الرئيسية » مقالات » ( شيء من ظلها) لحسن إغلان

( شيء من ظلها) لحسن إغلان

تنهض الكتابة في العمل الجديد للقاص المغربي حسن إغلان المعنون ” شيء من ظلها”، الذي يأتي بعد مجموعتين قصصيتين ” وقائع الأيام الأولى” سنة 1991 و”وليمة الكلام” سنة 2000، على تنشيط مكثف للذاكرة انطلاقا من عبور مفعم بالحنين، وبالنقد أيضا، إلى حياة طالب جامعي بمدينة الرباط المغربية. وهو عبور حارق نتلمس لهيبه منذ بداية هذه المحكيات بما تتضمنه من أحداث ووقائع تحيل مباشرة على مرحلة أساسية من تاريخ المغرب الحديث حيث كان التعسف سيد المشهد العام في هذا البلد.

وإذا كان من شروط ووظائف الكتابة الجيدة، كما أشار إلى ذلك إليوت في كتاب ” الشعر والشعراء” (2)، تحقيق المتعة أولا فإن هذه المحكيات تستجيب لهذا الشرط وتساهم إضافة إليه في إلقاء مزيد من الضوء على تفاصيل مرحلة سوداء، وبهذا يكون المبدع حسن إغلان قد انخرط في جملة من الكتابات طفت على سطح المشهد الثقافي المغربي في ظل الانفراج الذي يشهده المغرب الآن على مستوى توسيع هامش الحريات العامة. وقد استقطب هذا النوع من الكتابات فعاليات ثقافية وسياسية مختلفة، كل يدلي بنصيبه مستعيدا جزءا من ذاكرته التي ظلت مصادرة لفترة طويلة على امتداد سنوات استقلال المغرب وإلى حدود أواسط التسعينيات تقريبا، ويغلب على جل هذه الكتابات طابع المذكرات.(3)
تقوم أحداث محكيات المؤلف، التي تشكل في النهاية محكية واحدة، على مواجهة حامية بين الحب والإيديولوجيا والواقع، فجاءت مفعمة بعذاب المحب في أحيان كثيرة. كيف يستقيم الحب في ظل تنافر إيديولوجي بين عاشقين؟ ذلك أن الإيديولوجيا بحد ذاتها تولد هي الأخرى قمعها، تعد بالحرية لكنها تكبحها من خلال تدخلها، وفق تصور ساذج وضيق، في أدق الخصوصيات الشخصية، فكانت لاتسمح بعلاقات عاطفية خارج دائرة التشيع الحزبي.
إلى جانب هذا اصطدمت الإيديولوجيا باعتبارها مبشرة بالثورة والحرية بواقع صلب قوامه القمع والاعتقال والمطاردة؛ واقع لا يستجيب ولا يسمح بأي شكل لفورة الحماس الداخلي لدى شخصيات حسن إغلان بأدنى امتداد خارج أسوار الحرم الجامعي. وقد طرحت هذه المواجهة مجموعة من الأسئلة لعل أبرزها هو السؤال المتعلق بالحدود التي يبتدئ منها وينتهي عندها تدخل الإيديولوجيا في حياة الفرد، حيث إن كل أحداث المحكيات خاضع لإشارتها، وبذلك يكون المثقف الذي يجسده السارد، بكثير من التوفيق، محكوما بسلطتين وخاضعا لقمع مزدوج: قمع السلطة السياسية وقمع الفكر الإيديولوجي الذي يعتنقه.
