الرئيسية » مقالات » وقفة تأمل أمام الحدث اللبناني ( 2 – 2 )

وقفة تأمل أمام الحدث اللبناني ( 2 – 2 )

عجز جماعات الاسلام السياسي
تثبت الوقائع يوما بعد يوم على عجز جماعات الاسلام السياسي في تحقيق حلول سليمة للقضايا العربية القومية وخاصة الفلسطينية حتى لو كانت – معتدلة – كما ثبت عجزها في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية أو في مواجهة السياسة الاسرائيلية والانتصار عليها بفكرها وعقليتها وأدواتها المتبعة فبعيدا عن الغوغائية قدمت هذه المجموعات حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان خدمات لاتوصف الى اسرائيل وأولها تفكيك الجبهة الداخلية وهدم الوحدة الوطنية الى درجة الاحتراب وتوصيل الأمور الى حافة الحرب الأهلية بواسطة اسلوب الانقلاب العسكري والتصفيات والتهديد انقيادا وراء آيديولوجيا الاسلام السياسي والطائفية الساسية الشمولية التخوينية وتسببت في مقتل الآلاف وجرح عشرات الآلاف وهجرة وتشرد مئات الآلاف من أبناء وعائلات الشعبين دون أية نتيجة سياسية مفيدة تذكر ودون أي حل في الأفق المنظور كما أساءت لقضايا التحرر العربي والفلسطيني وأضعفت قوى السلام والديموقراطية التي بامكانها تحقيق طموحات الشعبين بدون خسائر عبر الحوار السلمي وحسب الشرعية الدولية وقرار ات الأمم المتحدة كما أبعدت الحلفاء وقللت الأصدقاء وخلطت الأوراق هذه المجموعات تفقد توازنها في كل حادث فعندما نفذت حماس انقلابها العسكري في غزة على الشرعية هللت لها جماعات حزب الله والاخوان المسلمون في مصر والأردن وسوريا وعندما قام حزب الله بانقلابه العسكري في بيروت باركه الآخرون وخاصة السيد خالد مشعل الذي صار يغرد من دمشق عشية الانقلاب مزهوا بانتصار الهي جديد بعكس مواقف الادانة والاستنكار من الرأي العام العربي والعالمي والاسلامي وهنا يتاكد مرة أخرى عدم صلاحية هذه المجموعات حتى في قول الحق فكيف بادارة وقيادة الأوطان ؟ من الجهة الأخرى وبسبب تتالي النزعات العدوانية وممارسات الغدر وتحيين الفرص للانقضاض على الآخر المخالف والانقلابات المفاجئة حتى على الأقربين من جانب جماعات الاسلام السياسي اذا رأت الى ذلك سبيلا فانها باتت محل ريبة في منظور قوى التغيير الديموقراطي في العديد من الساحات في مجال التحالفات المرحلية ومدى صدقيتها في الالتزام بالعهود والوعود والاتفاقيات .

