الرئيسية » مقالات » المجتمع الكردي في مواجهة الذات – الحلقة (3)

المجتمع الكردي في مواجهة الذات – الحلقة (3)

زاكروس : كلما أحاول الاقتراب من اصطياد تعريف أو تصور للثقافة اقنع به نفسي اكتشف أنني ما زلت في بداية الطريق بل أحيانا أجد الثقافة كائن حي حيوي ومتحرك متغير ومتبدل لا يمكن اصطيادها في تعريف جامد مهما اتسع قالبه وبدون شك إن العشرين سنة الأخيرة وما شهدت من تطور قد أوجدت انقلابا في المفاهيم والمصطلحات, إذ لا يمكن مقارنة مفهوم الثقافة في 1970 بمفهوم الثقافة في 2008 حيث لكل مرحلة تاريخية معاييرها الخاصة لقياس منسوب الثقافة,يقول المفكر البريطاني أ,توينبي 🙁 المثقف هو من يمتلك القدرة الفكرية و إرادة القيام بالعمل الشاق والسلوك الجيد والثقافة الطويلة أي التعليم ) في مرحلتنا الراهنة أصبحت الثقافة مرتبطة بنوع جديد من وعي أنساني آخذ في التبلور على المستوى العالمي انه سؤال الوجود أين أصبح موقعي من هذا العالم المتغير؟!علينا كأفراد إن نسال ذواتنا هذا السؤال وكذلك كجماعة, فالإنسان الكردي كونه يعاني الاضطهاد بكل أصنافه عليه إن يكرر السؤال كثيرا ليعرف إن كان له ثمة مساحة محققة في الوجد الإنساني الجديد, نحن على مستوى القومية الكردية في سوريا لم نحقق لأنفسنا أي موقع متقدم في الوجود بمفهومه الزمني ,بل بقينا محصورين في وجودنا الفسيولوجي ككتلة بشرية تتكاثر خارج الوعي وكتلة جغرافية ثابتة عارية من التعريف, هذه الكتلة رغم حركيتها الظاهرية المتحققة بفعل قوانين الطبيعة ما زالت تعيش حالة الثبات في زمن غير قابل للتوقف , لذلك نسأل هل وجودنا الفسيولوجي الطبيعي القائم في القرن 21 متوافق مع وجودنا السياسي الواعي الذي بقي أسير قرون مضت وانتهت , قد نخدع أنفسنا ونقول أننا في الألفية الجديدة حققنا الكثير مما عجزنا عن تحقيقه طوال نصف قرن ولكن في الحقيقة لم نحقق أي شيء لأنه ببساطة نحن كشعب ومجتمع وحركة سياسية ومثقفين ما زلنا نعيش في مفاهيم وقناعات وأفكار ازمنة غابرة , نحن لم نحقق مكاسب ملموسة اللهم بعض المكاسب المعنوية – الرمزية حتى هذه لم ننجزها نحن بل حركة التاريخ العالمي هي التي أنجزتها في سياق تطورها الكوني .

داريوس: لقد جعلتني اشعر بالتشاؤم فقد كنت اعتقد انك أكثر تفاؤل في تقييم درجة تخلف المجتمع الكردي , فنحن نقف على حافة مرحلة جديدة وقد حدث تغيير حقيقي سواء على مستوى الشعب أو الحركة السياسية أو على مستوى الوعي العام , وهناك أشياء ملموسة ما كانت تتحقق لولا فاعلية حركة مجتمعنا الكردي وقدرته على التفاعل البناء مع حركة الواقع على المستوى الوطني والإقليمي والدولي وهذا دليل تطور الوعي والإدراك , بماذا تفسر الازدياد الكبير في أعداد المهتمين بالمسألة الكردية من أبناء شعبنا أليس هذا ضربا من ضروب الوعي , ثم لماذا لا تنظر إلى الجوانب العملية التي قال فيها شعبنا كلمته وعبر عن موقفه في أكثر من حدث وقدم التضحيات هذا من جانب ومن جانب آخر فأن حركة شعبنا تكاد تكون الوحيدة على المستوى الوطني في حراكها السياسي وقد كانت السباقة في هذا المجال ,أم أن هذه الأشياء ردات فعل عفوية لرفض الظلم تكون وليدة لحظتها وليست نتاج عمل واع فالنبات أيضا لديه غريزة الدفاع عن النفس ولكن هذه الغريزة لا تدل على وجود الوعي لدى الشوكيات .

