخ ومسؤوليتها تقتصر فقط على ماحدث قبله مما بات معروفاً وواضحاً لكل العالم أما ماحدث ويحدث من إنتهاكات بعده مما لايعلم به أحد ومما يعتم عليه فلايهمها وليس من مسؤوليتها وإختصاصها وإن تحدث بها وعنها أحد وصِفَ بأنه بعثي وصدّامي ومن أزلام النظام السابق.. وهنا تجدر الإشارة الى ملاحظة مهمة وهي إن إنتهاك حقوق الإنسان في العراق لاتقوم به طائفة أو قومية معينة كمايحاول أن يروج البعض فمعدومي القلب والضمير ومن لديهم قابلية لإنتهاك حقوق الإنسان موجودون في جميع الطوائف والقوميات وفي رقبة الكثيرين منهم دماء لايسأل عنها أحد وأيادي الكثيرين منهم ملطخة بدماء مئات وألوف الضحايا ورغم ذلك يسارع الكثيرين من دعاة حقوق الإنسان الى مصافحتها وتقبل الهدايا والعطايا منها ومن أحزابها لأنهم أما رفاق نضال سابقين وكانوا من معارضي النظام السابق أو لأنهم وهو الأخطر من نفس طائفة أو قومية داعية حقوق الإنسان !

إن بعض شخصيات ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق باتت أشبه بوعاظ السلاطين بالنسبة للسلطة الحالية وأحزابها فعمل بعضها اليوم يقتصرعلى التسبيح بحمدها وإيجاد بل وخلق المبررات لما فعلته وتفعله وستفعله في المستقبل مهما كان.. وفي أحسن الأحوال فإن عملها بات يقتصر على التنظير الفارغ الذي لم يحرر سجين رأي من سجنه ولم يرد حقاً مسلوباً لصاحبه وذلك من باب رفع العتب بعيداً عن أية ممارسات وأفعال حقيقية تصب في مصلحة الإنسان العراقي لذا بات لزاماً على أصحاب الضمائر الحية من أعضاء هذه المنظمات أن يقوموا بدورهم الذي تفرضه عليهم قيمهم ومبادئهم التي تؤمن بحقوق الإنسان ويبادروا لإخراج منظماتهم من حالة الصمت والخمول والبيروقراطية التي تعيشها وأن يعيدوها لأداء دورها الإنساني الذي تفرضه عليها الأخلاق والقيم الإنسانية والسماوية على الأقل من خلال توثيق الإنتهاكات التي تطال حالياً حقوق الإنسان في العراق والإشارة إليها سواء عن طريق النشر أو تنظيم الإعتصامات الجماهيرية لتنال إحترام وتقدير شعوبها وقبله إحترامها لنفسها .