الرئيسية » مقالات » صفحات من ذاكرة شيوعي قديم/1

صفحات من ذاكرة شيوعي قديم/1

لا يخفى ما للمحيط وعلاقات الصداقة من أثر في تحديد مسارات الإنسان وتوجهاته، والكثيرون مروا بمنعطفات حادة في حياتهم غيرت الكثير من اتجاهاتها خلافا للحسابات المتوقعة والآمال التي رسموها لما يكونون عليه في القادم من الأيام.

والرفيق الذي سأتناول منعرجات في حياته قريب مني تربطني به علاقة الأخوة والروح الرفاقية،لذلك سأكون هذه المرة أقل إسرافا في كيل النعوت والصفات حتى لا اتهم بالتحيز أو الخروج عن الموضوعية،وهو ما أشك فيه رغم عزمي على أن أكون محايدا فيما أكتب وعلى مسافة واحدة من الجميع.أنه شقيقي (جواد كاظم باقي) أبو حسنين،أحد الذين كان لهم دور في مسيرة الحزب الشيوعي الظافرة،وله صحائف لا زالت بيضاء،رغم تقدمه في السن وأصابته بالعديد من الأمراض التي أقعدته عن مواصلة المسيرة،التي لا زال في طليعتها من حيث الأيمان والعمل ضمن إمكاناته المحدودة في الدعوة لإشاعة الفكر الشيوعي الخلاق.

ولد في ناحية القاسم عام 1941 أن لم يكن قبل هذا التاريخ،رغم أن الأسرة تؤكد أنه ولد في (دكة سن الذبان) أي ثورة رشيد عالي الكيلاني،والأعمار في العراق تتحكم فيه الدعوة للتجنيد الإلزامي لذلك تعمد الكثير من العوائل للتقليل من أعمار أبنائها خوفا من الدعوة للخدمة الإلزامية،وكانت عائلته متوسطة الحال تحترف التجارة وتمتلك أراضي خارج المدينة تؤجر سنويا لأحد المتعهدين،وكانت للأسرة سابقتها في الدراسة الدينية،ومارسوها لستة قرون كما تشير لذلك كتب التاريخ التي تناولت الأسر العلمية،وكان جده لأبيه من رجال الدين المعتمدين من قبل المرجعية في المدينة،ولكن العوز والفاقة التي عليها رجال الدين آنذاك بسبب هيمنة كبارهم على الأموال دفعت والده لترك الدراسة الدينية بعد أن شدا شيئا من العلوم،وأنصرف للعمل التجاري لضمان العيش الكريم،فكان يتفيأ ظلال الأسرة المعروفة في الأوساط الدينية،وتوسم فيه والده النباهة والذكاء فأدخله المدرسة،وكان متميزا بين أقرانه وفي المقدمة منهم،إضافة لما يمتلك من جرأة أدبية،ويحفظ الكثير من الشعر الشعبي والأهازيج،فكان رغم صغر سنه يهزج بالشعر في المناسبات التي تحييها المدينة،فترفعه الأيدي لينشد ما يحفظ من أهازيج،كان للشيخ قاسم محيي الدين وكيل المرجعية آنذاك دور في تعليمه إياها،فتوقعوا له مستقبلا باهرا لما يمتلك من كفايات ومؤهلات،وتشاء الأقدار أن يصاب بالتي فوئيد خلال أيام الامتحان،وما يصاحب ذلك المرض من حمى وهلوسة وخمول،إلا أن إصراره على أداء الامتحان رغم عدم مقدرته على القراءة والمتابعة وحتى الكتابة أيضا،وفعلا شارك في الامتحان وكان من الناجحين في الدور الأول مما أهله للقبول في الدراسة المتوسطة.

