الرئيسية » مقالات » ما كان يجرى في مبنى مديرية امن السليمانية وصمة عار على جبين حزب البعث الفاشي

ما كان يجرى في مبنى مديرية امن السليمانية وصمة عار على جبين حزب البعث الفاشي

كان صباح يوم الجمعة المصادف 9/5/2008 يوم استراحة لوفد المثقفين العراقيين المساند للكرد الفيلية الذي كان قسم من أعضائه متواجدين في السليمانية آنذاك فقط، بينما القسم الآخر لازال في بغداد . أخبرونا أنه تقرر أن يقوم الوفد في ذلك اليوم بزيارة مبنى مديرية أمن السليمانية الذي تحول إلى متحف . انطلقنا من فندق آشتي إلى المبنى مشياً على الأقدام ، وكنا كل من السيدة سامية عزيز عضو مجلس النواب العراقي التي رافقت الوفد منذ أيام وصوله الأولى إلى العراق ونسقت له زياراته في بغداد ووفرت لهم النقل واستضافتهم في بيتها مرات عديدة والسيدة مهاباد قره داغي المستشارة في رئاسة وزراء إقليم كردستان المنظمة والقائمة على شؤون الوفد في الإقليم والدكتورة كاترين ميخائيل والسيد الحاج محمد الخضري والسيد قيس قره داغي والسيد حميد نوروز والسيد سعدون سيف الله كرم والسيد فتاح رزاق من مكتب العلاقات في الاتحاد الديمقراطي الكردستاني والسيد سيروان كرمياني من رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان وأنا . كان صباح هادئ ولطيف والشوارع خالية من المارة والسيارات . وصلنا إلى باب المتحف ، وجدناه مغلقاً . ذكـرت الأستـاذة مهاباد ، إنهم على علم بمجيئنا ،وقالت : لندق الباب ، بدأ الدق على الباب ولكن دون جدوى ، فاضطر البعض منا إلى الصفير مثل الأطفال ، فرأينا من بعيد شابين قادمين نحونا ، فتح احدهما الباب مرحباً بنا ومعتذراً لتأخره في فتح الباب ، كان شاباً كردياً في نحو العشرين من العمر تقريباً ، يرتدي تي شيرت احمر وبنطلون خاكي ويحمل مجموعة من المفاتيح التي فتح بها الباب لنا .

تصورت في بادئ الأمر ، أن المبنى مجرد متحف عادي خاصة وإن الساحة الأمامية له كانت عبارة عن حديقة خضراء مزينة بالأشجار ومليئة بالزهور الزاهية الألوان تتخللها ممرات كونكريتية نظيفة . ولكن كلما كنا نتقدم إلى الأمام كان المنظر يتغير فقد كان المبنى الأول من تلك المباني المتعددة داخل الجدران الجديدة العالية للمتحف عبارة عن بقايا عمارة قديمة شبه مدمرة والشيء الملفت للنظر فيه كثرة آثار الرصاص على واجهته الأمامية مما أعطته منظراً مريعاً ومشوهاً . شرح لنا الحارس بأن هذه الآثار هي نتيجة الهجوم الذي شنته قوات البيشمركة على مبنى مديرية أمن السليمانية لتحريره . قادنا الحارس إلى مبنى صغير واقع على يسارنا ، صعدنا عدة سلالم ودخلنا ممراً طويلاً على جانبيه عدة غرف متجاورة . تزين جدرانها صور فوتوغرافية للشهداء من رجال ونساء وأطفال قتلوا على يد جلاوزة البعث ، علاوة على صور أناس أبرياء وعوائل كردية بأكملها من ذوي رجال البيشمركة الذين كان رجال الأمن يحتجزونهم في هذه المديرية لعل من خلال تعذيبهم يرغمون اؤلئك البيشمركة على تسليم أنفسهم وهو أمر لم يحدث أبداً فأبيدت تلك العوائل عن بكرة أبيها .

بدأ عمق المأساة ووحشيته يثقل على قلبي مع كل خطوة من خطواتي الثقيلة التي كانت تقودني بين الصور ، وفي بعض الأحيان ، بدت تلك الوجوه وكأنها تنظر لي شخصياً لتخبرني عما عانته في فترة اعتقالها في سجن الطغاة وما آل إليه مصيرها . وعوائل متعددة أوقفت وأخذت لها صورة جماعية تحكي مأساة أناس عاشوا وقتلوا بغير ذنب سوى أن شبابهم كان يدافع عن أرضه وكرامة شعبه وحقه في تقرير المصير . كانت هناك صورة لمسيرة انطلقت في السليمانية بعد تحرير مبنى هذه المديرية تتقدمها امرأة حزينة تحضن طفلاً يبكي بحرقة ويحمل لافتة كتب عليها ( خويشك من ها كو ؟ أي أين أختي أنا ) . وصورة أخرى لجدار إحدى الزنزانات محفور عليه بخط أنثوي جميل بيت شعر باللغة الكردية يقول ( أصدق الحب هو حب البنت الوحيدة لوالدها الكبير الطاعن في السن البعيد عنها ) وفي نهاية الممر لاحظنا وجود دولاب زجاجي معلق فيه حبل المشنقة التي كان يعدم بها خيرة شبابنا.