زاكروس : هناك جانب يجب توضيحه حتى لا نقع في التباس وهو ضرورة التمييز بين العلاقات السائدة فيما بين مكونات المجتمع الكردي وبين علاقة هذا المجتمع بالطرف الآخر سواء الشعب السوري أو السلطة الحاكمة , فمن المضحك إن الطرف الكردي يملك درجة كافية من الوعي في التعامل مع النظام الحاكم وكذلك مع المكونات الأخرى من نسيج الشعب السوري , ولكن مقابل ذلك نجد إن مكونات المجتمع الكردي لا تمتلك الوعي الكافي لتؤسس علاقة صحية فيما بينها أو على الأقل تحسن التعامل مع بعضها البعض مثلما تحسن التعامل مع الآخرين , ولهذا اعتقد أننا ما زلنا في ذروة التخلف إذ طالما لم نصل إلى اتفاق فيما بيننا فلن نحقق أي نتيجة مع الآخرين مهما كانت مواهبنا , لأن عملية بناء الذات تبدأ من الداخل وكلما كان هذا البناء محصنا بالتعاضد والتعاون كلما سمح له إن يقدم نفسه إلى الآخرين كجسد له ثقله النوعي يساعده في انجاز مهامه السياسية , ماذا نسمي حالة تشتت أحزاب الحركة الكردية , ماذا نسمي حالة القطيعة الغير معلنة بين السياسيين والمثقفين الأكراد غير التخلف وضعف الوعي , هل تلاحظ كفاءة المثقف في مقارعة ظلم السلطة والذود عن قضيته الكردية ضد أصحاب الآراء الشوفينية والعنصرية ولكنه يفقد هذه المهارة حين يأتي ويتفاعل مع نظيره السياسي الكردي الذي بدوره يعرف كيف يدير الحراك السياسي مع السلطة وكيف يمد جسور التواصل مع الفعاليات السياسية والمدنية للشعب السوري ولكنه حين يأتي ليتعامل مع نظيره المثقف الكردي يفشل فشلا ذريعا , وهذا دليل تخلفهما معا , والحمد لله أننا لم نكسب شرف الانتساب إلى أي الطرفين لنبقى أفراد عاديين من عامة الشعب الذي لا يمكن اقتلاعنا من بينهم إلا بمزيد من الألم ليست لدينا أبراج عاجية نتخيل العيش فيها بل نحن نعيش الواقع في أكواخ أهالينا في قرانا البائسة ونتناول الشاي و الخبز الرديء مع إخوتنا من العمال والعتالين في شوارع مدننا المنسية ونشارك نساءنا الأعمال الشاقة في الحقول ونعيش مع شبابنا تعبهم وشقائهم في الغربة والوطن سعيا وراء كسرة خبز معجونة بالألم والعذاب , ولا نخجل حين نقول أننا متخلفون فكلنا أمل إن نستفز احدهم لينزل من برجه الوهمي ويأخذ بيدنا إلى الوعي والإدراك حتى نمتلك الأدوات التي نستطيع بها الخروج من محنتنا الأبدية , السياسي والمثقف الحقيقي هو الذي يكتشف عوامل القصور في مجتمعه فيسعى إلى تلافيها من خلال العمل الميداني بينهم , السياسي منغلق على المثقف وكلاهما منغلق على أهله وناسه , وبدون انفتاح الطرفين على المجتمع فلن يستطيعا الانفتاح على بعضهما , لأن التواصل مع مختلف شرائح المجتمع يؤدي لا شعوريا إلى رغبة لدى السياسيين والمثقفين إلى القيام بعمل جاد يرضي طموح الناس , حيث تتولد ديناميكية سيكولوجية خاصة تدفع الجميع إلى التقارب فيما بينهم, يبين المفكر الياباني د,إكيدا بأن(على المثقف إن يستخدم معارفه ليساهم في حياة عامة الشعب حتى يحافظ على شعور قوي بالعلاقة معهم وإذا انفصل المثقف عن عامة الشعب يخسر القاعدة التي يرتكز عليها فيسقط ) .

