الرئيسية » مقالات » ألمكان ألأكثر بؤساً في ألعالم …

ألمكان ألأكثر بؤساً في ألعالم …

يعتقد ألبعض منّا أنَّ أفريقيا تعيش إستمرارية في حدوث ألمجاعات وألنزاعات ألقبليّة وألأزمات ألسيّاسية وألأقتتال ألداخلي وغيرها وهذا نوعاً من أنواع ألبؤس ، وآخرون يعتقدون أن أمريكا أللاتينية هي ألأخرى تعيشُ بؤساً من نوع آخر وهو ألفقر وألفساد ألإداري في حكوماتها ووقوع ألشعوب هناك تحت رحمة تجّار ألتهريب وألمخدّرات وغيرها ، بينما يرى قسماً آخر أنَّ جنوب شرق آسيا هو موطن ألبؤس بسبب ألأعاصير وألفيضانات ألتي تقتل سنوياً مئات ألآلاف من سكانهِ كما حدث لأندنوسيا في إعصار تسونامي ويحدث أليوم لميانمار التي خسرت ما يقارب ألمئة ألف في فيضان هذه ألسنة وكذلك ألصين ألتي دمر أحد ألزلازل مدينة سيشوان لها ..!!!

وألكثير من ألآراء ألتي تختلف في تسمية ألمكان ألأكثر بؤساً في ألعالم بسبب إختلاف طبيعة ألكوارث ألتي تلحق بالبشر هنا وهناك ، وألحقيقة أنَّ جميعها لم يقترب من ألواقع في تسميتهِ بسبب ألعجز عن سماع ألأخبار ألقادمة من ألدول ألتي تشهدُ حروباً كالعراق وأفغانستان ، أو ربما ألملل منها بسبب ديمومتها وعدم ألقدرة على فعل شئ حيالها ، فألولايات ألمتحدة تخوض حروباً مستمرة منذ زمنٍ بعيد ومتابعة أخبار حروبها يجعل ألمرء يعيش حياةً مليئة بألقهر ، ودون متابعة ألتفاصيل ألتي تشكل ألصعوبات وألمتاعب ألتي تعيشها معظم شعوب ألأرض لا يمكن تحديد مكان ألبؤس ألحقيقي …

ولو أراد أحدنا تدوين ما يحصل في ألعراق ألديمقراطي ألفدرالي ألإتحادي فإنهُ سيقف أمام جبل ملئ بألتفاصيل يتجاوز في قسوتهِ كل مفردات ألتعبير عن ألحقيقة وعمّا يدور على أرض ألواقع !! فالبؤس في هذا ألبلد لم يَعُد مصطلحاً لغوياً يشير إليهِ ألمرء كلّما واجهتهُ مصيبة بل تحوّل إلى مرآة تلازم ألواقع أليومي للمواطن وتمتد إلى أجيال قادمة ربما!!

وإذا بدأنا بالبؤس ألذي يحيط بحياة أطفال ألعراق فإنهُ يتوجّب علينا أن نأخذ نَفَساً عميقاً قبل ألبدء …! فهذهِ ألطفولة عاشت مع ألبؤس أياماً سوداء أثناء حصار ألعراق وتنوع شكل هذا ألبؤس من جوع إلى سوء ألتغذية ومروراً بألأوبئة وألأمراض وإنتهاءاً بالفقر ألمدقع وألحرمان من أبسط مستلزمات ألحلم عند ألطفل ، لقد قتل ذلك ألحصار ما يقارب ألنصف مليون طفل وأدى فقدان ألأدوية وألعلاجات إلى إعاقة مئات ألآلاف منهم ولم تنتهي صداقة ألبؤس مع ألطفولة في ألعراق عند ذلك ألحدّ بل إمتدت لما بعد إنتهاء ألحصار وبداية ألعصر ألجديد ألذي جاء بالحرية إلى ألعراق ، ألحرية بكل ماتعنيه من زاوية ألبؤس أي …حرية ألسرقة ..وحرية ألقتل .. وحرية هدم ألمعابد ..وحرية تهجير ألناس من دورهم ..وحرية زراعة ألعبوات ..وحرية تفجير ألمناطق ألسكنية و ألكثير من ألتعريفات ألمتعلقة بالحرية ألتي جلبت للعراق هذا ألبؤس!! فوصل ألحال بألطفولة في ألعراق إلى أن يكون بين صفوفها أكثر من ثلاثة ملايين من ألأيتام نتيجة ألحرب وألقتل ، أن يكون بين صفوفها مئات ألآلاف من ألمعوّقين وألمصدومين جرّاء ألأحداث أن تعيش فوضى هائلة من تعريف مواضيع ألحياة !! فحياتهِ ألمدرسيّة تبدأ في ألدرس ألأول بمعلّم بعثي يترحّم على صدام ونظام حكمِهِ .. وفي ألدرس ألثاني يأتيهِ معلّما شيوعياً حاقداً على صدام وحكمهِ ..وفي ألدرس ألثالث يفاجئ بمعلم متديّن يكره ألأثنين معاً .. وفي ألدرس ألرابع يأتيهِ معلم قومي لا يحب غير نفسهِ ..وفي ألدرس ألأخير يندمج مع حرارة مُعلم ألتاريخ ألذي يشرح لهُ بأعلى صوته بطولات أجدادهِ في طرد ألعثمانيين وألأنكليز ألذين إستعمروا بلادهِ ويخرجَ من مدرستهِ مُثقّلاً بتناقضات لا يعلم كيف يجاريها فقد أخذتهُ حماسة مُعلم ألتاريخ …عند بوّابة ألمدرسة يفاجئ بدبابات وهامرات ألأنكليز وألأمريكان تعتليها جنود موجّهة بنادقها نحوه فيبتسم ألطفل لهم من خوفهِ إبتسامة يائسة يكمن في ثناياها جبلاً من ألخوف وخلف هذا ألجبل تزدحم مجموعة من ألتناقضات ينبغي فهمها إذا ما أردنا أن نعلم كيف سيكون عليهِ مستقبل هذا ألطفل …

