الرئيسية » مقالات » كرنفال (اسرائيل) الأسود .. والخروج الفلسطيني من النكبة

كرنفال (اسرائيل) الأسود .. والخروج الفلسطيني من النكبة

الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
تحل الذكرى الستون للنكبة الفلسطينية والقومية، الخامس عشر من أيار (مايو) 1948 محصلة لأبشع جرائم العصر الحديث، جرائم عصابات الغزو الاستيطاني الصهيوني بدعم من الانتداب البريطاني، في ابشع حرب إبادة وتطهير عرقي ضد أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل، وتدمير وتهجير 530 مدينة وقرية، أسفرت عن طرد الشعب الفلسطيني من دياره وأرضه ووطنه، واستيلاء على أراضيه التي تشكل 93 بالمئة من مساحة فلسطين أراضي عام 1948، أكبر عملية تطهير عرقي يشهدها العالم المعاصر، مازالت متواصلة وقائمة وعلى امتداد ستة عقود، بكل مرارات التاريخ، مكثفة بدماء الضحايا الغزيرة المتواصلة، ترسم جغرافيا النهوض ودروب الاستقلال، بوصلةً وعلامات ترقيم إلى جهة واحدة: المستقبل.
تؤسس الحركة الصهيونية ذاتها على اعادة انتاج التاريخ؛ بعد تزوير حقائقه والسيطرة على الجغرافيا، جسامة المأساة ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية وتبديد الحقوق الوطنية. ورغم تحول الحركة الصهيونية إلى دولة، فهي ماتزال أسيرة اساطيرها وأكاذيبها المؤسسة، وتقطع منطلقاتها الايديولوجية والثقافية مع الآخر والتعايش السلمي معه، فهي نتاج رفع العنف والإرهاب إلى مصافاته العنصرية، وفي التطبيق العملي الايديولوجي “التفوق والتمّيز”، من مدعى “عرقي” يقوم على مزاعم العامل الديني السلفي، كما الأصوليات الدينية من حولنا؛ “نقاء شعب الله المختار”، بينما اليهود ينتمون الى أكثر من مائة قومية، وليسوا شعباً أو قومية مستقلة.
درس التاريخ هو صمود شعبنا ووحدته ومقاومته؛ متجاوزاً أخطاء قياداته قبل وبعد النكبة، وكفاحه وتضحياته المتواصلة والبطولية، على امتداد عقود النكبة الستة، صمود وبطولة وكثير من الإنكسار العربي الرسمي. وصمود على امتداد الثورة الفلسطينية المعاصرة، والانتفاضات الباسلة. وفي التجسيد العملي والكفاحي أكاذيب “أرض بلا شعب ولشعب بلا أرض”، ومعها المنطلقات الايديولوجية الصهيونية، والتي تسعى إلى بناء دولتها الكبرى وهيمنتها على المنطقة، الفلسفة المستعارة التي لا علاقة لها لا بالأرض ولا المكان. والتي لا يمكن لها أن تنشىء فكراً “قومياً” مستقلاً، من موقع ادراكها لأكاذيبها وأساطيرها رفعت نظرتها العنصرية حول التعايش مع الآخر “العرق ونقاء شعب الله المختار”، وبدعاوي عنصرية تقوم على التصنيف الثنائي للبشر، وفي نظرتها للمجتمع الدولي واتجاهات الفكر البشري، حيث تصطدم مع خلاصات الفكر الانساني السائد وتوجهاته، وليس أبلغ من شهادة على منطقها ودافعها سوى شهادة ابراهام بورغ؛ سليل العائلة الصهيونية القيادية، الشخصية البارزة في حزب العمل الاسرائيلي، في نشره كتابه الذي يقارن فيه “اسرائيل” بألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن الماضي، بدلاً من البديل العالمي القائم على التعدد الحقوقي الانساني والثقافي. فهي المرتبطة في سيرورتها وصنع قرارها؛ مصيرياً بشبكة خدمات الرأسمالية الدولية والامبريالية في المنطقة بدلاً من وحدة الإنسانية.