*

مدى انتماء هذه الجماعات لحركات التحرر الوطني
كل هذه الحقائق السالفة يضع تساؤلا تاريخيا أمام الجميع عن مدى صحة اعتبار جماعات الاسلام السياسي في صف حركات التحرر الوطني بما لها من مقومات وما تتميز بها من مواصفات نضالية تاريخية ونقاء وطني ديموقراطي بعد أن فقدت تلك الجماعات شروط الانتماء مثل : تنامي الفردية في صفوفها وبعدها عن الشفافية والديموقراطية في علاقاتها الداخلية , أجندتها الدينية والمذهبية المناقضة لوحدة المجتمع على قاعدة المساواة المواطنية بكل ما تثير من استفزاز وقلق وشكوك لدى الآخر المختلف , نزعتها العنفية والتكفيرية في حل الخلافات بغير طرق الحوار والمنافسة السلمية , جنوحها نحو آيديولوجيا ومفردات الصراع الحضاري التناحري مع الغرب والعالم الحر بدلا من المواجهة السياسية والتنافس الثقافي والعلمي والاقتصادي, تحويل قضية الشعب الفلسطيني التحررية العادلة كمسألة قومية تحل بانتزاع حق تقرير المصير الى صراع ديني بين الاسلام واليهودية , تاريخها غير المشرف عندما أجرت بندقيتها باسم الجهاد للقوى المعادية للاتحاد السوفيتي السابق والتعاون بتبعية لأنظمة استبدادية في العديد من البلدان ضد القوى الديموقراطية تحت شعار محاربة الشيوعية الى حد التورط في اغتيالات وتصفيات طالت مفكرين ومناضلين ومثقفين ورجال دولة الذين كانوا مشاعل يضيئون الطريق في صفوف حركات التحرر والتقدم , معاداتها في الصميم لبرامج المعارضة الوطنية الديموقراطية المستندة الى الفكر العلماني المتنور والمؤمنة بحرية المرأة وحقوق الشعوب والمساواة بين الأديان والعقائد والتعامل معها بباطنية عبر اللعب بالألفاظ والمصطلحات , هذه الحقائق تعيدنا الى مرحلة استقلال بلدان المنطقة بفضل كفاح حركات التحرر الوطني من قوى اليسار والبورجوازية الوطنية ضد أشكال الانتداب والاحتلال الاستعماريين حيث لم نجد أثرا لجماعات الاسلام السياسي في صفوف المقاومة حينذاك ولا ندري أين كان الاخوان المسلمون وأحزاب الله آنذاك وفي هذه المرحلة نترحم على رجال الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية عندما ساندوا ولو من بعيد الحركات المعادية للدكتاتورية والاستبداد كما نستذكر بتقدير ابتعاد أو ابعاد الكنيسة عن السياسة وقيادة الدول في اوروبا وأمريكا على هدى القول المأثور : الدين لله والوطن للجميع وهذا ما جعل اوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تنهض وتتقدم الى الصفوف الأمامية في كوكبنا .

شجاعة القوى الديموقراطية اللبنانية
مقابل ذلك أثبتت القوى الديموقراطية اللبنانية – الموالاة – حرصها اللامحدود على وطنها وشجاعتها المبدئية والسياسية والشخصية عندما اتخذت ذلك الموقف الوطني المسؤول بعدم الرد بالمثل أي بالسلاح على انقلاب حزب الله كما أثبتت جدارتها في القيادة وتحمل الصعاب والأوزار والتضحية من أجل المصلحة العامة ودعت الى بسط سلطة الدولة بما فيها الامنية على كل التراب اللبناني عبر الجيش وقوى الامن الداخلي أما المعارضة وخاصة حزب الله فتصرفت بشكل مغاير منطلقة من منطق الاحتفاظ بسلاحها وتطويره وتكديسه من المصدرين الايراني والسوري والتحرك على اساس دويلة شبه مستقلة لاتمس اية اسس من اسسها بما فيها سلاح الاشارة والسيطرة العسكرية – المخابراتية على المطار الدولي وعندما قام حزب الله بالانقلاب العسكري واحتلال المناطق والمدن والبلدات بما فيها العاصمة بيروت ولم تتصدى لها قوى الأكثرية بالمثل اي بالسلاح الا في حالات الدفاع الفردي عن النفس فهذا يعتبر موقفا سليما وشجاعا نابعا من منطق الحفاظ على الدولة والشرعية وسيسجل التاريخ بتقدير بالغ وبحروف مضيئة الوقفة الوطنية الجسورة والمسؤولة للزعيم الوطني وليد جنبلاط وحلفائه بعكس مزاعم الآخرين فالرجل وحزبه وجمهوره الوطني وحلفاؤه ليسوا بحاجة الى أحد لتوزيع صكوك الشجاعة والوطنية وتاريخهم الوطني البناء وسجلاتهم البطولية من أجل الديموقراطية والحريات العامة ووقوفهم الى جانب المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير في وقت كان الآخرون ينحرون الفلسطينيين في المخيمات وحروبهم المتتالية ضد الآلة العسكرية الاسرائيلية منذ عقود ومقاومتهم العنيدة للظلم والقهر والاستبداد بمافيه قوى النظام السوري العسكرية والأمنية منذ عهد الشهيد كمال جنبلاط وحتى الآن بادية للجميع .