الرئيسية » مقالات » اليد الخفية

اليد الخفية

إعتاد العرب على اللجوء إلى نظرية المؤامرة كلما حلت بهم كارثة، وما أكثر الكوارث التي تعصف بهم في كل يوم ومنذ عقود عديدة. فبدلاً من مراجعة النفس وقراءة الواقع المتحرك بعيون مفتوحة ونقد ذاتي وتحليله تحليلاً موضوعياً ، وفهم أسباب ودوافع أزمة ما، تراهم يلجأ ون إلى العوامل الخارجية والحسابات غير المرئية ويلقون بتبعية ما يصبهم على ” اليد الخفية” التي تتآمر عليهم وتخطط للفتك بهم وتدميرهم وبث الفوضى في صفوفهم. كانت إسرائيل والإمبريالية” ولفترة طويلة هما الجهتان الرئيسيتان لكل مآسي العرب والمسلمين، واليوم أضيفت إليهما جهة ثالثة أعتبرها كثيرون المصدر الرئيسي لكل أحداث العنف والفوضى والإرهاب والتخريب في المنطقة ألا وهي ” إيران” .
من البديهي القول أن لكل دولة ، مهما كان حجمها ودورها على المسرح الدولي، إستراتيجية متكاملة لها عدة وجوه وأبعاد عسكرية، واقتصادية، وسياسية، وجغرافية. وبالتالي فإن لإسرائيل مصلحة في إضعاف وتقسيم العالم العربي وتفتيته وتشجيع الإنقسام والتشظي في نسيجه وزرع الخلافات والخصومات والتنافسات بين مكوناته القومية والدينية والطائفية والإثنية. والتاريخ يقدم لنا الكثير من الأدلة والبراهين على ذلك ومن هنا يمكننا القول أن إسرائيل ليست بعيدة عن أي ملف أو قضية أو أزمة تحدث داخل العالم العربي والإسلامي، ولم ينس أحد قصف إسرائيل للمفاعل النووي العراقي ووأد الجنين النووي العربي قبل ولادته، ومناوراتها الحالية لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي بأي ثمن حتى لو كان تدمير المنطقة برمتها . وكذلك للولايات المتحدة مشروعها الدولي والإقليمي الذي ذكره وأشار إليه وحلله الكثير من المراقبين والمحللين الدوليين كهنري كسينجر وزبينغيو بريجينسكي وغيرهما ،وفي عدد كبير من الكتب والتقارير المهمة التي تناولت هذا الموضوع لامجال لذكرها أو التطرق إليها الآن. سنكتفي بمثال واحد للدلالة على مانقول، وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية استخلصت دروس وعبر كثيرة من محاولات التقارب والوحدة بين بعض الدول العربية في أواخر الخمسينات من القرن الماضي ولذلك اتخذت قرارها الاستراتيجي بمنع حصول وحدة حقيقية في العالم العربي، وكذلك عندما تجرأ العرب للمرة الأولى في تاريخهم الحديث على التفكير باللجوء إلى سلاح البترول سنة 1973 إبان حرب أكتوبر بين العرب وإسرائيل، وحدثت الصدمة النفطية العالمية الأولى وماترتب عليها من تداعيات اقتصادية وسياسية واستراتيجية خطيرة جعلت الأمريكيين يضعون خطة طويلة الأمد تمتد لأكثر من خمسة عقود لتقنين التعامل مع العالم العربي وفرض المعايير والحدود التي تراها مناسبة للتحكم في سلوكيات وتصرفات العرب في كل الظروف والأوقات. وتلخصت تلك الخطة بعبارة هنري كيسنجر الشهيرة حينما قال:” سنوجه للعرب صفعة تبقى آثارها على وجوههم طيلة حياتهم ونلقهم درساً لن ينسوه أبداً”. وتعاقبت النكبات والحروب والتنازلات وعمليات الاستسلام من جانب بعض القادة العرب . فكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي المحفز والمحرك الرئيسي لحرب الخليج الأولى بين العراق وإيران وهذا معروف للقاصي والداني، وكانت تقف وراء سيناريو غزو العراق للكويت ومهاجمة العراق في حرب الخليج الثانية بذريعة تحرير الكويت من الاحتلال العراقي ودخولها لمياه الخليج الدافئة وتمركزها في المنطقة ونصب قواعدها العسكرية الجبارة وهذا أيضاً معروف للجميع. وعندما كانت على قاب قوسين من إطاحة صدام حسين عام 1991 تدخلت لديها دول عربية حليفة لها وعلى رأسها المملكة العربية السعودية لترك صدام حسين في السلطة واحتوائه وإبقائه ضعيفاً لايشكل عليها أي خطر بدلا من فتح أبواب الجحيم في العراق وإتاحة الفرصة لقيام نظام شيعي سيشكل عليها خطراً عظيماً ، واستجابت الولايات المتحدة الأمريكية لهذا التوسل العربي لأنه يتناسب مع رؤيتها ومخططها رغم دعوتها للشعب العراقي بالثورة على نظام صدام حسين وإسقاطه ، فتخلت عن الشعب العراقي بدناءة ودم بارد وتركته يواجه مصيره أمام بطش ووحشية ودموية صدام حسين وقمعه للانتفاضة الشعبانية. نفس الشيء تكرر في أواخر 2002، قبل أشهر قليلة من حرب الخليج الثالثة سنة 2003 حين ذهب ولي العهد السعودي آنذاك ، وأصبح اليوم ملكاً، وهو الأمير عبد الله لزيارة جورج دبليو بوش في مزرعته في تكساس ليتوسل إليه لكي لايسقط نظام صدام حسين ولكي يكرر نفس سيناريو وتجربة والده لكن الرئيس بوش نهره ورد عليه بجفاف وصرامة فغادر الضيف السعودي مكسور الخاطر، لأن طلبه لايتناسب ولايتوافق مع المخطط الأمريكي للمنطقة وللعراق بالذات وهو السيناريو الذي مايزال ساري المفعول اليوم سنة 2008. واليوم تتدخل أمريكا وإسرائيل على نحو مباشر في الشأن اللبناني لمناكفة سورية وإيران ووضع العراقيل أمام هذا المشروع الإقليمي الذي يمكن أن يشكل خطراً في الأفق المنظور ضد إسرائيل التي تكفلت أمريكا بحمايتها بأي ثمن كان. أما إيران باعتبارها لاعب إقليمي مهم ومؤثر، فهي الأخرى تمتلك مشروعاً في المنطقة لاسيما وهي تناور وتقاوم الضغوط الدولية التي تحاول منعها من امتلاك التقنية النووية والسيطرة على الدورة النووية الكاملة داخل أراضيها وعلى وجه الخصوص تخصيب اليورانيوم بشكل صناعي مما سيوفر لها استقلالية في الحصول على الوقود النووي وعدم اعتمادها على الخارج . وهذا يعني في نظر خصومها نيتها على تصنيع السلاح النووي وهو الأمر الذي لن تقبل به إسرائيل ولا المجتمع الدولي وبالأخص الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن مما يمكن أن يعرضها لعقوبات وحصار وربما ضربة عسكرية شاملة أو محدودة حسب الظروف. وكرد على هذا الموقف الدولي والإقليمي تلعب إيران بأوراق تمسك بها في المنطقة وأهمها الورقة العراقية والورقة اللبنانية . فماحدث في العراق في الآونة الأخيرة كان رسالة مشفرة أرسلتها إيران للولايات المتحدة الأمريكية التي فكت واشنطن طلاسمها وفهمت فحواها وردت عليها بخطة فرض القانون وزيادة عديد القوات الأمريكية ومواجهة الميليشيات المسلحة الموالية والتابعة