الرئيسية » مقالات » ( بغداديات ) محاصصة مخاصصة

( بغداديات ) محاصصة مخاصصة

كتب عمرو بن العاص جواباً لمعاوية ردَاً على استفساره عن النسبة العددية لمعارضي حكمه في مصر .

وجاء في كتاب عمرو بن العاص ما مفاده :

انهم ( ولاة مصر) قد اخصوا كل المعارضين للحكم الاموي بقيادة معاوية بن ابي سفيان و اراحوا البلاد و العباد من شرهم و من نسلهم و ذرياتهم مستقبلاً.

تعجًب معاوية من كتاب عمرو بن العاص , اذ لم يطلب منه سوى احصاء المعارضين لحكمه و ليس اخصائهم.

و بعد بحث و تمحيص تبين ان كاتب معاوية عندما كتب كتابه لعمرو بن العاص طالباً منه الاحصاء سقطت سهواً من قلمه قطرة صغيرة من الحبر فوق الحاء فاصبحت خاءًً و نتيجة لتشكل حرف الخاء كان فحوى الطلب الاخصاء و ليس الاحصاء.

وألآن عزيزي القارئ الكريم:

تأتي المحاصصة نتيجة لتبيان الاحصاء , و تعني المحاصصة التقسيم للحصص بأن يأخذ كل فريق حصته التي تحق له فيما اذا كانت هذه المحاصصة خاضعة للعدالة و للوضع الطبيعي السليم بحيث لا ينتج عنها الغاء لحصص و حقوق الآخرين والا صارت مخاصصة ليس الا.

و بما ان محاصصتنا التي نحن عليها ليست عراقية صرفة, وليست بعيدة عن المؤثرات الخارجية و تدخل دول الجوار و دول القرار .

فانها حتماً ستنتج مخاصصة ( اي اخصاء الآخرين ) كما فعلها عمرو بن العاص استجابة لنقطة معاوية المغلوطة بدون تريث او وازع من ضمير.

عزيزي القارئ الكريم :

لا نحتاج الى كل ذلك الجهد و العناء لأكتشاف حقيقة المحاصصة المخاصصة الكبرى لدول الجوار و القرار ليس بالشان العراقي فحسب , بل بثروات و خيرات العراق , فهي واضحة و جلية من خلال ما كتبناه بالامس القريب حول ابتلاع الاردن و تنعمه بالنفط العراقي المحروم منه شعبنا المظلوم .

و اليوم يصرح نائب رئيس الجمهورية السيد عادل عبد المهدي في القاهرة بان العراق الذي يمتلك فائض بالميزانية قدره اكثر من سبعين مليار دولار يرحب بالاستثمارات الاجنبية , ويحث المصريين على الاستثمار بالعراق لبناء مساكن للمواطنين العراقيين , هذه المساكن التي حتماً ستسقط على رؤوس ساكنيها نظراً لآن الاخوة المصريين ضربوا ارقاماً قياسية في الابنية التي تسقط على رؤوس ساكنيها حتى وصلت حقيقتها الى الافلام و المسرحيات المصرية, وكأنما هذا ما كان ينقصه شعبنا العراقي اليوم ( حتى تكمل السبحة).

بعد ذلك صرح الاخ فوزي الحريري , وهو الوزير المرافق لعادل عبد المهدي , صرح بان العراق بحاجة الى مليون عامل مصري لبناء العراق .

و التصريحان , سواء ما صرح به عادل عبد المهدي او فوزي الحريري مفعوليهما اخصائي و ليس احصائي و يتصور من يستمع او يقرأ هذين التصريحين ان العراق خال من البطالة و ان الايدي العاملة العراقية شحيحة,وان اصحاب رؤوس الاموال العراقية منهمكون باستثماراتهم و لا مجال لديهم لاستثمارات اخرى مما يستدعي جلب مستثمرين من خارج القطر .