سيرة جيل الأزمات
يشكل السارد في “شيء من ظلها” الشخصية المحورية وهو إضافة إلى ذلك ينفرد بوظيفة السرد، ملتقطا تفاصيل مرحلة من تاريخ المغرب الحديث، مستعرضا أحداثا كان طرفا فاعلا فيها، في فضاء واحد هو فضاء الطلبة الجامعيين بمدينة الرباط ( وفاس من خلال بعض الزيارات). هذه المعطيات دفعت القاص المغربي المعروف أحمد بوزفور لأن يسجل في مستهل الكتاب ملاحظة دقيقة يقول فيها إن هذه المحكيات “من حيث وحدة الشخصية ووحدة الفضاء وضمير المتكلم وتقنية الاسترجاع تبدو أشبه بالسيرة، غير أنها سيرة ظل أكثر مما هي سيرة شخص”. وهي في نظرنا سيرة جيل كامل من الشباب أسماه الكاتب في الصفحة 28 ” جيل الأزمات” اعتنق أفكارا يسارية، بحكم السياق العام آنذاك، وهو جيل يجد نفسه الآن في مرحلة نقد ذاتي إما لكي يبرر معتقداته ويدافع عن روحها وإما لكي يقطع مع الماضي بشكل نهائي.
بذلك يجد السارد نفسه موزعا بين زمنين يستمر أحدهما في الآخر، بين الماضي المتواصل في الحاضر من خلال نقمة الذاكرة التي لا تنسى ، والحاضر ذي الجذور الممتدة في الماضي من خلال التفاته إلى ما كانهُ، حيث يتحول الحلم الذي كانت تؤججه أفكار اليسار في العالم إلى مجرد وهم وكومة من المواجع يقول:”لم ضيعتني وسط هذا الركام من الأوراق القديمة ونبشت مخيلتي لكي توقظ الوهم من جديد”. وتتحول رفيقته إلى مجرد ظل فقط وهو ما ينبئ بخيبة أمل مضاعفة، فلا الثورة قامت ولا الحب استمر وامتد.
في الانتقال بين هذين الزمنين المتداخلين يتقمص السارد حالات ووضعيات مختلفة بين المناضل، في نقابة الطلبة، المسكون بهواجس التغيير والتمرد والمحب الباحث عن متع الحب والكاتب الذي يكتب قصصا في جريدته الحزبية… تقول له رفيقته في لحظة غضب: “أعطيتك لحظات كتابة وتوهج جميلين … لو بحثت عنهما في أي مكان آخر لن تجدهما… وأشتري جريدتك الحزبية لقراءتك رغم أني أكره الحزب وأمقت قيادته الإصلاحية” (ص77)، ولكن بالرغم من تعدد حالات السارد الاجتماعية والنفسية فإنه يقدم نفسه في صورة الإنسان الهادئ الذي لم يكن يستفزه أي شيء فيبدو وكأنه أعد لكل موقف حسابه ولكل مقام مقال، لذلك فهو لم يحتد في الانفعال في أي موضع من الكتاب حتى في اللحظات التي يكون فيها عرضة لأشد المواقف قسوة كما نقرأ في الصفحة 98: “سألتها عن حالتها بعد الجلوس… أمطرتني سبا وشتما….حاولت التسلل من قبضة شتائمها، بدون فائدة.
قلت لها: ما العلاقة بين الأنثى واللذة؟”
هكذا يستدرج السارد نفسه ومن معه إلى منطقة بدون عواصف.
سيرة ذاتية؟
إن ما سبق يعيدنا مضطرين إلى مسألة التصنيف فهل ترى عندما قال القاص أحمد بوزفور إن هذه المحكيات تشبه السيرة كان يؤكد حقيقة أم أنه كان هو الآخر في مقام التباس السؤال؟ أين ينتهي الواقع في هذا الكتاب وأين يبدأ التخييل؟
إن الحدود الفارقة تبدو من الدقة بحيث لن يتمكن القارئ من تبيانها بسهولة. فهذه المحكيات تستعرض أحداثا واقعية لا غبار عليها وأسماء لشخصيات مازالت على قيد الحياة منها من تحمل مسؤولية نقابة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب واحتك بهم الكاتب احتكاكا مباشرا وطويلا، أضف إلى ذلك أن السارد كما سبقت الإشارة يقدم نفسه في عباءة الكاتب المثقف والمناضل الحزبي. لا نريد القول إنها بالتأكيد سيرة المبدع حسن إغلان ولكن نقول إنها تقترب فعلا من أن تكون كذلك.
