الرئيسية » مقالات » (الهدية المرتقبة)..!

(الهدية المرتقبة)..!

لا يفصلنا إلا شهران ونيف عن المفاجأة الكبرى، التي وُعِدنا بها طيلة خمس سنوات ونيف؛ حلم الأطفال بما سيتحفهم به الوالد في صباح العيد من كل عام؛ ورغم الإلحاح يظل الأطفال يترقبون بشوق ومتعة لما سيفاجئهم به الوالد الحنون من هدية يوم العيد، ورغم تساؤلهم المتواصل، يظل الوالد الحنون ملتزماً الصمت، ويعلن دائماً بأن الهدية ستكون مفاجئة العيد، وإلا فالبوح بها مبكراً سيفقدها روعة المفاجئة، ويصمت الجميع وهم بالإنتظار..!

وهكذا هو حالنا، نحن أطفال اليوم، ولا مؤاخذة، نتلهف وبحرقة تكاد تفقدنا أعصابنا، على معرفة ما ستمن به علينا والدتنا العزيزة، “الحكومة الموقرة” و”الأصدقاء المبجلون” من ضيوف دارنا الفسيحة، وما ستغرقنا به من هدايا “العيد” القادم بعد شهرين في (تموز) وقبل الحادي والثلاثين منه على وجه التحديد، ولا ندري لماذا هذا التحديد بالذات؛ فما يحمله هذا اليوم من معان، له دلالات كبيرة لدى العراقيين، لا زالوا يعانون من تبعاتها المأساوية حتى اليوم، وليس الماضي القريب ببعيد..!

فالوالدة العزيزة في أشد حالات الإنشغال، وهي لم تترك لحظة لعبثنا الطفولي لمعرفة الهدايا، أن تشغلها عن أداء الواجب المطلوب لحسن الضيافة بالتمام والكمال، فهدايانا ستكون هي الأخرى في طي الكتمان، لأنها في الحقيقة من الوزن الثقيل، وما علينا إلا أن نتمسك بالصبر ولا نحشر أنوفنا، ونحن الأطفال الذين لا نفقه في السياسة، ولا ندرك أصول الضيافة، خاصة إذا كان ضيوف البيت من الأصدقاء المتفضلين، وممن لهم الحق في أن نعترف لهم ب”العرفان”، بما تفضلوا به علينا من “كرم العطاء والحماية وضمان الإستقرار”..!

إذن؛ فالوالدة مشغولة غاية الإنشغال، ومفاجأة العيد القادم في “31/تموز” ، ستكون “هدية” مشتركة من “الوالدة والضيوف المبجلين”، تكريماً منهم لهدوئنا ومساهمة في زيادة و(تفعيل) فرحتنا بهدايا “العيد العظيم”، وإعتزازاً بنا لكوننا “أطفال مثاليون”، أو كما يقول الناس العامة عندنا (أطفال متأدبين)؛ وفوق ذلك ستكون “الهدية المرتقبة” لهذا “العيد” متميزة عن هدايانا في الأعياد الأخرى ، في الشكل والمحتوى، وربما قد تُحفز لدينا الغيرة، ونحن “الأطفال أَلمْشَوِّهِين”* كما إعتادت والدتنا الحنونة وصفنا أحياناً، فتغرينا “الهدية” ونندفع لطلب المزيد، والعياذ بالله..!

ومع كل هذه الإغراءات من قبل الوالدة، فإن لعابَنا يكاد يسيل كل صباح ونحن نشاهد هذا الإنسجام المتناهي في الروعة والشفافية بين والدتنا وضيوفنا المبجلين، فنعود نلح بالسؤال: آه.. لو فقط تقول لنا والدتنا العزيزة ما تخفيه من أسرار “الهدية”، بعد أن علمنا بأنها ستكون مشتركة ومن نوعية “نادرة” لم نألفها من قبل، ولكن “عناد” والدتنا، والعياذ بالله، “عناد” غير مسبوق، فهي أحياناً تُرينا “العين الحمرة” إن تمادينا في الإلحاح على طلب معرفة كل شيء، فهذا قد يغيظ الضيوف، لا سامح الله، وما علينا إلا أن نلزم الصمت حتى يحين الميعاد، وبه ستكون فرحتنا، فرحة لا تُوصف، وقد تُخْلقُ لنا أجنحةُُ ُ فنطير، فماذا نريد أكثر من هذا، فالصبر الصبر أيها الأولاد المتعجلون، قريباً وقريباً جداً، ستنفتح باب السماءُ عليكم بخيراتها من كل شكل ولون فما لكم جَزِعون..؟!

آه.. لو تَصْدُقْ والدتُنا القول، ولكنها علَمتنا في الطفولة؛ بأن نبي الله موسى عليه السلام ، رغم إيمانه المطلق بالله، كان نبياً مِلحاحاً في السؤال، وحينما سأله الله إن كان لم يؤمن بعد، أجابه موسى: بلى ولكن ليطمئن قلبي..!

ولكننا يا والدتنا العزيزة لسنا بأنبياء، وإن كُنا لمْ نَبلغْ الرُشدَ بعد، ولا نفرقُ بين ما يضرنا أو ينفعنا، فنحن رغم ذلك، أصحاب الدار، يا والدتنا العزيزة، وعليك أن تقولي لنا ما يجري بينك وبين الضيوف، فنحن لا نحب التلصلصَ، ولا نَرغبُ سماعَ القيلِ والقال، ويكفي أن نخبرك، بأنه سمعنا الكثير من قبل جيراننا الأعزاء هذه الأيام، وربما أخذهم دافع الحسد، بسبب ما نملكه من حضوة كبيرة لدي “الضيوف الأعزاء”، وإستئثارنا وحدنا “بهداياهم”، وها قد أزفت الساعة والعيد على الأبواب.. فأفصحي سامحك الله ، فقد تقطعت نياط القلوب، فهل ثمة من جواب..؟؟!
_________________________________
*- المشوه : الشخص الذي لم تشبع رغباته