الرئيسية » مقالات » المعارك والثورات في فلسطين

المعارك والثورات في فلسطين

بعيداً عن العالم القديم لم تكن هناك حضارة تذكر، والحضارة لها وجهان بالطبع، وجه جميل تمثل فيما تخلفه من إبداعات ووجه قبيح يتمثل في الحروب التي تشن لسبب أو آخر كالدفاع عن حدود أو اكتساب أراض جديدة أو حتى نشر فكرة أو معتقد.
وكلما كانت المنطقة معنية أكثر بالحضارة كلما ازداد عدد الحروب فيها، لازدياد الطامعين في أراضيها وثرواتها.

فلسطين لم تكن استثناء، فعلي مر التاريخ واجهت العديد من المعارك والحروب مع دول مختلفة وحضارات مختلفة وديانات مختلفة، هذه المواجهة فرضها الموقع الذي تتمتع به فلسطين من حيث كونها طريق مرور سواء من الشمال إلى الجنوب أو من الغرب إلى الشرق وبالعكس، مما أدى إلى وقوع عدد كبير من المعارك على أرضها، معارك كان لفلسطين أحياناً دخل فيها، وأحياناً أخرى كانت مجرد أرض تجري فوقها المعركة.

سنحاول في هذا الملف استعراض أهم المعارك والثورات التي حدثت على أرض فلسطين.

حرب الاستنزاف المصرية الإسرائيلية:

منذ انتهاء حرب 1967، وحتى بداية حرب الاستنزاف المصرية الإسرائيلية، قامت إسرائيل بسعي محموم لتثبيت مواقعها المحتلة وإحباط المشاريع العربية لإعادة إنشاء القوات المسلحة وتطويرها فكانت تقوم باعتداءات متوالية مثل معركة راس العش يوم 1/7/1967 في محاولة لاحتلال مدنية بورفؤاد المصرية، ومحاولة تدمير المنشآت الدفاعية المصرية على الضفة الغربية للقناة، دخول المدمرة الإسرائيلية إيلات إلى المياه الإقليمية المصرية وإغراقها بصواريخ مصرية، تبادل للقصف المدفعي على جبهة الإسماعيلية، قيام إسرائيل ببناء خط بارليف الدفاع على طول الضفة الشرقية للقناة.

تابعت إسرائيل اعتداءاتها فيما تعززت القوات المصرية بوصول الأسلحة السوفيتية، مما حد بالقيادة السياسية المصرية لاتخاذ قرار بتطبيق استراتيجية عسكرية جديدة هي حرب الاستنزاف التي بدأت فعلياً يوم 8/3/1969. وأعلن الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر ببدء مرحلة جديدة من الصراع هي مرحلة الاستنزاف. وقد حدد لهذه الحرب مجموعة أهداف:

1. تدمير تحصينات خط بارليف.

2. جعل الحياة مستحيلة على الإسرائيليين شرقي القناة.

3. زرع الروح الهجومية لدى الجندي المصري.

4. تعويد القوات المصرية على عبور القناة والعمل خلف الخطوط.

استمرت الحرب لمدة 17 شهراً وقد استشهد قائد قوات الأركان عبد المنعم رياض في ثاني يوم من حرب الاستنزاف في مدينة الإسماعيلية بعد أن سقطت مجموعة قذائف قرب مقره فتولي أحمد إسماعيل علي رئاسة هيئة الأركان مكانه.

شعرت إسرائيل أن العمليات المصرية وخصوصاً ما تنفذه وحدات المغاوير قد بدأت بالتأثير على معنويات جنودها وسكانها فقامت بعملية يوم 20 تموز دمرت خلالها موقع رادار وعادت إلى قاعدتها بعد أن فقدت 6 قتلي. وابتداء من يوم 20/7/1969 اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً بالموافقة على إشراك سلاح الطيران في المعركة، فقامت بسلسلة غارات استمرت 10 أيام.

رغم ذلك عجزت إسرائيل عن وقف عمليات الاستنزاف المصرية، فعمدت إلى إشراك سلاح الطيران بشكل مباشر، فقام بغارات عديدة استهدفت مواقع بطاريات الصواريخ المصرية المضادة للطائرات وقصفت الطائرات الإسرائيلية كذلك مصنعاً للحديد والصلب في 12/2/1970 مما أدى إلى استشهاد 70 عاملاً في أبو زعبل، وبعدها بأيام أسقطت إسرائيل قنبلة على مدرسة بحر البقر الابتدائية مسببة ضحايا كثيرة من الأطفال.

بعد ذلك بدأت المعدات السوفيتية الأكثر تطوراً بالوصول إلى مصر، فأصبحت الطائرات الإسرائيلية تسقط تباعاً بعد أن نجحت مصر في إقامة شبكة مضادة للطائرات تغطي العمق المصري، وفي شهر تموز 1970 شهد الطيران الإسرائيلي كارثة حقيقة بفقدانه 25 طائرة.

في 8/8/1970 قبلت مصر وإسرائيل التوقف عن إطلاق النار وهكذا انتهت حرب الاستنزاف.