داريوس : هذا ينطبق على السياسي أيضا فحين ينفصل عن الشعب يصاب بالشلل وربما بالسكري , الحل إذا هو التقاء السياسي بالمثقف والتقاء الاثنين مع أبناء المجتمع اقصد يجب إعادة بناء البيت الكردي على أركان ثلاثة متوازنة ومتزامنة ومترابطة , ركن الشعب وركن السياسي وركن المثقف , ففي ذلك يتحقق الارتباط ( بالحقائق العامة في الحياة الإنسانية ) هنا يأتي دور الرأي العام الكردي ومدى تأثيره في مواقف وأراء القادة والمثقفين , للأسف لم يتبلور لدينا رأي عام بالمعنى الحرفي حتى يشكل قوة ضغط على النخبة كي يدفعها للتحرك بالاتجاه الصحيح ومن جانب آخر النخبة تعمل دون أن تأخذ الرأي العام بالحسبان انطلاقا من عقلية الوصاية وهم بذلك يشبهون أصحاب الإيديولوجيات التوتاليتارية الذين يعتقدون إنهم من القدرة ما يكفي ليفكروا نيابة عن الشعب , لقد أشرت إلى نوعين من العلاقات الأولى علاقة الطرف الكردي بالآخر والثانية هي العلاقات القائمة بين مكونات المجتمع الكردي , فمن أين يجب إن ننطلق بالإصلاح هل نبدأ أولا بتصحيح أسلوب تعاملنا مع الآخر أم نرتب علاقاتنا فيما بيننا أم نشتغل على الاثنين معا, تعويضا للوقت المهدور في المشاحنات التي لم تعطي نتيجة غير مزيدا من الشقاق , لقد أصبح حالهم مثل حال أبناء القسطنطينية ففي الوقت الذي كانت الجيوش التركية تحاصر عاصمتهم كانوا يتخاصمون فيما بينهم على عبادة الإيقونات, وحين احتل الأتراك المدينة لم يبقى فيها مكان لأبنائها المتخاصمين فقد القي بالجميع في العراء , نحن نعيش أحلك الظروف وبدل إن نفكر بوسائل تساعدنا على البقاء والثبات نجدهم يتناطحون ليل نهار دون إن يتعبوا , أليس هناك متعقل واحد بينهم ليقول كفى يا إخوان , تعالوا نتفق على المشتركات الكثيرة التي تجمعنا ونتجادل بهدوء على القضايا التي نختلف عليها حتى نكون قادرين على مجادلة الآخرين الذين يتربصون بنا الدوائر , وطالما مثل هذا التوجه لم يظهر بين السياسيين والمثقفين الأكراد فأنني أضم صوتي إلى صوتك وأقول أننا مجتمع يعاني من كافة مركبات التخلف , هذه ليست شتيمة أو تجريح بالمجتمع الكردي بل حقيقة مرة قد لا يعترف بها غيرنا ليخدع نفسه ويرضي غروره , أنا متخلف وأنت متخلف وأبي متخلف وأباك عفوا نسيت انه التحق بربه وارتاح قبل إن يكتشف انه متخلف وما العيب في ذلك العيب في الشخص الذي لا يجرأ على الاعتراف لنفسه بأنه متخلف ولا يجرأ على الاعتراف بان مجتمعه متخلف والعيب الأكبر هو عدم البحث عن علاجات لهذا التخلف .

زاكروس : من جملة نتائج تخلف النخبة السياسية هي قراءتهم السيئة لواقع المجتمع الكردي هذا إذا كانت مثل هذه القراءات موجودة أصلا , فلم يتوصلوا إلى معرفة مشاكل هذا المجتمع حتى يفكروا في وضع الحلول لها , بل اقتصرت قراءاتهم على الجانب السياسي المباشر واعتقدوا إن العمل السياسي المباشر والمجرد لوحده يكفي لحل المعضلة الأساسية في مجتمعنا الكردي وهي المسألة القومية لذلك حدث إهمال مريع للجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية و قضايا المرأة والشباب ليأتي العمل السياسي أعرجا بل كسيحا باعتباره لم يتقدم خطوة إلى الأمام , و ما نعرفه انه في ظروف الاضطهاد القومي فأن الحركة السياسية التي تعمل باسم القومية المقهورة تضع برنامج متكامل كدليل يقودها إلى تحقيق أهدافها المنشودة برنامج يأخذ في عين الاعتبار المسألة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعمل الأهلي – التعاوني وحتى المؤسسات الخيرية والجمعيات المدنية لأن كل هذه الجوانب تقوي العمل السياسي وتعطيه فاعلية كبيرة , البعض يسمي هذه العملية بالتنمية الرديفة الشاملة أو ثقافة الممارسة الشعبية , فإذا كانت السلطة الحاكمة لدوافع سياسية وعنصرية تكرس حالة التخلف المركب في المجتمع الكردي لماذا لم تنتبه أحزاب الحركة الكردية إلى هذا الأمر لتضع البديل المدني قدر المستطاع بهدف تنمية هذا المجتمع بشريا واقتصاديا لقد كان بمقدورها فعل الكثير ولكنها لم تفعل بل ركزت كل جهودها على العمل السياسي وكأنها اعتقدت إن المسألة الكردية سوف تجد حلا بين ليلة وضحاها مع إن المؤشرات على المستوى الوطني السوري وطبيعة السلطات التي تعاقبت على الحكم وظروف المجتمع الكردي كانت تدل على إن ليس ثمة حلول سريعة للمسألة الكردية بل العملية سوف تطول ولذلك كان لا بد من إعداد خريطة طريق طويلة الأجل تسير عليها (ح.ك ) وحتى تستمر في المسير دون إن تنقطع أنفاسها عليها إن تجد آليات جديدة تنشط تعاطي مختلف شرائح المجتمع الكردي معها , وحتى تكون هذه الشرائح فعالة وليست مجرد زيادة عددية يجب تنميتها ثقافيا وفكريا والتفكير في بدائل أهلية لتحسين مستوى حياة الإنسان الكردي ماديا ومعنويا , إن (ح.ك) بمقدورها فعل الكثير في هذا الجانب لو توفرت الإرادة واكتشفت الوسيلة .