بؤس ألطفولة يمتد إلى حياتهِ ألأُسرية فقسماً كبيراً منهم يعيش ألفقر بسبب ألحرب وصعوبة ذهاب والدهِ لموقع عملهِ ، يمتد إلى حياتهِ أليومية وصداقاتهِ ألتي زرعت ألخوف وألشك من أللعب مع أقرانهِ من أبناء ألديانات ألأخرى بسبب ألفتنة ألطائفية ، يمتد حتى إلى منعهِ من أللعب مع ألأطفال من ألإناث بسبب ألطروحات ألمتخلّفة ألتي إنتشرت في ألبلاد بفصل ألجنسين عن بعضهِما !! هذا ألبؤس يمتد إلى رؤيتهِ لوالدهِ يُقتل أمام أنظارهِ بسبب ألفتنة ..أو يشاهد والدهُ مصاباً جرّاء إنفجار ومُلقى على ألأرض في ألمستشفى دون سرير أو حتى علاج ، يمتد بؤسهُ إلى رؤية والدتهِ تموت في طريقها إلى ألمستشفى لتنجبَ لهُ أخاً أو أختاً لانّها لا تتمكن من ألوصول إلى هذهِ ألمستشفى أو تلك بسبب إغلاق ألطرق !!!

هذا ألبؤس يلاحقهُ أينما حلَّ وترحّلَ ..يلازمهُ في مقاعد دراستهِ بسبب ألعنف ألذي يستخدمهُ ألأساتذة ضدّهُ ، يلازمهُ عندما يترك مقاعد ألدراسة ويتجة للعمل لمساعدة أسرتهِ ، يلازمهُ عندما يتم تهجيرهِ من مكان سكنهِ وحرمانهِ من أللعب مع أصدقائهِ فهو لا يستطيع أن يُبقي أحلامهُ مؤجّلة ، يلازمهُ عندما يقع ضحية ألحرب وألقتال …

أما موضوع ألبؤس مع ألمرأة في ألعراق فأنّهُ يتفوّق كثيراً على تفاصيلهِ ألأخرى في مجرى ألحياة ألعامة ، فقد تحوّلت حياتها إلى تراجيديا متعدّدة ألمراحل لكنها في ألعصر ألحديث تعيشها بواقعية ربما لم يكن من ألسهل عليها في ألسابق إستيعابهُ كما هو ألآن !! فبعد حرب ألترَّمُل ألتي إستغرقت ثماني سنوات عادت من جديد تعيش حياة إسمها ألموت ألمستمر فهي قد تفقد زوجها في أيّةِ لحظة وكذلك إبنها وشقيقها وربما حياتها لمجرّد ألشّك في سلوكها ألإجتماعي وتتحمّل معاناة ربما تتفوّق فيها على نظيراتها في ألعالم من حيث ثقلها ولا تلاقي تفهّماً من أحد يُمكّنها من تجاوز محنتها ..

ربما لا تعرف أيضاً ألسبب ألذي يقف خلف بؤسها هذا فهي لا تفهم في ألسيّاسة كثيراً لكنها تعيش واقعها كضحيّة غير قادرة على ألتأثير في مجرى ألأحداث ، فهي خاضعة بحكم ألشرائع ولا تُعامَل بإحترام ،فهي لا يحّقُ لها أن تتعلّم …لا يحّقُ لها أن تعمل … لا يحّقُ لها أن تمارس هوايتها ..ولا يحقُ لها أشياء كثيرة أخرى ..إلاّ نسبة ضئيلة لا يمكن إعتبارها نسبة مؤثرة تعمل وتتعلم وتعبر عن نفسها لكنها تواجَهْ بريّبة في ألمجتمع …

وعندما تتجمع تفاصيل ألبؤس في بلد فأنّهُ يحيط بألجميع حتى برجالهِ ، ففي حالة ألبؤس تتراجع قِيَم معنوية كثيرة إلى ألخلف أو تفقد تأثيرها ولمعانها في ألفكر كألسعادة وألمحبّة وألحريّة وألأمان وغيرها …

وإذا كانت ألمرأة في أفغانستان قد تصدرّت عناوين ألأنباء في مرحلة حكم طالبان من ألبؤس ألذي لحقَ بها إلاّ أنها تراجعت أمام نظيرتها ألعراقية في هذا أليوم ففي ألعراق بإمكان ألمرء أن يتخيّل ما يشاء من أساليب مورِست بحق ألمرأة بعد سيطرت ألقوى ألطائفية وألدينية على ألحكم وحوّلت ألعراق إلى مملكة تعيش في ألقرون ألوسطى تنتظر فتاوي هذا ألمعمّم وذلك ألشيخ وتحوّل ألمجتمع بأسرهِ إلى مركبة يُسيّرها هؤلاء تحت غطاء ألدين وإرادة ألإله !!!