معركة الأقحوانة:

كثر الطامعون في إخراج الفاطمين من بلاد الشام، ومن بينهم بنو مرداس، وكان مؤسس دولتهم هو صالح بن مرداس الكلابي، الذي انتزاع حلب من منصور بن لؤلؤ عام 1023م، وكان بنو الجراح يطمعون في حكم فلسطين، وكان لسنان بن عليان مطمعاً في إقامة ملك في بلاد الشام.

كان من الطبيعي أن يقوم حلف بين صالح بن مرداس وحسان بن الجراح وسنان بن عليان علي أن يتعاونوا على طرد الفاطميين وافتسام البلاد، المرداسيون في الشمال وبنو الجراح لهم من الرملة حتى حدود مصر، ودمشق ومحيطها لسنان وجماعته.

لم يكن الخليفة الظاهر غافلاً عما يحدث، فأرسل جيشاً ضخماً مجهزاً (1030م) بقيادة أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري فانتصر الدزبري وقتل صالح بن مرداس وهرب حسان بن الجراح إلى البيزنطيين واسترد الفاطميون سوريا بهذا النصر.

جرت الموقعة عند الأقحوانة وهي مكان على طريق الأردن- سوريا- فلسطين جنوب مدينة طبريا على نهر الأردن.

معارك باب الواد:

باب الواد عبارة عن ممر يربط السهل الساحلي بجبال القدس، وتتشعب منه طرق كثيرة مثل القدس والرملة وبيت جبرين وعرطوف وغزة ورام الله. وتطل عليه قرى مثل عمواس واللطرون وتل الجزر وأبو شوشة وبيت نوبا ويالو.

ولأنه مفتاح القدس، فإن له أهمية عسكرية عظيمة، ودارت فوقه معارك عظيمة عبر القرون، فعنده قام صلاح الدين بصد هجوم ريكاردوس قلب الأسد، (12م)، وفي موقعه وقف المقدسيون في وجه إبراهيم باشا سنة 1834م، ودارت فوقه معارك دامية في الحرب العالمية الأولى بين الأتراك والإنجليز (1917).

عمل العرب على قطع الطريق على الصهاينة الذين أرادوا احتلال باب الواد بعد قرار التقسيم، فتجمع المقاتلون من القرى المجاورة لباب الواد، وكانوا في البداية 300 مقاتل على رأسهم الشيخ هارون بن جازي أحد شيوخ قبيلة الحويطات شرقي الأردن، وقد انضموا على لواي قوات جيش الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني.

قامت القوات العربية بتخريب الطريق وإتلاف أنابيب المياه التي توصل الماء للأحياء اليهودية، ثم أخذوا يتصدون للقوافل اليهودية المحروسة التي تمر كل أسبوع بباب الواد.

فقد هاجموا القافلة يوم 1/3/1948 وقتلوا 4 من رجالها، وفجروا الألغام تحت السيارات الصهيونية يومي 12،13/3، وقتلوا 5 من ركابها، وفي 19/3 قتلوا 15 رجلاً بعد أن هاجموا القافلة، مع اشتداد وطأة الهجمات استنجد يهود القدس بسلطان الانتداب التي وضعتن في عرطوف قوة بريطانية من 200 جندي لحماية القوافل الصهيونية.

حاولت القوات الصهيونية ليلة 31/3، احتلال التلال المشرفة على باب الواد، لكن العرب اشتبكوا مع القافلة قرب مستعمرة خلدة مما خلف قتلي كثيرين في الجانبين، ولكن الأهم أن العرب استطاعوا دحر الصهاينة وإعادتهم إلى خلدة وغنموا بعض السيارات.

في 16 نيسان هاجم العرب بقيادة أحمد زونا والشيخ هارون بن جازي قافلة من 250 سيارة عسكرية عند دير أيوب، استمرت المعركة حتى الساعة الرابعة عصرا وانتهت بتدمير 60 سيارة والاستيلاء على 15 سيارة أخرى وكمية من الأسلحة.

يوم 10 أيار حدثت معركة كبيرة أيضاً يوم 13 أيار بمقتل 300 صهيوني، وتمسك العرب بالموقع حتى تسلم الجيش الأردني الموقع في 15/5/1948.

معركة بيت سوريك

تقع بيت سوريك شمال غرب القدس، وتشرف على الطريق بين السهل الساحلي والقدس. وقام عبد القادر الحسيني ببث العيون لجمع المعلومات عن الأنشطة العسكرية للصهاينة، فكان من ضمن الأبناء التي تلقاها أن الصهاينة سيرسلون إلى القدس قافلة من السيارات تحمل التموين يوم 19/1/1948، وأفادت المعلومات أن القافلة سيحرسها الصهاينة والبريطانيون.

عقد عبد القادر الحسيني اجتماعاً مع قادة قطاعات قرى ساريس والقسطل وقالونيا وصوبا، وكان في الاجتماع كامل عريقات وإبراهيم أبودية، وتم في هذا الاجتماع وضع خطة لتدمير القافلة والقوات التي تتولي حراستها على أن يقود الهجوم بنفسه.

تغيرت الخطة لأن القافلة غيرت مسارها إلى بيت سوريك فانتقل المقاتلون العرب إلى تلك القرية، وعند الظهر وصلت القافلة إلى الكمين الجديد، فانقض عليها المهاجمون العرب من كل الجهات، وقاموا بتفجير الألغام تحت العربات، فأخذ الصهاينة يتركون العربات ويفرون باتجاه مستعمرة الخمس، فانتهت المعركة بتدمير القافلة وقتل عدد كبير من الصهاينة والإنجليز وفرار الأحياء منهم.

