الرئيسية » مقالات » قليلاً من الاحترام يا أعضاء مجلس النواب العراقي المزعوم!

قليلاً من الاحترام يا أعضاء مجلس النواب العراقي المزعوم!


قال شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري:



دمشقُ، لم يأتِ بي عيشٌ أضيقُ بهِ


فضرعُ دجلةَ لو مسَحْتُ درارُ



وثمَ، لولا ضميرٌ عاصمٌ، حُفَرٌ


للمغرياتِ، و للبترول آبارُ



لولا رسالةُ حقٍ قد يحيقُ بها


حتى من المدعين الحقَ انكارُ



تبجحوا أنهم حربٌ لمنْ ظلموا


في الرافدين، وأعوانٌ لمنْ ثاروا



عجبتُ للقومِ في أمري أهم سندٌ


للظلمِ أم هم على الثوار ثوارُ؟



قالها الجواهري وهو مهاجر في دمش العربية عام 1957، ولم يكن يدري أن أرض الشام ستكون يوماً منفاه ومثواه ومستقره الأخير وغيره من ثوار ومظلومي ومثقفي العراق.



يا سيدي يا شاعر العرب الأكبر، ياابن دجلة الخير أم البساتين، ويافتى فتيان ربة الشعر، وياصوت الجياع الذين ناموا وقد حرستهم آلهة الطعام! لكن من غير طعام ولا شراب ولا حتى رغيف يابس منقوع في ماء!


ها هم جياع دجلة والفرات ينامون ولا تحرسهم لا آلهة الطعام ولا حوريات الماء ولا ملائكة الكهرباء ولا شياطين الغاز والنفط، انما تفجرهم السيارات المفخخة والعبوات الناسفة، والمليشيات الطائفية، وفرق الموت، ولا تكتفي بهم بل تأخذ في أفواهها المفتوحة على شهية الموت وتشظي الأجساد الهزيلة، والوجوه الخالية من الدم كلَ ما على الأرض المنكوبة من أشجار وطيور وحجارة.



ياسيدي،


لو كنتَ تحيا حتى يومنا هذا لرأيتَ العجبَ العجاب، والأرضَ الخراب، وتهجير الأحباب والأصحاب، ولوجدت قولك حقيقة ماثلة على الأرضِ، ولشاهدت أن الذين كانوا يحسبون أنفسهم ثواراً أمسوا زبانية للنهب والسلب واعتلاء الكراسي والصراع على المناصب والحكم وملء الجيوب. ولم يكتفوا بذلك بل ارتدوا أردية الظلم وهم يقلدون الظالمين كل شيء، في نفخ الذات، وبناء القصور العامرات، وامتطاء السيارات الفارهات، وألوهية الفرد القائد، العبقري الرائد، وعنجهية اللص العائد، من وراء الحدود في بلدان التسول والضمان الاجتماعي ليصبحوا بين ليلة وضحاها ورمشة عينٍ وانتباهتها من خرده فروش الى ملياردرية أصحاب كروش وقروش، والعماراتِ والفروش. ولم يستحوا حتى تحولوا من ضحايا سابقين الى جلادين حاضرين، ودكتاتوريين أشد من دكتاتورية السابقين، وطائفيين وعنصريين أفظع من الذين كانوا يلصقون بهم هذه التهمة ليل نهار وقد صدعوا الرؤوس بها. والعجيب أن بعضهم يوصم البعض الآخر من خصومه بكل ما يحمله من هذه الأمراض الاجتماعية والنزعات السياسية .


لقد تبجحوا ولا يزالون بانهم حرب ضروس على الظالمين، وأنهم نصر وعون للمظلومين.



لكن بم يفسرُ بعض أعضاء مجلس النواب العراقي المزعوم ما حدث في جلسة المجلس ليوم الخميس 22 مايس 2008 والتي تحدث فيها أحد الأعضاء عن قضية وحقوق الكرد الفيليين في النزول بقائمة واحدة وحقوقهم المغتصبة والنكران والإهمال والتهميش الذي يتعرضون له، وهم من المظلومين في زمن الديكتاتوريات التي مرت بالعراق، بم يفسر هذا البعض موقفه الاستهزائي وضحكه الساخر الدال على استخفافه حين عقب رئيس المجلس الدكتور محمود المشهداني بأنه فات الأوان عليهم. وهو يقصد بكل تأكيد، كما هو موقفه الشريف المعروف والدائم، أنه كان عليهم منذ بداية التغيير أن يجمعوا شتاتهم في قوة واحدة ليعتمدوا على أنفسهم وقواهم الذاتية في استحصال حقوقهم وايصال صوتهم الى اعلى مراتب الدولة والى الشعب العراقي فينتزعوها انتزاعا من حلق السبع الذي ينشب أنيابه في مفاصل الدولة العراقية، ممسكاً بما وصل اليه من تحكم وقوة ونفوذ بنواجذه قبل مخالبه؟



لقد استغرق هذا البعض من أعضاء مجلس النواب العراقي في ضحكه الاستصغاري الاستهزائي المعيب بقضية الكرد الفيليين، وهم كما يدعون أنهم حراس مصالح الشعب العراقي بكافة طوائفه وهم ممثلوه الحقيقيون الذين انتخبهم اكثر من أثني عشر مليون ناخب. لكن غاب عنهم أن كل هؤلاء الذين توجهوا الى صناديق الاقتراع كانوا متعطشين الى شيء أسمه الديمقراطية، وإن جاءتهم على طبق من المارينز والأساطيل واليورانيوم المخصب والجيوش الأجنبية المجيشة ومن كل بقاع الأرض. ولا يغيب عن البال أن الغالبية العظمى من المنتخبين كانوا مخدرين بمخدرات الطائفية والعنصرية والمقدسات العميقة الغور في نفوسهم.