ولعدم وجود مدرسة متوسطة في القاسم أرسلته الأسرة للدراسة في مركز الحلة ،وكان يعيش مع أقاربه هناك ومنهم طلاب في مدرسته واكبر منه سنا،فتأثر بمحيطهم وأفكارهم فكانت بداية تعرفه على الفكر الشيوعي،وعلاقته بالطلبة فانتمى لإتحاد الطلبة العام الذي كان من أنشط الاتحادات الطلابية في تلك الفترة،وكان أصدقائه ممن يكبرونه في السن يزودونه بالأدبيات الشيوعية،فوجدت هذه الأفكار هوى في نفسه،وانغمر في العمل الطلابي مما اثر على مستواه الدراسي،ودفع والده لإرغامه على ترك الدراسة والعودة إلى المدينة،خشية من ارتباطاته تلك،ولكنه ظل على تلك العلاقات حتى ثورة 14 تموز 1958،عندما بسط الحزب نفوذه على المنظمات الجماهيرية،فكان من الناشطين في اتحاد الطلبة العام،وتمكن الاتحاديون من فتح مدرسة متوسطة وإعدادية في المدينة، ،لوجود مئات الطلبة الدارسين في مدارس خارج مركز المدينة،وكان هذا العمل باكورة أعمال اتحاد الطلبة مما منحه شعبية واسعة في الأوساط الطلابية وجعله يتصدر النضال الوطني تلك الأيام،وأنفرد بقيادة طلبة المدينة لعدم وجود أطراف أخرى قادرة على منافسته في الشارع،ولم يكن في القاسم تلك الفترة غير أسرة واحدة لها اتجاهاتها البعثية،فيما كان لأعداء الثورة من رجعيين وأقطاعين تواجدهم غير المؤثر لانعزالهم وفقدانهم الشعبية لما يحملون من فكر مريض،وتصرفات مرفوضة بين الجماهير ،واتخاذهم الربا والتسلط التجاري الاستحواذي طريقا للكسب غير المشروع،لذلك كانوا منبوذين من الجماهير التي وجدت في الشيوعيين المعبر الحقيقي عن طموحاتهم،والمدافع الذي لا يلين في النضال من أجلهم.

في ظل هذه الفورة الكبيرة والنهوض الجماهيري الواسع وطغيان التوجه الشعبي للانضمام للحزب،ولعدم كفاية الرفاق الشيوعيين لإدارة العمل التنظيمي والمهني في المدينة،صدر قرار حزبي بمنح كافة المرشحين شرف العضوية للاستفادة منهم في العمل الجماهيري والتنظيمي،فكان من الذين اكتسبوا العضوية في أيام الثورة الأولى،فأنصرف للعمل الحزبي مما أثر بشكل كبير على دراسته للمهمات الكبيرة التي كان على الشيوعيين الوفاء بها،بعد توسع التنظيم،وازدياد الوعي الشعبي بالعمل في المنظمات الجماهيرية،فكان أن تفرغ للعمل في الصفوف الطلابية،وأصبح من المساهمين في قيادة الإتحاد إضافة للواجبات الأخرى في التثقيف الحزبي في الريف،وكان للطلبة والمعلمين دورهم الكبير في إشاعة الفكر الشيوعي في الأوساط الريفية وزج الفلاحين في العمل الجماهيري،وكانت له مشاركاته في النشاطات الكثيرة التي كان يقودها الحزب في المناسبات الوطنية والقومية.

ولجأ الحزب في تلك الفترة لتهيئة الكوادر المثقفة الواعية القادرة على العمل التنظيمي ونشر الوعي في صفوف الطبقات الشعبية التي هي محور نضال الحزب،لذلك شارك الطلبة والمثقفين في دورات مكثفة لزيادة معلوماتهم النظرية والعملية ،إضافة لما كان عليه الشباب تلك الأيام من اهتمام بالمعرفة وطلب الثقافة والقراءة المستديمة،ولذكائه المعروف فقد أستلهم الأفاق النظرية للماركسية،عن طريق تلك الدورات التي كانت تيسر مثل هذه المعارف بما تتبعه من طرق سهلة في التعليم بإيراد الشواهد الماثلة والقريبة من ذهن المتلقي،لذلك كان الوعاء النظري خير معين لترسيخ المبادئ في النفوس وتمكن الحزب من تهيئة كوادر وسطية قادرة على العمل ومؤمنة حد التعصب لفكرها الشيوعي،وكان لهذه التربية الحزبية الرصينة أثرها في تعميق الوعي وأشاعته ورسوخ المبادئ ،وأستطيع أن أؤكد أن ما بناه الحزب تلك الأيام من قواعد لا زالت على التمسك بمبادئها،لن يستطيع الحزب القيام به هذه الأيام رغم ما تهيئ له من ظروف وإمكانيات،وعناصر على مستوى متقدم في التحصيل الدراسي والأدلة على ذلك قوية،فالكوادر الحزبية المعروفة والتي لا زالت تتمتع بالكثير من الكفاآت النظرية،لم يكونوا بمستويات دراسية متقدمة،وأن أكثرهم لم يتجاوز تعليمه دار المعلمين أو الإعدادية،فيما هناك كوادر لم يحصلوا على الشهادة الابتدائية وأصبحوا فيما بعد على مستوى عال من المعرفة لا يتوفر عليه حملة الدكتوراه من شيوعيي هذه الأيام،ولا زالوا على إيمانهم السابق لم تغيرهم الأيام أو الأحداث،وذلك بفضل الثقافة النظرية والخبرة العملية التي سعى لها الحزب،مما يمكننا القول أن الشيوعيين القدماء هم مثل(الليرة الذهبية) التي كلما زاد عمرها أرتفع ثمنها،وأين ل(شبه) هذه الأيام أن يرقى إلى الذهب أبو(24) حباية.