أصدر الحسيني أمراً لقواته بعدها بالتراجع، وقد كانت خسائر الجانب العربي في هذه المعركة سبعة شهداء لكنهم غنموا كمية كبيرة من الذخيرة والبنادق والرشاشات.

معركة بئر السبع

تشكلت في بئر السبع حامية من الشرطة والهجانة قوامها 60 رجلاً بعد إعلان بريطانيا عن نيتها في الانسحاب من فلسطين، وأضيف إلى هذه الحامية عدد من المتطوعين من أبناء البدو، وتولي قيادتهم عبد الله أبو ستة.

لجأ الصهاينة بمجرد انسحاب بريطانيا من منطقة بئر السبع في 14/5/1948 إلى بسط سيطرتهم على الطرق الهامة من الناحية العسكرية، فيما قام العرب بدعم الحامية بعدد من المتطوعين المصريين والليبيين، وفي 18/5 دخلت كتيبة مشاة مصرية بقيادة أحمد عبد العزيز إلى قطاع بئر السبع، وما لبثت القيادة المصرية أن سحبت معظم هذه الوحدة بسبب أن الوضع العام يتطلب ذلك حسب قولها. وبذلك أصبح الدفاع عن المدينة ضعيفاً.

في 18/10/1948 شن الجيش الإسرائيلي هجومه على بئر السبع، فطلب قائد الحامية النجدة من الحكومة المصرية فلم تنجده، في الوقت الذي امتلك فيه الجيش الإسرائيلي يملك الطائرات ويهاجم المدينة بخمسة آلاف مقاتل مزودين بالمدافع والمصفحات والرشاشات الثقيلة.

بدأت المعركة بقصف جوي بدأ يوم 18/10 إلى يوم 21/10، نجم عنه تدمير عشرة منازل وقتل 7 أشخاص عدا عن الذعر الذي خلفه في المدينة.

يوم 20/10/1948، فهدت المدفعية للهجوم البري من الشمال والشمال الغربي لتدخلها يوم 21/10/1948 وتقضي على ما تبقي من مقاومة داخلها لتسيطر عليها تماماً.

معركة بيسان

ضمن إطار خطة “دال” التي تقضي باحتلال أكبر عدد من المدن والقرى العربية قبل الانسحاب بريطانيا، قامت الهاغاناة بشن هجوم على بيسان فجر 1/5/1948.

تسلل 300 مقاتل من الهاغاناة إلى تل الحصن واحتلوه ومن هذا الموقع بدأوا بقصف بيسان تمهيداً للهجوم عليها.

بدأ الهجوم على بيسان فجر 12/5/1948، ولم يكن في حانية بيسان غير 175 رجلاً أردنيون وفلسطينيين، ومع تمكنهم من صد الهجوم الأول كثف الصهاينة من الهجوم الثاني فدخلوا البلدة وقاموا بجمع أسلحة المناضلين.

ابلغ قائد الهجوم السكان بأن بإمكانهم البقاء في منازلهم على ألا يبدوا أي مقاومة، فبقي سكانها جمعياً، وبعد شهر طلب من الجميع مغادرة البلدة فنزح بعض السكان عنها، أما من أصر على البقاء فقد وضعته السلطات الصهيونية في عربات بقوة السلاح إلى الحدود السورية.

ثورة 1920:

حين قامت الحرب العالمية الأولى، أسهم العرب في هذه الحرب إلى جانب قوات الحلفاء الذين قدموا للعرب وعوداً باستقلال بلادهم الواقعة تحت الحكم العثماني.

بمجرد أن بدت بشائر النصر للحلفاء نكثوا بوعودهم وقاموا بتقسيم هذه الدول فيما بينهم، وأعطي وعد بلفور ووقعت اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا لاقتسام هذه الدول، وفتح باب الهجرة لليهود إلى أرض فلسطين، مما جعل العرب هنا يدركون خطورة الأمر، فحدث أول تحرك شعبي واسع للتعبير عن الإحباط وخيبة الأمل وعرف هذا التحرك الشعبي تاريخياً باسم “ثورة 1920”.

كان هناك أكثر من سبب لهذا السخط الشعبي، منها تشكيل اللجنة الصهيونية برئاسة حاييم وايزمن للمساعدة في تطبيق وعد بلفور (1918)، فأخذت هذه اللجنة تدلي بكثير من التصريحات الاستفزازية مما كشف الأطماع الصهيونية في فلسطين، وكان من ضمن الأسباب أيضاً محاباة البريطانيين للصهاينة على حساب العرب، وذلك في كافة المجالات مثل جعل العبرية لغة رسمية في فلسطين.

كان هناك أسباب اجتماعية أيضاً لهذه الثورة، من ضمنها وضع الفلاحين الفلسطينيين تحت وطأة الضرائب، “كان على الفلاح أن يدفع 6 جنيهات في السنة من دخلة الذي يبلغ 26 جنيهاً” وفي نفس الوقت وقع الفلاح فرسية للمرابين لرفض الحكومة البريطانية إنشاء مصرف زراعي لإقراض الفلاحين العرب، وكذلك تقلد البريطانيون والصهاينة الوظائف الكبرى في البلاد، وتركوا الوظائف الدنيا للعرب، وعارضن العرب كذلك سياسة التعليم البريطانية.

