الرئيسية » التاريخ » المسيرة التاريخية للبارزاني الخالد في ربيع عام 1947

المسيرة التاريخية للبارزاني الخالد في ربيع عام 1947

في مؤامرة دولية غادرة، وأدت جمهورية كوردستان (جمهورية مهاباد) في 16 كانون الاول سنة 1946، وتم اعتقال قادة الجمهورية (الشهيد قاضي محمد، الشهيد حيدر القاضي، الشهيد سيف القاضي) وتقديمهم الى محاكمة عسكرية صورية لم تتح لهم فرصة تعيين محامين للدفاع عنهم وصدر الحكم عليهم بالاعدام شنقا، ونفذ في 30 اذار سنة 1947 في ميدان (جوار جرا) وسط مدينة مهاباد.
اما البارزاني الخالد ورفاقه مقاتلي البيشمركه الابطال، وبعد خروجهم من معارك ضارية مع الجيش الايراني كبدوا خلالها قوات الحكومة الايرانية خسائر فادحة في الارواح والمعدات، وغنائم من مختلف انواع الاسلحة. لم يبق امامهم سوى الانسحاب وعبور نهر اراس هم وعائلاتهم من النساء والاطفال، الى الضفة الاخرى من النهر واللجوء الى الاتحاد السوفيتي، للحيلولة دون تعرض مقاتلي البيشمركة الى ضربات انتقامية من الجيش الايراني بعد الهزائم والضربات الموجعة التي تعرضوا لها على يد البيشمركة الابطال.
الا ان البارزاني الخالد كان قد وضع في حساباته مثل هذه الضربات الانتقامية ومحاولات الايقاع بهم، وبدأوا انسحابا منظما في الثاني والعشرين من ايار عام 1947 باتجاه الحدود السوفيتية، فشن الجيش الايراني هجوما كبيرا عليهم وهم يواصلون انسحابهم بمختلف انواع الاسلحة الثقيلة من مدفعية ودبابات وطائرات مقاتلة، مما اضطرهم الى خوض معارك بطولية شرسة مع الجيش الايراني كبدوهم فيها خسائر جسيمة ودروسا لم ينسوها.. وقد علق البارزاني الخالد على تلك المعارك قائلا:
كان لصمود مقاتلينا الاثر الكبير على دحر هجوم الجيش الايراني، الذي استغل وجود النساء والاطفال معنا كنقطة ضعيفة لدينا، لذلك كان يعمد الى القصف الوحشي العشوائي ضدنا، وايضا تنفيذا لاوامر مباشرة من شاه ايران الى طياريه، في لقائه معهم: (اضربوهم اينما وجدتموهم، ولا تدعوهم يفلتون منكم ولا تستثنوا من ضرباتكم اطفالهم ونساءهم). ولذلك فقد كان ثبات المقاتلين في معارك ذلك الربيع القارس بمثابة (الاسطورة او ضربا من الخيال).
تعامل البارزاني الخالد ورفاقه مع المعطيات الجديدة بشجاعة وحكمة، فبعد الحاقهم خسائر كبيرة بالجيش الايراني، تمكنوا من دخول الاراضي العراقية هم وعائلاتهم، حيث سمحت الحكومة العراقية بعودتهم على امل استسلام البارزاني الخالد ورفاقه الى الحكومة العراقية.
الا انه كان قد عقد العزم على الصمود مع مقاتليه والتوجه شمالا نحو الحدود السوفيتية واللجوء اليها، وانه لا يليق بالقادة، والثائرين المدافعين بايمان عن قضية عادلة ولا ينبغي لهم الاستسلام لارادة الاعداء.
لذلك فقد كان السبيل الوحيد امامهم هو اللجوء الى الاتحاد السوفيتي حفاظا على مقاتلي البيشمركة من تآمر دولي واقليمي قد يعرضهم والقضية الكوردية الى اخطار كبيرة، فضلا عن اتاحة الفرصة للمراجعة والاستعداد لحين تهيئة الظروف المواتية للعودة الى ساحة النضال في كوردستان العراق.
ولم تخلو عملية اللجوء الى الاتحاد السوفيتي من صعوبات خصوصا في برد ربيع عام 1947 القاسي، ووعورة الطرق الجبلية المتعرجة، يتوغل فيها المقاتلون تارة الى داخل الحدود التركية وتارة اخرى الى داخل الحدود الايرانية، فضلا عن اليقظة المتناهية لتجنب كمائن الجيش الايراني المعدة لهم، وملاحقة عملاء السلطات الايرانية والعراقية معا لهم فكان بحق عملا غاية في الصعوبة.
