الرئيسية » مقالات » تجربتي في الغربة علمتني حب الوطن

تجربتي في الغربة علمتني حب الوطن

في بلدي,كبرت وترعرعت,ونهلت من علمها حتى ارتويت,في مدينتي ,فهمت معنى الدين والتقاليد…مصطلحاتٍ ارتبطت بمسمىً آخر,هو القيود الاجتماعية .
أستمعت للاغاني القديمة,الكبنجي وسليمة خضير,وناظم الغزالي..احببتها ,لكني لم افهمها,الا بعد حين .
وحين كبرت ,وأصبحت قادرة على اتخاذ موقف فردي,قررت الهجرة ,مبتعدة عن كل الاختناقات السياسية التي كان يعيشها بلدي,والقيود التي كبلت طموحات الكثير من ابناء جلدتي.
في المهجر,عشت حياة الحرية بمفهومها الصحيح,درست وزادت قدراتي على استيعاب ما يدور حولي ,فانا من الناس الكثيري الأسئلة,وجدتُ لبعض أسئلتي أجوبة,وبقي البعض الآخر معلقا سابحا في ذهني دون ميناء,وبين هذا وذاك,كانت تشدني مقالةً ما أقرئها أو اغنية لمطربٍ عراقي من زمن الطرب الاصيل,فأشدو لها ….اتنفس عبق الحنين الى كل ما يربطني بجذوري ,وتسحبني بعيداً عن ارض الواقع الذي وضعت نفسي بملء ارادتي فيه.
وحينما وجدت ان لا مفر من افكاري وحنيني اليه,قررت العودة الى وطني..
عدت ,وفي طريق العودة الطويل ,كانت هنالك مساحة شاسعة لأسترسل بعمق ,بكل الاسباب التي دعتني للعودة,فترتسم في مخيلتي غابات النخيل الباسق
وشواطيء دجلة والفرات,بيوتنا الجميلة العامرة ,وجدران كليتي وتماثيلها البيضاء,فتعود لي اجمل اوقات قضيتها في حياتي ,ارتسمت امامي صورة استاذي,وضحكات صديقاتي,وبين هذا وذاك ,ارى وجه امي باسماً,مشرقاً,….فأبكي!
صور وصور وصور ,للبيوت القديمة ,والشناشيل التي لطالما تأملتها في صغري,وعلقت بمخيلتي لحين كبري….صورٌ زاهية وعبقة.بقيت تترآى لي وتشدني لمواصلة الرحلة ….رحلة العودة الى الوطن…
الى ان دخلت حدود العراق,وليتني لم أر ما ر يأت ,كثبانٌ رملية ,وجوه محملة بالتعب ,ولون التراب الذي مسح البيوت والشوارع ,وأضفى لوناً باهتاً عليها,وكأن الاشجار قد توقفت عن وظيفتها وسئمت من الانتظار!!
مدرعات امريكية ,في كل مكان,…شوهت منظر الشوارع…والحارات,وأضفت على المكان شعور بعدم الرضى والقبول من كل الذين يشاهدونهم,وجنودٌ عليها,ترقب كل همسٍ وحركة غير مريحة لنظرهم,مصوبة بفوهات بنادقها على كل الجباه!
وحالة من الفوضى ,هنا صوت سيارة مفخخة ,انفجرت وحصدت ما حصدت من ارواح الابرياء,هناك سلبٍ ونهب,ولا وجود لاي قانون ..
الحياة اصبحت كمسرحٍ خلت من شخوصها ,ووجوه انهكها التعب من الانتظار,فضاعت ملامحها.
يا لبؤس بلادي! وواويلتاه على ما جرى ,ما لم تستطع اي شاشة من القنوات التي تعرض الحال في بلدي من وصف ما شاهدت,أطرقت الرأس ,وشبكت عشري على رأسي ,كما يقول الغزالي,وأخذتني العبرة على كل ما رأيت ,وما لم ارد ان أرى.
حزمت حقيبتي مرة اخرى,وقررت العودة من حيثما اتيت ,املاً بعودةً اخرى علّي أجد فيه حال غير الذي رأيت ,وفي داخلي حبٌ كبيرٌ لبلدي لكنه مصحوبٌ بألمان,ألم الغربة ….وألم الحنين الى وطن اسمه العــــــــــــــراق!