الرئيسية » مقالات » واحد من جيل الحياة الشهيد عباس خضير (أبو سالم)

واحد من جيل الحياة الشهيد عباس خضير (أبو سالم)

قرية البو شناوة،معقل الشيوعيين العراقيين في الفرات الأوسط،أنجبت الكثير من المناضلين الأشداء الذين كان لهم أثرهم في الحزب الشيوعي والحركة الوطنية،وكانت هدفا للسلطات الغاشمة منذ العهد الملكي الغابر،وفي العصر الجمهوري الزاهر،وعليها أكثر من علامة استفهام،ومن القرى المعلمة بالحبر الأحمر في خرائط الحكم ألعارفي والبعثيين،وعوملت بالإهمال من هذه الحكومات الجائرة لمواقفها المناوئة لهم،ومنها أنطلق الشهيد كاظم الجاسم (أبو قيود) ليزرع النواتات الثورية التي تميد الأرض تحت أقدام الخونة والموتورين،ومنها قاد الملاحم البطولية،وخاض غمرات النضال بمؤازرة من أهاليها الذين وقفوا الى جانبه يشدون من أزره ،ويعلون من أمره،لذلك أطلق عليها موسكو الصغرى ،أو القرية الحمراء،وأنعم به من لون يعبر عن ألق الدم في أعراس الوطن،ولا زال أبنائها على ما عهدناهم في مسيرة النضال الدائبة للحزب الشيوعي العراقي يمدون الحزب بالدماء الجديدة،والمناضلين الأشاوس،ولا زالوا يرفعون الراية الحمراء،لم يتناسوا الماضي الزاهر لمدينتهم ،فأوصلوه بالحاضر الجميل،وفي هذه القرية ظهرت أولى التنظيمات ألفلاحيه في العهد الملكي المقبور،ومنها انطلقت حملة التواقيع للمطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام بحق الرفيق الخالد فهد كما حدثني بذلك الفقيد الشيخ أحمد عبد الله،وأنطلق منها الرعيل الأول من الشيوعيين لبناء التنظيم وامتداده الى القرى الأخرى،ومن المناضلين الذين أنجبتهم هذه القرية المعطاء،الشهيد البطل عباس خضير(أبو سالم) الذي ولد وترعرع فيها ،وللظروف الصعبة التي يعيشها الفلاح العراقي آنذاك بسبب التسلط الإقطاعي الرجعي ،عاني من الأذى والاضطهاد،ولمس عمق المعانات التي ينوء بأعبائها الشعب العراقي، وارتبط بعلاقة حميمة مع الشهيد أبو قيود وكانت طريقه للدخول في الحزب الشيوعي،وأندفع بروح جهادية عالية للعمل الحزبي،فكان شعلة من النشاط والحيوية،يكسب الأعضاء والمؤازرين،والأصدقاء والمؤيدين،لذلك لا زال أسمه محفورا في ذاكرة من عاصره من فلاحين وعمال ومناضلين ثوريين،ولا زال أسمه زاهرا بين الخالدين ممن جادوا بالنفس من أجل المبادئ والقيم والمثل العليا التي كانت الصفة الغالبة للشيوعيين العراقيين طيلة تاريخهم المجيد،ولا زالت عنوان لكل شيوعي شريف سار على هدي المبادئ الشيوعية الأصيلة التي لن تبليها الأيام. انتمى الشهيد للحزب الشيوعي العراقي أوائل الخمسينيات،وكان ضمن الهيئة الرئيسية للتنظيم الريفي،وتولى مسئولية الكثير من التنظيمات الريفية لجنوب الحلة فأدى ما عليه على أحسن ما يكون الأداء،وقام بجولات ميدانية عدة في الأرياف لمتابعة الخلايا والنواتات المتناثرة في القرى المتباعدة،في ظروف نقل سيء لا تتجاوز في أحسن الحالات الدواب،وإلا فالأقدام هي عجلة المناضلين التي لا تعرف الكلل أو الملل،فتراه اليوم في قرية وغدا في أخرى،وقد تستمر جولاته التنظيمية أسبوعا أو