ومن الأسباب الأخرى منع السلطات البريطانية عقد المؤتمر الفلسطيني، ونمو الحركة الثورية في مصر والسودان وسوريا ولبنان والعراق والمغرب.

بعد وقوع عدد من المظاهرات في جميع أنحاء فلسطين أصدرت سلطات الانتداب أمراً في 11/3/1920 يقضى بمنع المظاهرات بمختلف أشكالها.

في 4/4/1920 وقع صدام بعد أن منعت الشرطة أهل الخليل من دخول القدس لاحتفال بموسم النبي موسى، وكان أهل القدس وأهل نابلس قد خرجوا لاستقبالهم، وشارك المسيحيون في الاستقبال حسب العادة المتبعة، فاقتحم أبناء الخليل باب الخليل في القدس بالقوة وعلى شرفة النادي العربي بدأ الخطباء بإلقاء الكلمات الحماسية ومنهم موسى كاظم الحسيني وخليل بيدس وعارف العارف والحاج أمين الحسيني مما أثار الشعور القومي.

تسلل صهيوني أسمه “كريمربن مندل” وحاول خطف العلم وتمزيقه، فانقض الناس عليه وقتلوه، ثم صهيوني آخر مع عدد من الجنود لخطف العلم لكن رجلاً من الحشد قتلة بسيفه.

بعد ذلك اجتمع الشبان اليهود والجنود الإنجليز وهاجموا العرب المحتفلين بالموسم فنشبت معركة حامية سقط فيها 9 قتلي و 122 جريحاً من الطرفين، وهذه المعركة فجرت الصراع الذي استمر حتى يوم 8/4/1920 حيث حاصرت القوات البريطانية القدس، وقد ذكر بلاغ بريطاني أن حصيلة هذه الأيام كانت مقتل 4 من العرب و9 من اليهود و 2500 جريحاً من الطرفين.

ورغم إعلان الأحكام العرفية وحظر التجول إلا أن المقاومة استمرت حتى 10/4 أصدرت سلطات الانتداب أحكاماً بالسجن ضد 23 شخصاً من بينهم عارف العارف وأمين الحسيني الذين تمكنا من الفرار إلى شرقي الأردن. كما أقالت موسى كاظم الحسيني من رئاسة بلدية القدس وعينت راغب النشاشيبي مكانه.

بعد ذلك تم تكليف لجنة (بالين) بالتحقيق الذي كانت نيتجته “أن الهجوم كان كله ضد اليهود” لكن اللجنة أقرت بأن “المواطنين يشعرون بالظلم”.

واتصف ثورة 1920 بما يلي:

1. كانت أول تجربة للمقاومة ضد الاستعمار والصهيونية التي اتخذت شكلاً جماهيرياً.

2. مثلت انتقال الوعي إلى المقاومة.

3. القوى التي قامت بالثورة لم تكن منظمة.

لهذه الأسباب وصفت مرة بأنها ثورة ومرة بأنها انتفاضة.

ثورة 1929:

ثورة البراق

بسبب من ضعف القيادة الفلسطينية وترددها، كان العمل بين عامي 1922-1929 على الصعيد الوطني راكداً ماعدا بعض المظاهرات الجماهيرية.

يضاف إلى ذلك شراسة الاستعمار البريطاني وبطشه وتشكيل الوحدات الصهيونية الإرهابية مما أدى إلى عدم وجود تكافؤ في القوى.

مع بداية عام 1929 ازداد الوضع سوءاً خصوصاً بعد سلسلة من الكوارث الطبيعية كالجراد والزلزال والوباء (1927)، وكذلك بداية الأزمة الاقتصادية العالمية (1929-1932). في هذا الوقت سنت حكومة الانتداب مجموعة من القرارات سهلت من تدفق اليهود إلى فلسطين مما اقترن بانتزاع رقعة أوسع من الأراضي من يد الفلاحين الفلسطينيين، وأضيف إلى ذلك احتكار المؤسسة الصهيونية للصناعة.

وسط هذه الأجواء نظم الصهاينة في 14/8/1929 في تل أبيب مظاهرة ضخمة بمناسبة ذكرى “تدمير هيكل سليمان”، في اليوم التالي تلتها مظاهرة في القدس وصلت إلى حائط البراق ورفعوا العلم الصهيوني وأخذوا يرددون “هاتكفا” وهو النشيد القومي الصهيوني، ومن ثم أخذوا يطالبون باستعادة حائط البراق (المبكي) بزعم أنه الجدار الباقي من الهيكل.

يوم الجمعة 16/8 كانت ذكرى المولد النبوي الشريف، فتوجه أهالي القدس والقرى المحيطة إلى المسجد الأقصى للاحتفال كعادتهم كل سنة، وقد شكلوا مظاهرة ضخمة بعد صلاة الظهر اتجهت إلى حائط البراق حيث حطموا طاولة وضعها اليهود على الرصيف جوار الحائط وقاموا بإحراق أوراق فيها بعض نصوص الصلاة اليهودية الموضوعية في ثقوب حائط المبكي.

