الرئيسية » مقالات » خراف الله

خراف الله

خذلنا الشتاء فلم يكرمنا بقطرة, ورحل تاركا وراءه أرضا قاحلة جرداء, فغاب الربيع ليأتي الصيف ويملئ الفراغ , فالتبس الأمر على النمل ليخرج من سباته مبكرا باحثا عن المرعى فلم يجد غير الرمال والغبار , صاحت ملكتهم انه .. الغلاء .. الغلاء هيا انتشروا في منازل البشر واحصلوا على غذائكم بالقوة, فخرج النمل أسراب وقوافل تغزوا المدينة المكتوية بالغلاء, وعرجت قبيلة منهم صوب منزلي ولم يكن ذلك ليضايقني ,إذ كنا قرويين صغارا نتحاشى إيذاء النمل بناءا على وصايا أمهاتنا اللواتي قلن لنا بأن النمل خراف الله لا يجوز قتلها أو تخريب مستعمراتها ومذاك صار للنمل قدسية لدينا بل كثيرا ما نتفاءل به حين يزورنا, فلم تكن من مشكلة في قدومها هذه السنة, لولا أننا دخلنا قبلها مبكرين في أزمة الغلاء والغذاء, فلم يعد بمقدور احدنا إن يطعم عياله حتى يكون بمقدوره إطعام النمل, ومع ذلك لم أمانع من سكن النمل بين ظهرانينا التزاما مني بحقوق الكائنات الحية في الهجرة من مواطنها أثناء الكوارث الطبيعية والنكبات السياسية واللجؤ إلى مناطق أكثر أمنا وأوفر غداءا, فقبلت بتوطين النمل في مطبخي على إن يتدبر بنفسه أمور معيشته في الحصول على الطعام والشراب والخدمات الأخرى, وقدمت نداء عاجل إلى الأمم المتحدة لإرسال مساعدات طارئة لاحتواء أزمة النازحين النمل , ولكن مجلس الأمن كان مشغولا بالأزمة الخطيرة في الصعيد, فلم تقدم وكالة غوث اللاجئين أية معونات بحجة أنها لا تكفي سكان دارفور, فأخذت أزمة النمل تتفاقم سريعا , لتخرج الأمور عن السيطرة , حيث خرج النمل من مخيماته في المطبخ واكتسح الدار بحثا عن الغذاء, ليزاحم عيالي على المؤن المخزنة لحالات الطوارئ ,نصف كيلو سكر , كيلو وربع أرز , كوبين برغل , صاع عدس , ثلاث رؤوس بصل واحدة منها فاسدة , لحسن حظنا إن النمل لا يحب المازوت وإلا كان قد أتى على غالون ونصف من مخزوني الاستراتيجي الذي بقي فائضا من مؤنة الشتاء الماضي , لم يكتفي النمل بالمطبخ بل تسلل إلى غرفتنا الوحيدة واندس في حقائب أطفالنا المدرسية وافسد شطائرهم وتسلق إلى الشفة العليا لأبني الصغير ليهديه عضة صغيرة وصعد إلى وجهي يستطلع تضاريسه فغلب الفضول أفراد منه لينظروا ماذا يوجد داخل انفي الكبير فسقطوا في حفرته الانهدامية الوعرة وباتوا في عداد المفقودين والارحج أنهم لقيوا مصرعهم – الله يرحمهم- أما الملكة فلم ترضى بأقل من إبط زوجتي مرتعا ومسكنا فلم تستطع مقاومة رائحة لحمها الطري فاشتهت قضمة لذيذة جعلت زوجتي تنط من نومها مرعوبة تصيح عقرب عقرب, وحين اكتشفت أمر النملة الملكة خيرتني بين إبادة النمل أو طلب الطلاق , زوجتي اعرفها امرأة فاشية مهووسة بحروب الإبادة الجماعية,وأنا ليس لدي استعداد أخلاقي لارتكاب مثل هذه الجرائم خاصة بحق خراف الله ولولا اعتبارات منزلية , مطبخية , تربوية كنت سأطلق زوجتي نكاية بأستاذها ميلوزوفيتش, ولكن اجتثاثها أمر صعب وكذلك اجتثاث النمل كحشرات نبيلة تمارس حقها في الوجود دون الاعتداء على حقوق الآخرين .
وفجأة وجدت نفسي متورط في صراع خطير يهدد امني القومي , زوجتي تتهمني بالانحياز إلى النمل,والنمل يتهمني بسياسة المعايير المزدوجة والتساهل مع تهديدات زوجتي باستخدام الأسلحة المحرمة دوليا وقد شبه احد قادتهم مأساة شعبه بمأساة الشعب الكردي, وفي الحقيقة لست منحازا إلى أي من الطرفين, فأنا اتبع رسميا إيديولوجية الحمير السلمية الديمقراطية التي تنبذ العنف كوسيلة لحل المشاكل الدولية ,انطلاقا منها أقف على مسافة متساوية من طرفي النزاع وأحاول معالجة الأزمة عبر الحوار و الطرق الدبلوماسية وقد أحرزت تقدما ملحوظا لولا التدخل السافر لجارتي العنصرية التي زودت زوجتي بشحنة من الأسلحة الفتاكة مما شجعت لديها نزعة العسكرتارية لتقول لي : أنا لم اشتري كل هذه المبيدات لتنتهي صلاحيتها على الرفوف بل أنها صنعت لتؤدي وظيفة فلا تحاول ردعي عن معركتي القادمة , أنذرت زوجتي النمل بمغادرة أراضيها خلال 48 ثانية وإلا فأنها ستتخذ الإجراء الذي تجده مناسبا , وهكذا لحقت جهودي بجهود عمرو موسى وضاعت سدى , مما أصابني باليأس والإحباط وأتلفت أعصابي , إذ لا رغبة لدي في اندلاع شرارة الحرب بين البشر والحشرات انطلاقا من منزلي كما مبارك لا يرغب إن تكون بلاده ساحة صراع بين البشر والحمير , والحق كله على الشتاء الذي بخل علينا وعلى حكامنا فلم يأتينا بالمطر بل بالغلاء مصحوبا بعواصف من الفساد ورياح بطش محلية شديدة السرعة تهب على شعوب المنطقة ودوابها,ستخلف خسائر فادحة كما تشير تقارير الأرصاد الجوية , في الوقت الذي يتشكل منخفض جوي عالي الكثافة في أعالي الأطلسي يزحف جنوبا صوب الخليج وإيران سيكون له تأثيرات جانبية على لبنان ومعدة فقراء المنطقة … كان الله بعون حكام المنطقة إذا كنت قد عجزت عن تحمل سؤ تفاهم بين زوجتي وشعب النمل فكيف لهم تحمل أزمات تأتيهم بالجملة … غلاء و محل ومعارضة وأمريكا وإسرائيل وبراميل بارود متوهجة وشعوب جائعة توشك إن تشتعل من الإعياء… ماع … ماع … ماع وليس لنا غير السماء نتضرع إليها اللهم أحفظ نملنا وقملنا وشعوبنا وأوطاننا وحكامنا من جميع المنخفضات والمرتفعات المناخية والسياسية يا ارحم الراحمين اللهم اقصف عمرنا وعمر الذين جعلونا نكره حياتنا آمين يارب العالمين لا تقلقوا على النمل فقد هاجر بالجملة إلى بيت جارتي لتقع في شر أعمالها .