أسابيع،يضاف له ما يكلف به من واجبات أخرى أيسرها نقل البريد الحزبي في ظل رقابة مشددة من القوى الأمنية التي كانت تركز نشاطها في متابعة الناشطين الشيوعيين ،وتفسح في المجال للعملاء والجواسيس ليعيثوا في البلاد فسادا ودمارا،وتحمل الكثير من المخاطر في ظل ظروف بالغة الصعوبة،وأحترف العمل الحزبي وأعطاه جل وقته،وكان راتبه الشهري لا يتجاوز الديناران متبوعة ببدل اشتراكه الشهري الذي يدفعه كل شهر،وبعد ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ،وما رافقه من هبة حماسية للعراقيين للمسير خلف حزبهم المجيد الذي لمسوا فيه الصدق والأمانة والإخلاص في النضال من أجلهم،ساهم بشكل فاعل في المنظمات المهنية،وأصبح في طليعة الناشطين في الجمعيات الفلاحية،التي توجت نضالها بقانون الإصلاح الزراعي الكبير،الذي قوبل بهجمة شرسة من الإقطاع والرجعية ومن مالئهم من رجال الدين،وكان الواجهة في النضال من أجل تطبيق القانون وعدم أفراغه من محتواه،والسعي لقسمة الحاصلات بما يضمن حقوق الفلاحين بعد قيام الزمر الإقطاعية بالتعاون مع الرجعيين في إدارات الألوية للسيطرة على غلة ذلك العام وأرباك الإنتاج الزراعي وتعطيل الاقتصاد الوطني،وكان من المطالبين بتوزيع البذور والأسمدة وتوفير المكائن الزراعية،ومن النوادر اللطيفة أن الجمعيات الفلاحية قامت بتوزيع بذور الحنطة المعفرة للفلاحين ،والتي سميت حينها ب(حنطة الزعيم) التي تذكرني ب(دودة الزعيم) التي أطلقت على نوع من الحيوانات المائية جاء مع الأسماك التي ضخت في الأنهر العراقية لتحسين نوعية الأسماك وإكثارها ،وكانت هذه الدودة(تقرص) الأطفال عند السباحة في الأنهار ،فسميت بدودة الزعيم،وبعد توزيع الحنطة شنت حملة توعية للفلاحين بعدم تناولها لأنها مسمومة،وأثناء حملة التوعية كان يتغدى في بيت أحد الفلاحين وبعد الغداء أجتمع أهالي المنطقة فيما هو أشبه بالندوة،وبلغهم بضرورة عدم تناول الحنطة المعفرة التي استوردت لأغراض الزراعة،لا للأكل، لأنها مسمومة وقاتلة، فقال له الفلاح الذي تغدى لديه(رفيق شلك بهالحجي ،أشو تغدينا أنه وياك منها ،وما طبنه عرج)أي(ماذا تقول لقد أكلنا منها أنا وأنت ولم يصبنا شيء). وكان الشهيد شعلة من النشاط في العمل المهني ومتابعة أعمال ونشاطات الجمعيات الفلاحية،وأنتخب عضوا في لجنة التوجيه ألفلاحي للواء الحلة،فتابع عمله بهمة ونشاط مما اكسبه سمعة عالية في الأوساط الفلاحية، وأهله ليكون عضو لجنة قضاء الهاشمية،ويشرف على تنظيمات الريف الجنوبي،وقد أعطى جل وقته للعمل الحزبي والقيادي،رغم الظروف المعاشية الصعبة التي يعيشها،فالشيوعيون ليسوا كغيرهم من البشر عندما يستلمون المسؤوليات الإدارية والوظيفية،فتراهم يبذلون أقصى جهد للنجاح بعملهم وتطبيق برامجهم الإصلاحية،دون أن يفكروا بما يفكر به الآخرين من منافع ذاتية وشخصية،كما هو عليه الحال في العراق الجديد،فما يحضا به المسئولين بمختلف درجاتهم لم يتوفر لأي كادر شيوعي تسلم مسئوليات كبرى في الإدارة العراقية،والراحل الاقتصادي إبراهيم كبه أشهر من أن تذكر مناقبه وأعماله