في اليوم التالي حدث اشتباك أدى إلى جرح 11 شخصاً من الجانبين ووفاة أحد الصهاينة فقامت القوات البريطانية باعتقال عدد كبير من العرب وبعض اليهود.

جاءت الأخبار بنية اليهود شن هجوم على حائط البراق واحتلاله، فتدفق أهالي القرى إلى القدس بأعداد ضخمة يوم 23/8/1929، وهم مسلحون بالعصي والهراوات، وخرج المصلون من الأقصى ليجدوا تجمعاً صهيونياً فاشتبك الطرفان، مما كان سبباً لدخول الدبابات البريطانية إلى القدس عصر ذلك اليوم،.

وصلت أبناء القدس إلى الخليل ونابلس، فانطلقت الجماهير في مظاهرات عنيفة، وهاجم أهل الخليل الحي اليهودي فقتل أكثر من 60 يهودياً وجرح أكثر من 50 آخرين.

في الوقت الذي حاول فيه أهل نابلس انتزاع الأسلحة من أحد مراكز الشرطة وقامت مواجهات عنيفة كذلك في يافا وبيسان والحي القديم في حيفا التي قتل فيها إمام أحد المساجد وستة من العرب نتيجة إطلاق النار عليهم من قبل الشرطة البريطانية.

يوم 26/8 هاجم اليهود مسجد عكاشة وخربوه.

شاع الخبر في صفد أن اليهود اعتدوا على الحرم الشريف وهدموه وأحرقوه، فهرع الناس مساء 29/8/1929 إلى حارة اليهود وخلعوا أبواب المحلات التجارية وأشعلوا فيها النار. حدث أن ألقى مجهولون قنبلة قتلت 4 من اليهود و3 من خيول الشرطة فجاءت يوم 30/8 القوات البريطانية من المناطق المجاورة وأطلقت النار على كل عربي وجدته في حارة اليهود مما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى.

القي القبص على حوالي 400 عربي وتم نقل بعضهم إلى سجن عكا، وأعدم في تلك القضية يوم 17/6/1930 الشهداء الثلاثة فؤاد حجازي في صفد، ومحمد جمجموم وعطا الزير من الخليل.

بعدها شكل عدد من شباب صفد جماعة تحصنت في الجبال لمقاومة الإنجليز والصهاينة، وكان بعدها شكل عدد من شباب صفد جماعة تحصنت في الجبال لمقاومة الإنجليز والصهاينة، وكان من نتائج المعركة التي جرت في صفد أن اليهود أخذوا يخلون المدينة تدريجياً.

في النهاية كانت حصيلة هذه الثورة وقوع 133 قتيلاً من اليهود وجرح 239 منهم، فيما قدم العرب 116 شهيداً و 232 جريحاً وقدم إلى المحاكمة ما يزيد عن ألف شخص أكثر من 900 منهم من العرب، وصدر الحكم بالإعدام على 25 شخص منهم يهودي واحد.

ثورة 1935:

مع ازدياد الوعي السياسي في بداية الثلاثينات بدأت الدعوة إلى أتباع نوع آخر من النضال يختلف عن التمود السلبي، إذ أخذت الدعوات تزداد إلى الكفاح المسلح، وقد شكل أحد أبناء شمال سورية وهو الشيخ عز الدين القسام جماعات سرية مدربة، وبذا يكون القسام هو رائد الكفاح المسلح في الحركة الوطنية الفلسطينية.

أحيط تشكيل هذه المنظمة السرية بإطار كثيف من الكتمان، ولذا فإنه من الصعب تقديم المعلومات وفيرة عن هذه المنظمة.

ولد عز الدين القسام في قرية جبلة السورية بجوار اللاذقية عام 1871م، تلقى العلم على يد الإمام محمد عبده في الأزهر، ثم عاد إلى سوريا مدرساً، حكم عليه الديوان العرفي في اللاذقية بالاعدام لاشتراكه في مقاومة الفرنسيين فاضطر للجوء إلى حيفا عام 1922 في شهر شباط، وتولى التدريس في جامع النصر بالمدينة، كما عمل مدرساً في المدرسة الإسلامية بحيفا، وعينة المجلس الإسلامي الأعلى خطيباً لجامع الاستقلال ومأذوناً شرعياً، مما وفر له صيغة للاتصال بالجماهير. أصبح رئيساً لجمعية الشبان المسلمين، وأنشأ بعد عدة سنوات عصبة سرية لها شرطان: أن يقتني العضو السلاح على حسابه الخاص، وأن يتبرع للعصبة بما يستطيع .

بمرور الزمن أخذت نواة الحركة الثورية تتوسع فشكل القسام من أفراد المنظمة حلقات صغيرة كل منها رقيب وخمسة أفراد، ولم تكن أي حلقة تعرف شيئاً عن الحلقات الأخرى، وشكل أيضاً مجموعات أخرى للتدريب ولجباية الأموال والاتصال السياسي والشعبي وشراء السلاح وأخرى للتجسس، واستطاع القسام أن يوجد تشكيلات سرية مسلحة في مناطق خارج حيفا أيضاً.