لا يمكن لدولة دينية أن تُحقّق ألحرية وألرفاهية لشعبها فقد عاشت أوربا تجربة من هذا ألنوع أدّت بمجتمعها إلى ألغليان وألعنف وقتل مئات الألوف من ألنساء وألرجال لكنها تجاوزتها بعزل رجال ألدين عن ألتدخّل في ألسيّاسة وألقوانين وألحياة ألمدنية لشعوبها وجعلت ألإنسان هدفها ألأول في ألعمل لخير ألمجتمع وحصدت ثمرة هذهِ ألخطوة في فترة قصيرة وغدت دساتير دولها فيصلاً في تسيير ألحياة وألمجتمع …

حتى ألحلاقين وبائعي ألإسطوانات ألغنائية وأصحاب مقاهي ألأنترنت لم يسلموا من إرهاب ألقوى ألدينية في ألمجتمع ألتي تنمو بفضل ألأوبئة ألمنتشرة في ألعراق فكلّما عاد ألعراق إلى ألخلف شعرَ هؤلاء بوجودهم لأنهم لا يمتلكوا شيئاً يقدّموه لحاضر ألمجتمع ومستقبلهِ ..

عندما تتحرّك إرادة ألشعب ألعراقي بإتجاه تخليص ألمجتمع من سطوة هؤلاء فأنّها ستسير بإتجاة ألحضارة وألمدنيّة بشكل صحيح ويلحقوا بركب ألأمم ألمتحررة ألقادرة على تقرير مستقبلها ، وعندما تتحرك إرادة ألشعب بإتجاه ألمطالبة بدستور علماني يفصل ألدين عن ألدولة فإن هذهِ ألإرادة ستوجّه ضربةً لمن يريد ألعبث بوحدة هذا ألشعب وتقدمهِ !! حينها لن تكون هناك قوّةً على ألأرض تتمكن من تغيير واقع هذهِ ألإرادة فتجارب الشعوب تعلمنا ذلك ويحدث أمام أنظارنا في فنزويلا وألإكوادور وقبل أيام في ألبارغواي وألنيبال فإرادة شعوب هذهِ ألدول وضعت حدّاً للعبث بمقدراتها ومجتمعاتها على يد ألمتديّنين وتوابع صندوق ألنقد ألدولي …

ألا يحّق لنا أن نُسمّي بلادنا بألمكان ألأكثر بؤساً في ألعالم ؟؟؟

ما ألذي تبقى من تعريف لمعنى ألبؤس لم يعشهُ ألعراقي أينما كان في بقاع ألأرض فهو في ألداخل كئيب ..وعاطل عن ألعمل بسبب ألحرب …ومُهدّد في هويتهِ وإنتماءهِ .. ومُهَجّر من منزلهِ … ويدفع ثمن تناقضات سيّاسيهِ ..ومحروم من ألأمان ..وممنوع من ألسفر حتى لإقرب ألمُدن في وطنهِ ..

وفي ألخارج فهو مُشرد …مسجون في ألكثير من ألدول …وغير مرّحبْ بهِ في معظم بلدان ألعرب …ومصدر قلق لمعظم بلدان ألعالم رغم أنّهُ ضحية مكسورة …

ألا يعني هذا ألبؤس أنَّ هناك شيئاً ما عاطل في حياة ألمجتمع ؟؟

لا يوجد خلل ما في أي موضوع حياتي دون أن يكون لهُ مُسبّب !! وهذا ألمُسبِّب في حياة مجتمعنا هو غياب ألإرادة وألإستسلام للخضوع فهو نقطة فاصلة في حياة أيّ شعب !! ولو قُدِّرَ لهذهِ ألإرادة بألتحرك ووقف مهزلة ألفتاوي وألمنابر ألدينية ووقف مثقفي ألأديان من ألأستمرار في ألهذيان لتمكن مجتمعنا من ألنهوض من غيبوبتهِ ألتي ستستمر كلّما علا صوتاً يطالب بسيطرة ألدين على ألمجتمع في بلد متعدد ألأديان وسندخل في دوّامة أبدية لا يمكن ألخلاص منها دون وضع حد لهذهِ ألسيطرة …

وضع حدّ لهذا ألبؤس يبدأ من هذهِ ألنقطة بالتحديد ألتمتع بألإرادة وممارستها لإرساء حياة مدنية سليمة خالية من ألوقوع تحت رحمة ألغير

لا سيما عندما يكون البلد واقعاً تحت ألإحتلال …