ونزاهته ووطنيته التي أذهلت الجميع،وعاش هو هو في الوزارة أو خارجها،وبعد تركه الوزارة سلم السيارة المهداة له الى سلفه،وعندما قيل له أنها هدية خاصة،قال أنها أهديت لي لأني وزير،وليس لكوني إبراهيم كبة،فلعله يكون عضة لوزراء هذا الزمان!!! وبعد أن ارتدت الثورة عن مسارها،وبدأت تعثر بفعل المؤامرات الخارجية والداخلية،وعودة القوى الرجعية لتسلم مقاليد الأمور ،كان في أوائل المعتقلين،(ومعاميل) الأمن ولكنه لم يهن أو يستهن ،فمارس العمل السري متخذا من أرياف بابل العصية ملاذا له يتنقل بين قرية وقرية دون أن تستطيع القوى الأمنية الأمساك به،وظل على ديدنه ناشطا لا تهوله الهوائل ولا تعيقه الصعاب،حتى حل اليوم الأسود عندما سيطر البحث الساقط على مقاليد السلطة،في 8 شباط المشئوم،وكان أبو سالم على رأس قائمة المطلوبين فواصل اختفائه،بعد الضربة الموجعة التي وجهت لمنظمات الحزب وقواه وقياداته،وانهيار المنظمات الحزبية وانكفائها وتشظيها،وما قامت به القوى البعثية وواجهتها الحرس القومي وغربان الغرب، فاضطر للاختفاء والعمل السري مع الرفاق الإبطال الذين لم تفقدهم الأحداث فاعليتهم المعروفة،فالتقى الرفاق أبو حاتم وكاظم الجاسم وعبد زيد نصار وكاظم غدير،وغيرهم من الناشطين،وبدئوا العمل لإعادة ربط التنظيمات وبناء المنظمات الحزبية،على أسس قوية،فتحرك للعمل في أرياف القاسم الممتدة لمسافات شاسعة بما فيها ناحية السنية المرتبطة أداريا بلواء الديوانية،وتمكن في فترة وجيزة من أعادة البناء وتنشيط عمل الخلايا،وكانت محلية بابل في وقتها قد سعت لبناء مفارز أنصارية تقوم بأعمال حربية لمواجهة الحرس القومي وتأديب العناصر الموالية للسلطة الجديدة،ممن قاموا بالوشاية عن الرفاق وإرشاد الحرس القومي إليهم،فاستلفت هذا النشاط الأجهزة الأمنية،فوضعوا العيون والأرصاد لمراقبة الناشطين في العمل الحزبي،وتمكنت من شراء البعض من ذوي النفوس المريضة من نفايات المجتمع والساقطين أخلاقيا،والمتمرسين بالخيانة والغدر،،وكان الشهيد قد أتخذ من منطقة (آل بشارة) مقرا للانطلاق منه لمتابعة التنظيم في المناطق المجاورة،وأتخذ من بيت الفلاح(…….) مقرا له لما تربطه به من علاقات تنظيمه وصداقة لعشرات السنين،وكان من الشيوعيين القدماء والعاملين في لجنة ريف القاسم قبل انقلاب شباط الأسود والناشطين في الجمعيات الفلاحية،ولا ندري هل كانت الخيانة نتيجة خوف أو تقرب من السلطة،أو لقاء أغراء مادي أو معنوي،فقد قام صاحب الدار في ذلك اليوم بالتوجه الى منطقة الهور بحجة العمل في الحصاد،وظل أبو سالم في داره بحكم العلاقة المتينة والرابطة الرفاقية التي جمعتهم لأعوام،وقد قام أحد أبناءه – بعلم من والده أم لا- بأحبار الجهات الأمنية بوجود أبو سالم لديهم،فما أسرع ما استنفرت الجهات الحكومية قواتها،وبمؤازرة من الحرس القومي الأنجاس الذين يقودهم المجرم(توقيف شمران) بمداهمة المنطقة،وطوق المنزل الذي كان فيه بمجموعة كبيرة منن الشرطة والحرس القومي،وعندما أحس بالأمر قاومهم بسلاحه الذي لا يفارقه،وحدثت مواجهة غير متكافئة بين الطرفين، وقد