تحت ضغط مجموعة من العوامل من ضمنها تدفق الهجرة اليهودية وتسلح الصهاينة من قبل بريطانيا واستفحال خطر تسرب الأراضي، بدأ القسام عمله العسكري، الذي تمثل بادئ الأمر في الضربات الخاطفة ومن ثم تطور الأمر إلى العمل العسكري ضد المستعمرات الصهيونية والدوريات البريطانية مما أشاع الذعر في الأوساط الصهيونية والإنجليزية لعدم معرفتهم أصحاب هذه الأعمال.

وما لبث القسام وجماعته أن قرروا القيام بالثورة علناً، لرفع معنويات الجماهير وإبراز أهداف الثورة وإحباط الدعاية المضادة، فعقد اجتماع في بيت محمود سالم المخزومي في 12/11/1935، وعلى إثره توجه الثوار إلى الجبال وأحراج يعبد وتسلل عدد كبير منهم على حيفا لمساندة الهجوم من هناك، علم الإنجليز بوجود القساميين في أحراج يعبد فأرسلوا قوات كبيرة وحاصروا الأحراج وحدثت عدة صدامات بين طلائع الرصد القسامية وطلائع القوات البريطانية قتل خلالها جندي بريطاني وبعض رجال الشرطة، فأمر المسؤولون البريطانيون بمهاجمة الأحراج.

استمرت المناوشات حوالي خمسة أيام ثم اكتشف الإنجليز أن القسام نفسه موجود في المنطقة وكانوا قبل ذلك يظنون أنه في حيفا، فشنوا هجوماً مركزاً صده القساميون، ويوم 20/11/1935 وقعت المعركة الكبرى، واستمرت 4 ساعات قتل فيها عدد كبير من رجال القوات البريطانية واستشهد ثلاثة من قواد القسام وجرح عدد آخر.

استؤنف القتال بعد ظهر ذلك اليوم، فاستشهد الشيخ عز الدين القسام واستطاع من تبقى اختراق الحاصر ووصلوا إلى الشمال الفلسطيني وهم يحملون جثة قائدهم الشهيد إلى حيفا، وقد وقع عدد صغير من المجاهدين أسرى في يد الإنجليز فنقلوهم على سجن نابلس.

نعي الشيخ وأصحابه من مآذن المساجد وعلى رأسها المسجد الأقصى، وصلى الناس عليهم في كل مكان صلاة الغائب، وسار كوكب الجنازة محللاً بالأعلام السورية والمصرية والعراقية واليمنية والسعودية، ودفن القسام في مقبرة الياجور قرب بلد الشيخ التي تبعد عن حيفا 7 كم.

وعكس ما توقع الإنجليز لم يكن استشهاد القسام غير منعطف في تاريخ الحركة الوطنية وقد أسست ومهدت للحركة الثورية التي ستسود فلسطين بعد عدة أشهر من استشهاد الشيخ ورفاقه.







ثورة 1936-1939

إذا استثنينا ثورة الجزائر، فإن ثورة 1936-1939 تعتبر أطول وأكبر ثورة قام بها أي شعب عربي ضد أعدائه.

لقد ولدت الثورة في نيسان 1936، حينما أعلن الإضراب العام، واتخذ شكلاً مسلحاً وعنيفاً في مطلع أيار 1936، وقد كان متفقاً عليه أن يبقى الإضراب مستمرا وتؤجل الثورة المسلحة، لكن التطور السريع للظروف جعلت أنه لا مفر من إعلان الثورة.

فرغم اشتداد الإضراب رفضت الحكومة البريطانية المطالب العربية بوقف الهجرة اليهودية ثم تحدث الإرادة العربية علناً بإصدار شهادة هجرة جديدة قدمتها للوكالة اليهودية.

وبعد سلسلة من الاجتماعات السرية قرر المسؤولون الفلسطينيون إعلان الثورة، تبعه إعلان الجهاد المقدس في مطلع أيار 1936، وأذاع جيش الجهاد المقدس بياناً ضمنه أهداف الثورة التي هي نفسها التي اشتمل عليها الميثاق الوطني الفلسطيني.

خرج الحسيني فور صدور البيان مع فصائل جيش الجهاد إلى الجبال في القدس وشرعوا في مهاجمة ثكنات الجيش والشرطة والمستعمرات ويقطعون طرق المواصلات، وق اقتصرت الأعمال في الأيام الأولى على لواء القدس وحده بقيادة عبد القادر الحسيني.

اتسع نطاق الثورة بعد الانتصارات المتفرقة التي حققها المجاهدون، حتى عمت جميع أرجاء فلسطين بعد شهر من بدايتها.

تدفق المتطوعون من الأردن وسوريا ولبنان، ودخل فوزي القاوقجي وقواته إلى فلسطين، مما زاد الحماسة لدى الفلسطينيين فأخذوا يتبرعون بالمال والسلاح والرجال، وفي الشهر الثالث للثورة تحولت إلى معارك مكشوفة مع قوات الاحتلال البريطاني والصهاينة.

بعد أن تبين للإنجليز أن المسألة تعدت الفورة الأنية، أخذوا يرتكبون المذابح وأعمال الإرهاب ضد العرب إضافة إلى تدمير البيوت واعتقال المئات، فيما تطور أداء المجاهدين إلى مهاجمة المدن الكبيرة في محاولة لاحتلالها، واغتيال موظفين كبار في سلطة الانتداب والجواسيس وباعة الأراضي والسماسرة، كما وقعت صدامات دامية بين النساء الفلسطينيات والجيش البريطاني، مما اضطر بريطانيا إلى إعلان حالة الحرب في فلسطين ووضعت قوانين الطوارئ موضع التنفيذ .