خرجنا جميعاً من ذلك المبنى بهدوء وصمت ، قادنا الحارس نحو المبنى الكبير المشوه الواجهة وبدأ يشرح لنا قصة بناء هذه المديرية البغيضة قائلاً ( عندما بدأ البعثيون بناء مبنى مديرية أمن السليمانية أوائل الثمانينات من القرن الماضي ، كانوا لا يريدون أن يطلع أهالي هذه المدينة على حقيقته ، فعليه قاموا ببناء منازل جميلة لأعوانهم أمام المبنى ومحطة بنزين خلفه ، ولكن في مساحة الأرض التي تفصل بينهما كان يتم بناء المباني الأساسية للمديرية المخيفة الرهيبة . أشار الحارس إلى ناحية محطة البنزين وقال كانت توجد هنا كابينة تم العثور فيها على أدوات التجميل الخاصة بالنساء وقناني مشروبات كحولية وأشرطة أغاني حيث كان ضباط الأمن يذهبون كل مساء إلى الزنزانات ويختارون أجمل الفتيات الكرديات فيها ثم يجبروهن على الاستحمام ويضعون الماكياج على وجهوهن ليغتصبوهن ويعتدون على شرف تلك الصبايا العفيفات بالقوة . ) أثار ذلك الكلام حفيظتنا جميعاً .
دخلنا مبنى آخر ، واعتقد أنها كانت خاصة بالتحقيق والتعذيب حيث كانت هناك تماثيل تظهر السبل التي كان يمارسها البعثيون لتعذيب المناضلين الكرد ، فقد كان هناك تمثال رجل ربطت رجليه بجذع شجرة وحوله الضباط البعثيين وهم يضربون باطن قدميه بهراوة مطاطية مبطنة بالأسلاك ( الفلقة ) ، وعلى جانب تلك الغرفة كانت هناك غرفة صغيرة نوعاً ما ومتربة لا تزال فيها نفس المنضدة وهراوات التعذيب التي كان يستعملها البعثيون أثناء التحقيق مع الشباب الكرد . أما في وسط الغرفة كان هناك تمثال يمثل مناضل كردي تم ربط إبهام رجله اليسرى بالكهرباء ومعلق من يديه على خشبة مخيفة مثبتة بسقف الغرفة ، ووضع مسجل صوت ينبعث منه الصوت الحقيقي للمحقق البعثي الذي كان يعذب ذلك المناضل لكي يعترف والذي لابد وأن قتلوه الأنذال .