لإيران، واليوم تبعث طهران برسالة أخرى في لبنان نلمس مضامينها فيما يحدث من تصعيد ومواجهات عسكرية في لبنان وضعته على حافة حرب أهلية ـ طائفية مدمرة قد تأكل الأخضر واليابس وتتجاوز بكثير ردة الفعل الملائمة لبضعة قرارات حكومية استفزازية هي مجرد حبر على ورق، أصدرتها الحكومة اللبنانية الفاقدة للشرعية بدفع وتحفيز وتشجيع أمريكي . فالاضطرابات الجارية تتعدى بكثير مجرد رد عملي كان متوقعاً أن يكون محدوداً من جانب المعارضة اللبنانية بقيادة حزب الله وحركة أمل وجماعة عون في التيار الوطني الحر، على قرارات الحكومة اللبنانية بشأن شبكة الاتصالات الهاتفية الخاصة بحزب الله والتحرش بضابط أمن المطار الموالي لحزب الله ومحاولة إقالته من منصبه، ويتعلق ماحدث في حقيقة الأمر بكيفية التصرف تجاه إيران التي ذهبت بعيداً في التلاعب بالملف اللبناني، فكل ما يحدث في لبنان يحسم دائماً خارج لبنان كما هي العادة منذ سنين طويلة وليس لبنان سوى ساحة للصراع وحسب تطورات الأوضاع في داخله حيث تجري مفاوضات في الخارج لمصلحة أمور أخرى. فإيران حققت بعض المكاسب على الساحتين العراقية واللبنانية وهي ترى أنها ستخسرها إذا لم تتحرك على ساحات أخرى لإرسال رسائلها العنيفة ولمنع استتباب ظروف جديدة وأمر واقع جديد يؤثر على طهران وعلى امتداداتها الإقليمية خاصة داخل العالم العربي وكذاك داخل العالم الإسلامي في أفغانستان ودول الاتحاد السوفيتي السابق الإسلامية . فحزب الله لايمكن أن يخاف من قرارات حكومية هشة لاطاقة لحكومة السنيورة الهزيلة على تنفيذها بل يخاف حزب الله وخلفه إيران من تطورات الوضع العسكري في العراق وثبوت تدخل إيران وحزب الله اللبناني في شؤونه الداخلية ،وتريد إيران أن تقول للعرب : يمكنكم تقديم المزيد من التنازلات وإلا سوف يضيع لبنان كما سبق أن تم تعريض العراق للضياع تقريباً لولا لطف الله وحكمة بعض القادة العراقيين ويقظتهم وتجنيب أرض الرافدين فتنة حرب أهلية ـ طائفية . فإلى أين ستتجه إيران في هذه الصولة والجولة بينها وبين المجتمع الدولي على الساحة الشرق أوسطية؟ ليس هناك أمام إيران سوى خيار واحد من إثنين لاغير: فإما الإذعان لإرادة المجتمع الدولي والتوصل إلى تسوية مرضية على شكل حزمة حوافز وامتيازات وصفقات اقتصادية وسياسية لصالح إيران مقابل تجميدها لتخصيب اليورانيوم وإخضاع برنامجها النووي للمراقبة الدولية، أو المكابرة والإصرار على التحدي بسبب قراءة خاطئة للتقويم الدولي والأوليات الدولية ورفض العرض السخي الذي ستقدمه الدول التي اجتمعت في لندن لهذا الغرض وهي الدول الخمسة في مجلس الأمن ومعها ألمانيا متجاهلة انعكاسات العقوبات الاقتصادية التي لوحت بها تلك الدول الست فالتراجع عن موقف الرفض في نظر الرئيس الإيراني يعني انتحاراً سياسياً وهو يعتقد أنه كلما أمعن في الرفض حصل على المزيد من المكاسب وأن المجموعة الدولية منشغلة في الأشهر القادمة في الانتخابات الأمريكية وبعدها البريطانية وقبلها الروسية وكلها تحتاج إلى وقت قبل الانسياق أو الانزلاق في مغامرة ضرب إيران.
باريس