هل نسوا أنهم قبل أكثر من أسبوعين استقبلوا وفداً عراقياً من المقيمين في المهاجر والمدافعين عن قضية الكرد الفيليين وهم من العراقيين الشرفاء غير الفيليين ومن طوائف مختلفة، استقبلوهم داخل المجلس ليسمعوهم كلاماً مطمئناً ومشجعاً من البعض ومن أعلى مسؤولي الدولة أيضاً كرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.


فما ذاك من هذا الذي شاهدناه اليوم في مجلس النواب؟


فهل كان ما سمعه الوفد من الكلام الجميل المعسول من باب المجاملة والطبطبة على الظهر، وذر الرماد في العيون، وكلام الليل الذي يمحوه النهار؟!


فهل كانت هي دفعة دبلوماسية؟



يجب أن نذكر بعض أعضاء مجلس النواب بأنهم وصلوا الى ما وصلوا اليه من منصب وجاه ومال ونفخة وكشخة بفعل الفترة التاريخية الصعبة المعقدة في العراق التي استغلوها أبشع استغلال من أجل مصالحهم الذاتية الأنانية وليست الوطنية. فنحن نشك ونظل نشك في صدق وطنيتهم وحرصهم على مصلحة بلدهم وشعبهم. لقد كان أغلبهم من المغمورين غير المعروفين لا في العير ولا في النفير، ولا علاقة لهم بالسياسة لامن قريب ولا من بعيد. وانما وصلوا الى كرسي النيابة وشاشات الفضائيات والحديث في الأيديولوجيات والعنتريات بقدرة قادر ورغبة عبد القادر، وبسبب انتماءاتهم القومية والطائفية وانتهازية ووصولية البعض منهم.



إن قضية الكرد الفيليين ستبقى تثار، وتبقى تدق الرؤوس والآذان طالما لم ينصفهم أحد لا من ذوي القربى ولا من ذوي الطائفة ولا من ذوي الوطن الواحد. إن ماقدمه الكرد الفيليون للعراق أكثر بكثير مما قدمه الذين ضحكوا باستهزاء في مجلس النواب حين التحدث عنهم وعن قضيتهم الملحة. وهذا دليل على ضحالة الضاحكين أنفسهم وعدم احترامهم لطوائف الشعب العراقي الذي يدعون تمثيله والعمل من أجل صالحه في احقاق حقوق المظلومين منه، وهم الذين يزعمون أنهم كانوا مظلومين. لكنهم في كل تحركاتهم يعملون ويتصرفون كظالمين، والأدهى أنهم يجهدون من أجل منح الامتيازات للظالمين الذين ساموا الشعب العراقي سوء العذاب. أما المظلومون فالى سقر وبئس المصير! وهذا ما نلمسه في تحركاتهم التي نراها عياناً، ومن خلال ما يجري على الأرض وفي مجلس النواب، وفي ما نشاهده من معاناة الشعب العراقي اليومية والمستمرة من العهود السابقة.



فالمظلومون دائماً مظلومون ووقود لكل عهد وحكم، ولكل دولة تأتي في اعقاب أخرى، حتى ولو ادعت الدفاع عن المضطهدين والمستضعفين وبناء مجتمع مدني عادل ودولة ديمقراطية انسانية. لكن (المية تكذب الغطاس) كما يقول أخواننا المصريون!



فقليلاً من الاحترام للعراقيين ولأنفسكم، وشيئاً من الحياء، يا بعض أعضاء ما يسمى بمجلس النواب، لأن من لا يحترمُ غيره من البشر لايحترمُ نفسه، ولا يستحق الاحترام، ولا يجوز أن يكون راعياً لغيره أوممثلاً له.


واستحوا، يامدعي تمثيل الشعب العراقي المظلوم سابقاً ولا حقاًً، وأنتم لا تمثلون إلا أنفسكم وكراسيكم وجيوبكم!



ورحم الله شاعرنا معروف الرصافي القائل قبل أكثر من ثمانين عاماً:



أنا بالحكومةِ والسياسةِ أعرفُ


أألامُ في تفنيدها وأعنَفُ؟



علم ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ


كلٌ عن المعنى الصحيحِ مُحرَفُ



أسماءُ ليسَ لنا سوى ألفاظها


أما معانيها فليستْ تُعرفُ



منْ يقرأ الدستورَ يعلمُ أنهُ


وفقاً لصكِ “الاحتلالِ” مُصنَفُ



وماأشبهَ الليلةَ بالبارحة!



ومعذرة من شاعرنا الكبير لأننا استبدلنا كلمة (الانتداب) في البيت الثالث بالاحتلال.


الخميس 22 مايس 2008


السويد