ولهذا السبب من على بُعد ستة عقود، حضر بوش كرنفالها الأسود الستيني، حاملاً معه بلفور وسايكس- بيكو، وأسلافهم الأبرز مثل ترومان وجونسون وريغان، لمواجهة التاريخ والمؤرخ توينبي؛ وتسميته الشهيرة للكيان الصهيوني بالخطأ التاريخي، ثرثرات كثيرة دارت حول حقوق الانسان والحريات في الكرنفال الأسود، وخلف الستارة بعض المدجنين من “الاخوة في العروبة” الرسميين، بالأزياء التنكرية والتطبيعية، المراوغات الثُعلبية لسماسرة ووسطاء، على طرفٍ من البسوس وغبراء داحس. يعاسيب وغربان يلقبون كمبرادور تأدباً، فقهاء الخراب وسوس خشب البيت، بدلاً من مشروع نهضوي وطني وعربي.
أما عن ماذا استقل الكيان الصهيوني؟ عن بلفور صاحب الوعد(!)؛ اللقيط عن الوصي(!)، لقد استبق الوعد مذابح اليهود ومحارقهم البشعة في اوروبا بعقود، وحين قررت اوروبا اعفاء ضميرها، من سماع الأنين الإنساني، وحمولة العبء الأخلاقي، أضافت حمولة جديدة؛ العبء الأخلاقي لمأساة الشعب والوطن الفلسطيني .. ومجازر دير ياسين، كفر قاسم، قبية .. ومجازر قانا المتواصلة للطفولة .. وهولوكوست اطفال قطاع غزة.
دعونا نكرر اسئلة النكبة البديهية، ولنحدد طبيعة “اسرائيل” بوعي ثاقب، وفهم أعمق للصراع، لا بافتراضات ايديولوجية فقط، تُستغل ببعد ذرائعي انتظاري انتهازي، أو عدمي أو تفريطي، يجرف ويستبعد من حسابه استراتيجيات الصراع، ويصلح فقط للتعبئة الشُعبوية والتضليل والتحريض والإثارة، بدلاً من استراتيجيات علمية وعملية، مادية واقعية وملموسة، تستهدف تصفية جوهر الأساس العنصري للصهيونية، ومنطلقاتها الايديولوجية والثقافية على المديين المتوسط والبعيد مقدمةً لتصفيتها، وانتاج حل انساني وتقدمي للصراع؛ دولة فلسطين العلمانية الديمقراطية.
القضية الفلسطينية والصراع العربي – الاسرائيلي، ليست كأي قضية دولية في هذا العالم، فهي ترتبط بالصراع الامبريالي على ثروات المنطقة، بالمصالح السياسية والاقتصادية للضواري القطبية، ثم القطب الامبريالي الأوحد، وهيمنته على الثروة في المنطقة، وأهمها النفط، المحرك للعديد من حروبها وأحدثها احتلال العراق. وتشكل فلسطين بؤرة وجذر الصراع وتفاعلاته عبر الدور الصهيوني. الأمر الذي يتطلب رؤية شمولية للصراع، وتوظيف عناصر القوة المتاحة وتطويرها والبناء عليها. رؤية شمولية لتطورات الوضع الدولي وتراكماته، كما تدرس مكامن القوة والضعف داخل البناء الاسرائيلي ذاته، رؤية متدرجة تراكم وتقود من مرحلة إلى أخرى، تعيد بناء التاريخ، وتعيد العرب المشردين منه إليه.
إن الخروج من التاريخ؛ كما وقع في بلاد العرب مئات السنين، وكثيرة في القرن العشرين؛ هو أخطر وأقسى من التطهير العرقي من الجغرافيا، لأن الأول يفرط بحقوقه وحريته ومستقبله، أما الجغرافيا فهي قابلة وممكنة للعودة إليها، طالما أنها مرهونة بالصمود والكفاح وموازين القوى ونتائج الصراع وتراكماته.
ولا بديل عن حق العودة، الحق التاريخي الذي يُحظى بإجماع دولي، حق العودة ومجمل القرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية، وفي مقدمها القرار 194 ورفض جميع المشاريع التي تنتقص منه، وتلتف عليه أو تحاول التنازل عنه، أو المساومة عليه، وهو القرار الذي يُحظى بإجماع شعبي فلسطيني، قلّ نظيره على صعيد قضايا الشعوب، والذي قدم شعبنا في سبيله عذابات المخيمات، وأغلى التضحيات في مواجهة البطش العنصري، وفي سبيل صون هويته الوطنية، وحماية حقوقه الوطنية في الحرية والاستقلال وعودة اللاجئين الى ديارهم وممتلكاتهم.