وعندما شعرت بريطانيا بأن الأمر أصبح خارج السيطرة رغم تدابيرها الوحشية، لجأت إلى أسلوب آخر، فقد أعلنت أنها ستوفد لجنة ملكية للتحقيق في قضية فلسطين، كما حاولت توسيط بعض الزعماء العرب لإيقاف الثورة، لكن هذا أيضاً لم يجد نفعاً.

أقالت الحكومة البريطانية القائد العام للقوات البريطانية في فلسطين وعينت مكانه الجنرال قوات عسكرية ضخمة بحراً وبراً وجواً من قبرص وقناة السويس والحبانية في العراق، حتى بلغ عدد القوات البريطانية في آب 1936 أكثر من 70 ألف جندي. هذا عدا عن 40 ألف شرطي، كما وضع الصهاينة قواتهم كذلك في خدمة الجيش البريطاني.

رغم ذلك صمد العرب بل وحققوا مزيدا من الانتصارات، فسحبت بريطانيا الجنرال ديل وولت مكانه الجنرال ويقل فمني بالفشل نفسه، فاستبدل بالجنرال رتشي ولكن دون جدوى فاستبدلته بالجنرال ماكميلان لكن الثورة ظلت مشتعلة.



وبعد توسط عد من الزعماء العرب تحت وعود بريطانيا بإنصاف عرب فلسطين، توقف الإضراب والثورة في 13/10/1936 بعد أن استمر 176 يوماً.

صدر النداء الذي توقف على أثره الاضراب والثورة عن عاهل السعودية عبد العزيز آل سعود، والملك غازي عاهل العراق والإمام يحيى والأمير عبد الله في 8-9/10/1936.

عادت الحياة إلى طبيعتها في فلسطين وعاد القاوقجي والمتطوعون العرب إلى بلادهم، وعاد المجاهدون إلى قراهم بعد أن قاموا بإخفاء الأسلحة.

واتخذ قرار بلجوء كبار قادة الثورة إلى سورية ولبنان والعراق، وكان منهم عبد القادر الحسيني وحسن سلامة وحنا خلف وعبد الحليم الجيلاني وعبد الرحيم الحاج محمد وغيرهم.

في نهاية كانون الثاني 1937، أنهت لجنة بيل الملكية أعمالها وعكفت على إعداد تقريرها في لندن، وأفادت الأنباء بأن اللجنة ستوصي بتقسيم فلسطين فأذاعت اللجنة العربية العليا بياناً رفضت فيه التقسيم فعمت المظاهرات البلاد من جديد.

نشر تقرير اللجنة في 7/7/1937 وأوصي بإنشاء دولة لليهود على أقسام من فلسطين وجعل القدس وحيفا تحت الانتداب، وأعلنت الحكومة البريطانية تبنيها للتقسيم واستعدادها لتنفيذه.

أذاعت اللجنة العربية العليا بياناً برفض التقسيم، فاشتد حنق بريطانيا على المفتي أمين الحسيني فقررت اعتقاله وإبعاده إلى جزيرة موريشيوس في المحيط الهندي، لكنه أفلت من الاعتقال ولجأ إلى المسجد الأقصى، وبعدها تطورت الأوضاع بشكل سريع، فاشتدت المقاومة الشعبية للتقسيم واتسعت الهجمات العربية على ثكنات الجيش والمستوطنات. ولكن بريطانيا عنيت لويس أندروز حاكماً للواء الخليل وأطلقت يده للعمل على مشروع التقسيم وهو من غلاة الاستعماريين، فاغتاله المجاهدون في الناصرة يوم 26/9/1937 مع مرافقة، مما دعا بريطانيا لتصعيد عدوانها فأعلنت مجدداً حالة الطوارئ، وأذاعت الحكومة البريطانية بياناً يتهم اللجنة والمفتى بأنهما وراء الأحداث في فلسطين واعتبرت أن اللجنة العربية العليا واللجان القومية الأخرى غير مشروعة. وعزلت المفتي من رئاسة المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى وعينت لإدارة المجلس لجنة ثلاثية برئاسة البريطاني كيركبرايد.

اعتقلت الحكومة البريطانية 819 شخصاً من رجال الدين والأطباء والتجار والمحامين والصحفيين، ومعظم أعضاء اللجان القومية، ونفت بعض الزعماء الوطنيين إلى جزر سيشل، واستطاع بقية أعضاء اللجنة العربية العليا اللجوء سراً إلى لبنان.

رغم كل تلك التدابير، اشتدت المقاومة، واستطاع المفتي الهرب إلى لبنان وهناك ورغم الرقابة التي فرضها الفرنسيون عليه إلا أنه أصدر بياناً أعلن فيه تمسكه بالحقوق المشروعة ورفضه قرار التقسيم، فاعتبر الفلسطينيون هذا البيان دعوة لمواصلة الثورة.