بعد هبوطنا من على عدة سلالم وجدنا أنفسنا في قبو مظلم ذو جدران كونكريتية سوداء لا يدخله ضوء الشمس إلا من خلال عدة شبابيك صغيرة قريبة من السقف جميعها مغلقة إلا واحدة منها فقط ، سمي ذلك القبو بالغرفة الحمراء وكان مضاءاً بضوء أحمر . وضعت على جدرانه صور حقيقية بحجم بوسترات كبيرة تعكس مأساة حلبجة الجريحة بكل تفاصيلها . تلك الكارثة التي لا تقل في بشاعتها عما حدث لهيروشيما وناكازاكي ، فقد كانت هناك صور لجثث الضحايا بالآلاف ، مرمية في بيوتها ، والشوارع والأزقة والطرقات المؤدية إلى خارج المدينة ، وفي الحقول والمزارع وسيارات البيك آب وبأوضاع مختلفة وحتى جثث الماشية أيضاً . كانت هناك صورة لأم مكبة على وليدها وكأنها ستحميه بجسدها من غدر الطغاة . خيم الصمت على الغرفة والحزن مرسوم على معالم وجوه كافة الحاضرين فيها ، فماذا يمكن لنا أن نقول أمام وطأة هذا الظلم والوحشية فكيف يمكن لإنسان أن يمارس مثل هذا العمل اللا إنساني ضد الآخرين ، أناس لم يكونوا مقاتلين في ساحة المعركة إنما أبرياء كانوا يتصورون أنهم آمنين في بيوتهم وحقولهم على الرغم من سنوات طويلة من حرب الإبادة التي كانت الحكومات الدكتاتورية المستبدة تشنها على شعبنا الكردي وبمختلف السبل والوسائل التي لا تخطر على بال أي كان سوى أولئك البعثيين الساديين . وقفت السيدة مهاباد إلى جانب صورة كبيرة لأم ماتت وطفلها قربها وعينيها شبه مفتوحتين وكأنها تعاتب العالم الذي كان ساكتاً حتى تلك اللحظة على جرائم صدام وأعوانه . طلبت أن يلتقط لها أحد الحضور صورة مع البوستر . بينما جذبتني أنا ، منظر فتاة في ربيع العمر نحو الثالثة أو الرابعة عشر عاماً ، ملقية على أرض مزرعة بملابسها الكردية وربطة رأسها البيضاء التي تظهر جمال شعرها الأسود الحريري الناعم وخطوط وجهها الجميل وأهدابها المطبقة ، وكأنها تغط في نوم عميق ، تفطر قلبي وأدمعت مقلتي وبصعوبة أخفيت جراحاتي وألمي ، فلولا خجلي من الموجودين معي في الغرفة لبكيت بصوت عالي على هذه الصبية الحسناء الراقدة على الثرى إلى الأبد . سمعت صوت السيدة سامية عزيز تقول بصوت حزين وهي تنظر إلى شبابيك القبو القريبة من السقف كيف أن المرحومة أمها التي كانت مسجونة مع أبيها وأخيها وزوجته وطفلته الصغيرة قبل تهجيرهم قسراً إلى إيران روت لهم قصة هذه الشبابيك التي كانت المنفذ الوحيد لهم إلى العالم الخارجي في زنزانتهم ، وكيف أن نحو عشرين طفل صغير عاشوا لشهور عديدة مع أمهاتهم والآخرين في مثل هذه الغرفة المعتمة لكنهم أثناء النهار كانوا يتصارعون ويصرخون محاولين دفع بعضهم الآخر من اجل الصعود إلى قرب تلك الشبابيك ليروا ضوء النهار وساحة السجن لكن دون جدوى.
تحركنا في عمق القبو أكثر لنرى سراديبه الأخرى ، دخلنا مكاناً أشد ظلمة من تلك الغرف مؤلف من ثلاث زنزانات كبيرة اثنتان متقابلتان وواحدة عرضية بينهما ، كانت الزنزانات ذات قضبان حديدية مقفولة يبدو أن السجناء كانوا يقضون حاجاتهم فيها أيضاً ولا يسمح لهم بدخول المرافق الصحية أبداً . كان المنظر هنا ، موحشاً حقاً وكأنه قبر مظلم ، البطانيات المتربة مرمية فيها هنا وهناك . قلت للدكتورة كاترين ميخائيل إن هذا المكان لا يحتمل .. حكت لي كيف أن البعثيين القوا القبض عليها وهي في الرابعة عشر من العمر وقادوها بملابس المدرسة إلى سجن في مدينتها ، وعندما سمعت أمها جاءت إلى السجن مهرولة وباكية وتوسلت بالحارس ودفعت له مالاً لكي يسمح لها بالبقاء معها مادامت سجينة وهو ما حصل ، أما الزنزانات الإنفرادية فقد كانت مخيفة مظلمة ، جدرانها سوداء وضيقة بحيث لا تكفي حتى ان يتمدد فيها إنسان وسألت نفسي كم شخص استشهد ياترى في هذه الزنزانات على يد جلاوزة البعث . خرجنا من هناك إلى الفضاء الخارجي للمديرية … داعب وجهي نسيم عليل بارد… تنفست الصعداء . ولكن سرعان ما خيمت علينا غيمة حزن أخرى عندما دخلنا إلى مبنى آخر يقع إلى جانب مبنى القبو والخاص بعوائل البيشمركة الذين كانوا يحتجزون فيه حتى يسلم البيشمركة أنفسهم للسلطات البعثية وهو أمر لم يكن يحدث أبداً . كان المكان ضيق للغاية وبدون حتى شباك واحد ..لا ترى فيه سوى بطانيات وأرض متربة وقذرة ،وتمثال منحوت لامرأة وطفلتها الصغيرة مقابل الباب وهي تنظر بحزن نحو ذلك الباب الذي كان عائقاً بينهما وبين الحرية . والحمد لله قلع البيشمركة الأبطال ذلك الباب البغيض وأصبحت الشمس تشرق بفخر وكبرياء على كل شبر من أرض كردستان الطاهرة . توجهنا نحو الباب الخارجي وكأننا نهرب نحو الحرية بدورنا ، خاصة وكانت تحيط بنا من كل جانب بقايا الدبابات والمدرعات العسكرية التي كان البعثيون يحتمون بها ضد الكرد المناضلين ولكن عزم وإرادة الشعب الكردي الأبي كان أكبر منهم فقد قطعوا أرجلهم من أرض كردستان الحبيبة وإلى الأبد وتحولت مديرية أمن السليمانية المخوف في عام 2003 إلى متحف يحكي للعالم عن ضحايا الثورة الكردية .

18/5/2008