لم تكن جرأة وشجاعة البارزاني الخالد ومعه المقاتلين الاشاوس العامل الوحيد لنجاح هذه المسيرة، بل يضاف اليها التكتيك والحنكة والتمرس في النضال وخبرة البارزاني الخالد في حرب العصابات، التي كانت مثار حيرة واستغراب الاعداء، وقد بات هذا الحدث مادة للتدريس في جامعة طهران وكليتها الحربية على انه (نموذج ناجح لحرب العصابات).
كان عدد رفاق البارزاني الخالد في مسيرته التاريخية تلك (530) مقاتلا، ويشبه المحللون السياسيون هذه المسيرة (بالمسيرة التاريخية الكبرى) لثورة الشعب الصيني بقيادة الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ.
وتعد ايضا علامة مضيئة في تاريخنا النضالي الحديث تدلل على قابلية الانسان التغلب على مصاعب الحياة التي لا تتحقق الا من خلال الايمان الراسخ والقدرة على الصمود والثبات لقهر الصعاب.
وواصل الابطال مسيرتهم التاريخية حتى دخولهم الاراضي السوفيتية، وهكذا فقد تمكن البارزاني الخالد ورفاقه التكيف والتعايش مع الشعب السوفيتي كملاذ امن لهم من غدر الدول الثلاث التي تتقاسم كوردستان (تركيا، ايران، والعراق) والتي لم تتورع من ممارسة شتى انواع الاضطهاد والتمييز بحق شعبنا الكوردي، ولم تكن على استعداد للاقرار بحقوقهم القومية المشروعة.
لذلك فقد كان رفاق القائد مقتنعين بما قرره زعيمهم مصطفى البارزاني، وواثقين به كقائد وكرئيس للعشيرة والرجل الذي اجتمعت فيه كل صفات القيادة، مقاتلا شجاعا وسياسيا محنكا، ودفعت هذه الخصال الى ربط مصيرهم بمصيره، ومواصلة تلك المسيرة البطولية الشجاعة معه رغم المصاعب التي اعترضتهم.
وهكذا واصل هؤلاء المقاتلون حياتهم الجديدة في المجتمع السوفيتي وتزوجوا من الفتيات السوفيتيات، وانجبوا منهن البنات والصبيان، ومارسوا حياتهم الاعتيادية، لكنهم لم ينسوا قضيتهم الوطنية، قضية شعب كوردستان، حيث كانوا يواصلون تدريباتهم العسكرية على استخدام مختلف انواع الاسلحة، ليكونوا دوما بتفاعل مستمر مع قضيتهم العادلة.
وهكذا امضى هؤلاء المقاتلين اثنا عشر عاما في ديار الغربة لاجئين، لحين قيام ثورة 14 تموز الوطنية عام 1958، حيث اصدرت حكومة الثورة عفوا عاما عنهم وعادوا الى الوطن للبناء وصيانة الجمهورية التي اقرت من دستورها شراكة العرب والكورد في الوطن العراقي.
لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، حيث جرت الرياح بما لا تشتهي السفن.. لدى انفراد عبد الكريم قاسم بالحكم، وتراجعه عن الاقرار بحقوق الشعب الكوردي، والانصياع لمشورة اعداء ثورة 14 تموز الذين تمكنوا من عزله عن اصحاب المصلحة الحقيقية في ثورة تموز وبالتالي زيادة عزلته عن الشعب.
في الوقت الذي بذلت القيادة الكوردية والحزب الديمقراطي الكوردستاني جهودا كبيرة للابقاء على العلاقات بين الحزب والحكومة.
ولما لم تجد تلك المحاولات نفعا، اضطرت قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة الخالد مصطفى البارزاني الى اعلان الثورة في 11 ايلول 1961، هذه الثورة التي ادت الى عزلة النظام الفردي، ومن ثم الاجهاز عليه في انقلاب 8 شباط سنة 1963.
لكن الثورة واصلت مسيرتها رغم جميع المصاعب والمعوقات والمؤامرات التي اعترضت طريقها، وانتصرت بقبر الدكتاتورية وتحقيق النظام الديمقراطي التعددي الفدرالي في عراق جديد يؤمن بحقوق الشعب الكوردي والاقرار بفدرالية اقليم كوردستان.
وهكذا انتصرت ارادة شعبنا الكوردي وانتصر البارزاني الخالد بافكاره ومبادئه وتحقيق امال واماني الكورد في اقامة النظام الديمقراطي الفدرالي التعددي واحترام حقوق الانسان.

Taakhi