الرئيسية » مقالات » رسالة إلى الرئيس اللبناني: حياتك في خطر

رسالة إلى الرئيس اللبناني: حياتك في خطر

 إيلاف، لخميس 22 مايو 2008 

لي مبرران ذاتي وموضوعي لكتابة هذه الرسالة. الذاتي أن لبنان هو وطني الآخر الذي ولدتُ فيه فكريا في دار ومجلة “الآداب” اللتين كان يديرهما الصديق د. سهيل ادريس، ودار مجلة “الطليعة” اللتين كان يديرها د. بشير الداعوق. في وطن الأرز والنجوم استنشقتُ يُود البحر في شواطئ بيروت وجونيه وتنسّمتُ نسيم الجبل في بورمانة وظهور الشوير وبكفيا وبسكنتا. الموضوعي، لبنان هو منارة الشرق، حتى جزمة الاحتلال السوري العسكري الديكتاتوري لم تنجح في ان تطفئ كليا شعلة الحرية في إعلامييه وفنانيه ومفكريه وخيرة سياسييه وشعبه الذين علمهم البحر الانفتاح وعلمهم الجبل مقاومة الطغاة.

فخامة الرئيس ميشال سليمان لنراهن على السيناريوهين المتفائلين. سيناريو عدم نقض اتفاق الدوحة قبل يوم الأحد القادم. ألم يعلمنا تاريخ الحرب الأهلية أن رؤساء الميليشيات غالبا ما يوقعون على اتفاقات المصالحة بنية خفية بنقضها قبل أن يجفّ حبرُها؟ وعلى سيناريو وصولك سالما الى قصر بعبدا دون أن تتكرر مأساة الرئيس رونيه معوض. عندئذ سيكون أمامك رهانان كبيران. الرهان الأول أن تستمر على قيد الحياة، والرهان الثاني، أن يعطيك اللبنانيون وعواصم القرار الأقليمي والدولي كل ما تحتاجه من دعم لعلاج أصل الداء في لبنان: ضعف الدولة وتغوّل حزب الله الذي تحول الى دولة فوق الدولة.

ملالي أحمدي نجاد ومخابرات دمشق ووكيلهما حزب الله لن يقبلوا برئيس لا يكون دمية في أيديهم. تعرف ولا شك ان المخابرات العسكرية والأمن العام يأتمران بأوامر حزب الله – كما تعرف أيضا أن الذين قتلوا زعماء ورؤساء لبنان وإعلامييه ومثقفيه هم أقرب اليك من حبل الوريد. ما يجعل هذه الامكانية الكارثية ذات احتمالية جدية هو أن حسن نصر الله، وأنت تعلم ذلك، قد أبلغ عواصم القرار الدولي بأن ثمن تسليم سلاح حزبه هو تسلمه رئاسة الجمهورية اللبنانية. وهكذا فالتخلص منك، كآخر الزعامات اللبنانية القوية بثقة الجيش والطائفة والعقلاء من جميع الطوائف فيك، يمهد الطريق، على الأقل، في نظر أمين عام حزب الله المعروف بقراراته العسكرية والسياسية الهاذية، لتحقيق حلمه. حراسك في المؤسسة العسكرية والأمنية وحدهم لن يكونوا كافين لحماية حياتك. لذا فمن الاحتياط لنفسك مطالبة عواصم القرار في العالم العربي والعالم بالسهر على حياتك بالوسائل المناسبة ومطالبة مجلس الأمن الدولي باعتبار حياتك “أمنا دوليا” تحت طائلة المادة 7. ربما شكل هذان الاجراءان رادعا لمن احترفوا قتل الرؤساء والزعماء اللبنانيين.

إذا سار هذا الرهان على ما يرام، يبقى الرهان الثاني: العمل على تقوية الدولة اللبنانية التي أغرى ضعفها ملوك الطوائف بالاستقواء عليها بأوصيائهم. تقويتها بتقوية مؤسسات دولة القانون المشلولة بالتناقضات الطائفية مهمة أساسية لكن على المدى المتوسط والبعيد. المؤسسات لا تبنى بين عشية وضحاها خاصة في الشرق الذي لم تتغلغل فيه ثقافة دولة المؤسسات الحديثة. الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل إلى دولة المؤسسات القوية والعادلة هي تقوية مؤسسة الرئاسة بوقوفك على مسافة متساوية من جميع الطوائف والسهر بعين لا تنام على تحقيق مصالحها المشروعة. الخطوة التالية هي تقوية الجيش اللبناني عددا وعُدة ليصبح أقوى من ميليشيا حزب الله التي تشكل اليوم دولة فوق الدولة. دول القرار الاقليمي والدولي وخاصة فرنسا مدعوة للتكفل بهذه المهمة الحيوية.

الدولة القوية ليست بجيشها وحده بل أيضا بعدلها. مواطنوك الشيعة هم الأكثر عددا وفقرا وغبنا سياسيا. فشكّل منذ الآن لجنة حكماء من جميع الطوائف للتفكير في أفضل الوسائل لدمج الشيعة اقتصاديا وسياسيا في النسيج اللبناني. تعامي الطبقة السياسية اللبنانية القديمة على إنصاف الطائفة الشيعية أضعف قياداتها اللبنانية مثل قيادة أمل وحمل الحبَّ الى طاحونة قياداتها الموالية لأكثر ملالي طهران تشددا وعمى سياسيا مثل حزب الله الذي بايع، عكسا لأمل، الولي الفقيه الإيراني الذي اغدق عليه بغير حساب من “سَيف المعز وذهبه”، ثم حظي بعد ذلك بدعم دمشق التي حاربت به، بالوكالة، إسرائيل في جنوب لبنان على أمل تحرير الجولان. وهكذا لم يبق أمام قائد أمل، نبيه بري، الذي كان منذ التسعينات أول من قال أن مشروع حزب الله هو إنشاء دولة طائفية في جنوب لبنان، ألا أن يتحول إلى عجلة خامسة في دبابة حزب الله، أو يلقى مصرعه.

بالتوازي مع لجنة إنصاف الشيعة، تقوم أيضا لجنتان إحداها للتفكير في إصلاح الإدارة بالتغليب التدريجي لمعيار الكفاءة على معيار الولاء، والثانية لإصلاح التعليم بإعادة صياغة شعور ولا شعور الأجيال الطالعة بالقيم العَلمانية التي تعطي للمواطنة والوطن الأولوية على الطائفة والدين.

إذا انتهت المفاوضات السورية الإسرائيلية، بإشراف حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي التركي، بإعادة الجولان لسورية فقد يحررها ذلك من التبعية للحرس الثوري الحاكم في طهران وستنهي، كما تعهدت منذ الآن، التلاعب بحزب الله ضد الدولة اللبنانية؛ وإذا استطاع عقلاء إيران بقيادة خاتمي وهاشمي رافسنجاني إقصاء أحمدي نجاد فقد يضطر حزب الله أخيرا إلى التحول الى حزب سياسي. أما إذا قامت دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة ومزدهرة اقتصاديا فمن الممكن أن تدشن هذه الأحداث السعيدة بداية شرق أوسط آخر أقل هذيانا ودموية من الذي نعرف.
21 آيار(مايو) 2008

العفيف الأخضر رسالة إلى الرئيس اللبناني: حياتك في خطر