وعندما رأت الرجعية المحلية ذات الارتباطات المشبوهة،التوسع الكبير في شعبية الحزب الشيوعي وسيطرته المطلقة على الشارع العراقي أخذت تحوك الدسائس والمؤامرات ،فتحركت تلك القوى للالتفاف على الثورة وتحريف مسارها بما توفر لها من دعم خارجي وإمكانات داخلية وخبرة على التآمر والتخريب،وللوضعية القلقة التي عليها زعيم البلاد،وتذبذبه في المواقف لطبيعته البرجوازية ،كانت الردة الشوهاء،وانحسار المد الكبير ،وانشغال الحزب بإعادة ترميم كيانه بعد الضربات التي وجهت له من خلال استعداء السلطة للرجعيين والموتورين للانتقام من الشيوعيين والحد من نفوذهم في الشارع الراقي،فطالت الاعتقالات الشباب الناشط والكوادر العاملة في الساحة العراقية،وأخذت القوى الأمنية الموروثة من النظام السابق والمرتبطة بوجوه الرجعية وذيولها،تمارس دورها الحقير في التضييق على الشيوعيين وخصوصا بعد أحداث الموصل وما جرى في كركوك من تحركات مشبوهة لشركات النفط بإثارة الخلافات الشعبية،وما جرى من عمليات مدانة لأقطاب الرجعية المحلية وأسيادهم الغربيين والناصريين والبعثيين،ورمي الأخطاء على كاهل الشيوعيين الذين يعلم الجميع براءتهم مما نسب إليهم من أعمال ،والموقف غير الحازم لقيادة الحزب في مواجهة الردة لظروف ذاتية وموضوعية،ووجود أطراف في القيادة تسعى للتآمر لتحقيق مكاسب ذاتية،وأخطاء لا يسلم منها حزب جماهيري كانت جماهيريته أكبر من أن يستطيع تحريكها كما يريد،فاستغلت تلك الأخطاء والظروف لضرب الشيوعيين،وأخذت الرجعية بالتحرك لاستعادة مواقعها في الجيش والإدارة،ولم يكن هناك محافظ أو قائم مقام أو مدير ناحية أو مسئول كبير من الشيوعيين،لانشغالهم بالعمل الجماهيري الهادف للبناء لا المكاسب الذاتية الضيقة،فكانت الأمور مواتية لأن تفعل الرجعية فعلها وتنجز مخططها،في ظل صمت قاتل من القيادة،على أمل الإصلاح وعودة الأمور لمجاريها،ولكن الرجعية التي لا يسحق رأسها لا ينفع قطع أنيابها ،فما أسرع ما خرجت الأنياب والمخالب لتأخذ دورها في الشر والفساد،فكانت الاعتقالات الكثيرة التي طالت الشيوعيين لأسباب باطلة ووشايات كيدية،فقد كان الشيوعيين في حفل زفاف لأحد الأصدقاء ،وعند الذهاب لجلب العروس من الحلة كان الشيوعيين على رأس (الزفة) ،وصدف أن وزعت منشورات يومها في الحلة،وشاهد أحد أبناء المدينة(الحاج حاليا )عبد حمزة الشطب كل من(جواد وحسن حمزة ومحمد علي باقر) يتجولون في الحلة،وكان ذلك الشخص من المحسوبين على عملاء السلطة ووكلاء الأمن فأخبر الجهات الأمنية أن هؤلاء الثلاثة قاموا بتوزيع المنشورات،وأن حسن مسئول المعلمين،وجواد مسئول الطلبة،ومحمد علي مسئول العمال،فما أسرع ما القي القبض عليهم وزجوا في السجن،و(جيب ليل وأخذ عتابة) فكان التعذيب البشع والمعاملة اللا إنسانية وظلوا في التوقيف لثلاثة أيام متوالية وهم يتحملون التعذيب ببسالة دون أن يفشوا سرا أو يذيعوا أمرا،وبعد تحركات لعم السيد حسن حمزة ،ولعلاقته القوية بمسئول الحزب الوطني الديمقراطي في الحلة أطلق سراحهم بكفالة على أنهم من أتباع الوطني الديمقراطي الذي كان له موقعه تلك الفترة ،وكانت هذه البداية لاعتقالات أخرى سنشير إليها في الحلقات التالية.