لغة الكتابة في هذا النص
تجنح المحكيات في أغلب الأحيان إلى كثير من البساطة، من دون أن تسقط في الابتذال، ناقلة طبيعة الحوارات والنقاشات التي كانت تشهدها حياة الطلبة الجامعيين في الماضي حيث تدور الأحداث، وناقلة كذلك وجهة نظر السارد، الآن، وقد صارت بينه وبين تلك المرحلة مسافة أصبح معها بإمكانه تأملها ومراجعتها ونقدها ونقرأ مثالا لذلك كما يلي: ” نناقش في الغرفة الجامعية رحلة تشي غيفارا والوطن في العينين وزوربا الإغريقي والأم لغوركي. نستحم بعرينا، نغطي وجوهنا بمساحيق الإديولوجيا”.
هذه المساحيق لم تكن في ذلك الوقت كما تبدو للسارد الآن مجرد مساحيق لأنها تدخلت في تشكيل حياته هو الطالب الجامعي القادم من الهامش المغربي إلى أضواء العاصمة لكي ينخرط مباشرة في النضال الطلابي المتأجج وقتئذ في الجامعات المغربية.
إضافة إلى هذا المستوى اللغوي البسيط الذي لجأ إليه الكاتب لوصف ونقل حياة الطلبة وما كان يدور بينهم من أحاديث وحوارات ، مستعرضا في أحيان كثيرة أدق التفاصيل، هناك مستوى ثان أرقى، فيه الكثير من التحليق مع الخيال وجرعات إبداعية أكبر وأقوى حيث تقترب من اللغة الشعرية المليئة بالانزياحات والاستعارات، فنعثر على جمل ذات “أناقة” عالية، كما في الصفحة 80 حين نقرأ: “صحيح أني لم أقل كلاما يبدد كآبة الطرقات ولن نَدَع الورد للحظة الوداع، قاس هذا الحب… حامض هذا الهواء الذي لا يقول إني مجنونة بك”. هذا المستوى اللغوي في هذه الصفحة وغيرها يمنح المحكيات بعدا آخر ويخرجها من دائرة المذكرات والشهادات المحض على مرحلة من تاريخ المغرب ويدخلها في الأفق الآخر للإبداع؛ الأفق المنفتح على إمكانية قراءات متعددة، وفي كل قراءة نكتشف أشياء جديدة وذلك شرط الكتابة التي تبقى ولا تبلى مع الزمن.
لقد استطاع القاص حسن إغلان أن يقدم لنا عملا متكاملا من ناحية نقل حياة طلابية مليئة بالحماس والرغبة في الثورة مع ما صاحب ذلك من قمع وترهيب وخيانات وتواطؤات وأيضا من صراعات داخلية في النفس البشرية وهو بذلك يقدم في عمله الإبداعي هذا نقدا مبطنا حينا وصريحا أحيانا أخرى لتلك المرحلة منحازا إلى ضرورة المراجعة من أجل تطوير المواقف وتكييفها مع مستجدات الواقع من دون التخلي عن الجوهري والمبدئي وإنما فقط بالتخلص من القشور والمساحيق الزائفة.
——–
هوامش:
1-“شيء من ظلها” حسن إغلان- الرباط 2005
2- يتحدث إليوت في كتابه عن المتعة كوظيفة أساسية للشعر ونرى أنها وظيفة أي كتابة إبداعية أخرى
3- يمكن مراجعة كتاب “ظلال وأضواء” للباحثين عبد العلي اليزمي وعلي كابوس وجعفر عاقيل للاطلاع على بيبليوغرافيا شاملة حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب. طبعة أولى- الرباط 2004