أصيب ب أطلاقة غادرة في كتفه الأيمن ،وبعد نفاذ عتاده تمكنوا من إلقاء القبض عليه، وتكبيله بالأغلال،ولحقدهم الأسود،وما يضمرون من كراهية للشيوعيين،قام الجرم توقيف شمران بربطه الى أحد السيارات بواسطة الحبال وهو لا يزال حيا،وسحله بواسطة السيارة في ارض وعرة حتى لفظ أنفاسه الأخيرة،وبعد مسيرهم لمسافة طويلة أوقفوا السيارة فوجدوه قد فارق الحياة،فقام هذا المأبون الحاقد بسكب البنزين على وجهه الكريم وإحراقه حتى تغيرت جميع معالمه،وبعد ذلك سلم جثمانه الى أسرته لدفنها،وهذه الصورة الجميلة أضعها أمام أنظار الرفاق المطالبين بالمصالحة مع البعث ممن لا زالوا يلهثون وراء الجبهات الوطنية دون أن يفرزوا بين الوطني وعدو الوطن،وأذكرهم بقول بحر العلوم بأن حليمة تعود الى عادتها القديمة لأنها جبلت عليها ولا يخفي دمامتها كل مساحيق التجميل: عادت حليمة للميدان ثانية تجر أذيال ثوب حيس بالدرني وكيف تصبح أم البغي تائبة ورأسها لم يزل في حضن محتضن وعانت عائلته من الضغط والتسلط البعثي ،وحوربت من الجهات الحكومية ،وكانت أبنته الصامدة (أم حيدر) مثالا للمرأة العراقية الباسلة،وعنوان للمرأة الفذة،فقد عملت بدأب ونشاط من أجل بناء الأسرة التي ذهب معيلها،وأشرفت على تربية أخويها وتنشئتهم على المبادئ السامية التي كان عليها الراحل الكريم،فكان أبنه (عطا) من الطلبة النابهين،والشيوعيين الملتزمين، وقام بإعمال مجيدة،وبذل جهود كبيرة في العمل الحزبي والطلابي،وظلت هذه الأسرة محاربة من السلطة،وبعد انهيار الجبهة أواخر عام 1978 أضطر عطا للاختفاء،ونهج نهج الشيوعيين البواسل،وحمل رشاشته هو والرفيق توفيق كاظم الجاسم،ليتخذوا من بساتين البو شناوة معقلا يقيهم هجمات السلطة وحاولوا خوض الكفاح المسلح إلا أن الظروف غير المواتية حالت دون سلوك هذا الطريق الصائب. لقد كان لهذه الأسرة المناضلة مواقفها الرائعة في أصعب الظروف والأحوال،لأيمانهم المطلق بالشيوعية فكرا وممارسة،ولا زالت سائرة على خطى الشهيد،تؤمن بما آمن به،وتحافظ على سمعتها الشيوعية،رغم الإهمال غير المبرر الذي تعاني منه أسر الشهداء الشيوعيين،حيث أهملت السلطة الجديدة أمرهم،ولم تحاول اتخاذ الأجراآت القانونية بحق الجرمين، ولا زال قاتله يسرح ويمرح في وضح النهار،وأصبح من كبار المقاولين في العراق الجديد،بما تهيئ له من سبل وما توفرت له من إمكانيات،وهذا من عجائب الدنيا السبع أن يهمل الشهداء والمضحين،ويعلوا شأوا القتلة والوصوليين،ولعل في ذلك حكمة لا يدركها الخائبون من أمثالي،ممن لا زالوا يهيمون في فضاء المبادئ النقية العالية. لك المجد المؤثل أيها الراحل الكريم،فقد سعيت سعيك،وبذلت جهدك،وعملت ما عملت لا لنفع أو طلب جاه،ولكن عن إيمان بمثل عليا وأهداف سامية،وستكون مثالا للآتين،واسم في سفر المجد والخلود،لجميل ما قدمت،فطوبى لك ولرفاقك ممن لا زالوا في الذاكرة الشيوعية،أسماء لامعة لم تدنسها الأدناس،أو تغير منها عوادي الزمن،ولابد أن يأتي اليوم الذي (يعود فيه الغزل لمطاويه)ويعطى لكل ذي حق حقه،ويعرف الناس من هو الأجدر بالبقاء.