و لا ادري هل اقتطع الوفد الاقتصادي العراقي هذا , هل اقتطع من وقته لتفقد حال الرعايا العراقيين المقيمين في القاهرة هرباً من الاوضاع المزرية بالعراق أم لا وجود لمتًسع من الوقت لدى الوفد الموقر بسبب تزاحم الواجب ؟ ( فيما اذا كان تفقد حال الرعية واجب ؟ ) تزاحم هذا الواجب بواجب اكبر منه هو المحاباة و المجاملة لمن جعل من خيرات شعبنا بقرة حلوب تدر اثدائها لبن لا ينضب للآخرين بالوقت الذي يحرم شعبنا من درها المعطاء.

عزيزي القارئ الكريم :

اوجه كلامي للسيدين عبد المهدي و الحريري قائلاً لهما :

ياسيد عبد المهدي : المعروف عنك انك قبل ان تصبح شيوعياً ( من جماعة الكفاح المسلح ) ثم انقلبت الى اسلامي مجلسي , قبل ذلك كله كنت بعثياً , وفي صبيحة الرابع عشر من رمضان المصادف يوم الجمعة الثامن من شباط من سنة 1963 حملت الرشاش ( الغدارة ) من ماركة بورسعيد المصرية الصنع و وقفت مع رفاق سلاحك البعثيين في قاطع الكرادة الشرقية للانقضاض على اول جمهورية بالعراق و زعيمها عبد الكريم قاسم.

فاسألك بالله أن تأخذ العبرة من قتيلكم المغدور الزعيم عبد الكريم قاسم:

لقد كان بامكان عبد الكريم ان يوكل مهمة بناء مساكن مدينة الفقراء , مدينه الثورة ( الصدر حالياً ) الى مقاول واحد ( كبالة ) دفعة واحدة او الى بضع مقاولين .

و لكنه آثر ان تبنى هذه المدينة بيد ابنائها الفقراء , فاعطى سند تمليك قطعة الارض الى المستضعف اضافة لاعطائه ( دبل طابوق ) ستة الاف طابوقة لكل قطعة ارض و عشرة اطنان من الاسمنت و فوق ذلك كله مائة دينار نقداً لكل صاحب قطعة ارض و جعله يتصرف كيفما يشاء في بنائه لمسكنه .

و لما سؤل الزعيم عن السبب قال : اولاً ان هذه المدينة ( و يقصد مدينة الثورة – الصدر ) التي سيسكنها الفقراء هي مؤقتة و لمدة لا تزيد على العشرة سنوات ريثما يتم بناء مدن لهم ارقى و احسن و ارفه منها .

و ثانياً تشجيع الايادي العاملة , فسيعمل لبناءها بنائون و حدادون و نجارون و زجاجون و صباغون ….الخ .

ثالثاً: جراء هذه النهضة العمرانية و العمالية ستسري السيولة النقدية بايدي العمال و المهنيين فترفه عوائل و تنتعش الحالة الاقتصادية للبلد و للمواطنين.

اما نصيحتي لك يا سيد الوزير فوزي الحريري : اذا اردت ان تحصل على المليون عامل فستجدهم في مدينتي الصدر و الشعلة , ففي هاتين المدينتين المستضعفتين يوجد ما يزيد على المليون عاطل عن العمل كلهم يتمنون ان يحصلوا على قوتهم اليومي بشرف و بالحلال , وبذلك ستكون ( مركتنا على زياكنا ) كما يقول المثل الشعبي العراقي , والاقربون اولى بالمعروف كما تنص عليه الشرائع الدينية و المثل الاخلاقية .

و انا هنا لا مصلحة لي في قطع ارزاق الاخوة العمال المصريين , فيشهد الله كم اتمنى ان يشبع عمال العراق و يستكفوا عن الحاجة من حلالهم و بعد ذلك فاهلاً و سهلاً بالعمالة العربية و الاسلامية و كل المستضعفين , و بالاخص منهم العمال المصريين الذين تعودنا عليهم و تعودوا علينا ازمنةً و احقاباً.

فلقد جاب العمال المصريين كل دول الخليج فلم يجدوا غير المذلة و المهانة الا في العراق حيث شعروا انهم بين اهلهم و ذويهم فاهلاً و سهلاً بهم , و لكن بعد ان يشبع العراقيون و يكتفوا , فالمثل الشعبي يقول : الحجارة التي يحتاجها بيتك تحرم على الجامع .

و دمتم لأخيكم : بهلول الكظماوي .

امستردام في 21-5-2008