في هذه المرحلة أصبحت بيروت هي المركز الرئيس للقيادة الوطنية الفلسطينية نتيجة وجود الحاج أمين والكثير من قيادات الثورة هناك، واختيرت دمشق كمصدر للتموين.

لم تدخل قوات شعبية إلى فلسطين في هذه المرحلة من الثورة، بل اعتمدت على الفلسطينيين بقيادة عبد القادر الحسيني رغم دخول بعض المتطوعين من الأردن والعراق وسوريا ولبنان.

كانت المعارك أشد عنفاً وتركيزاً واتساعاً، وخصوصاً داخل المدن، وتوالت أعمال اغتيال موظفي الحكومة الإنجليز والمتعاونين معهم وباعة الأراضي والسماسرة، ولكن هذه المرحلة لم يرافقها إضراب، مما سهل العمل نسبياً.

وقعت معارك عسكرية ضخمة كان بعضها يستمر عدة أيام، واستطاع المجاهدون احتلال بعض المدن ورفع العلم العربي مكان العلم البريطاني، فقد احتلوا عكا وبئر السبع والخليل وبيت لحم وبيت ساحور والمجدل والفالوجة، ولم يخرجوا منها إلا بعد معارك ضارية مع البريطانيين كما اتسعت الهجمات على المستوطنات.

من أهم المعارك التي دارت في أثناء الثورة نورشمس، الجاعونة، بلعة، اليامون، بير السبع، طبرية، القدس.

في عام 1939 توقفت الثورة في الأراضي الفلسطينية نتيجة لمجموعة من الأسباب كان أهمها على الإطلاق بوادر نشوب الحرب العالمية الثانية.

معركة جدين:

بتاريخ 22/1/1948، تلقى أديب الشيشكلي قائد فوج اليرموك الأول، برقية من قائد جيش الإنقاذ، يطلب منه فيها مهاجمة أحدى المستعمرات الصهيونية في الخليل للتغطية على عبور فوج اليرموك الثاني لنهر الأردن، بالإضافة للحصول على معلومات حول تحصينات المستوطنات.

قام الشيشكلي باختيار مستعمرة “جدين” هدفاً للهجوم، وتم الهجوم وقاتل الصهاينة بعناد دفاعاً عن المستوطنة، لكن المهاجمين استطاعوا احتلال المراكز الأمامية، ولم تنجح قوافل الإمداد الصهيونية في فك الحصار عن المستوطنة، إلى أن وصلت قوة بريطانية لنجدتهم يوم 23/1/1948 فتراجعت قوات اليرموك بتاء على التعليمات. تجنبا للصدام مع البريطانيين.

كانت خسائر فوج اليرموك 18 شهيداً هم أول شهداء جيش الإنقاذ، ولكن المعركة قدمت المطلوب منها، إذ استطاع جيش اليرموك الثاني عبور النهر بقيادة محمد صفا، كما قدمت المعركة معلومات وافرة عن المستوطنات وتحصيناتها.

انتفاضة الجليل: [يوم الأرض]

في يوم 12/2/1976، صدر أمر من الشرطة الإسرائيلية يمنع دخول سكان الجليل إلى المنطقة المعروفة بالمنطقة التاسعة، وهي أرض معظمها سهل صالح للزراعة، ومساحتها حوالي 17 ألف دونم وورد في الأمر أن من يدخل هذه المنطقة سيعامل كمن يدخل ثكنة عسكرية بدون إذن.

دعا العرب إلى رفع احتجاج، تجسد في مؤتمر سخنين يوم 14/2/1976، فدعت السلطات الإسرائيلية ممثلي السكان وانتهى الأمر إلى حل وسط بتقسيم المنطقة إلى قسمين.

ولم ينقض أسبوعان حتى بدأت إسرائيل بمصادرة الأراضي في الجليل، عندئذ دعت لجنة الدفاع عن الأراضي العربية إلى اجتماع في الناصرة يوم 6/3/1976، وقرر المجتمعون وعلى رأسهم رؤساء المجالس المحلية إعلان يوم 30/3/1976 إضراباً عاماً للعرب في إسرائيل، احتجاجاً على مصادرة الأراضي، لكن إسرائيل أرسلت ليلة 30/3 قوات كبيرة من الجيش تمركزت في مدن وقرى الجليل.

شمل الإضراب فلسطينيي 1948 والضفة الغربية وقطاع غزة الذين هبوا لمساندة إخوانهم عرب الجليل.

عمت المظاهرات أنحاء الضفة والقطاع والقيت قنبلة على دورية في نابلس. أما في منطقة الجليل فقد هاجمت القوات الإسرائيلية منزل رئيس بلدية الناصرة توفيق زياد، وأصابت أفراد أسرته بجروح، وهاجم المتظاهرون الجنود في كل مكان فقتل 3 جنود إسرائيليين وجرح 12، واستشهد 3 مواطنين فلسطينيين وجرح 27 آخرون، هذا في الناصرة، أما في شفا عمرو فقد قتل جنديان إسرائيليان وأصيب تسعة آخرون فيما استشهد 4 مواطنين فلسطينيين وجرح 18، واستشهد 4 فلسطينيين في سخنين بينهم سيدة وجرح 17 مواطناً وقتل 4 جنود إسرائيليين.

عمت الاشتباكات بقية مدن الجليل، وقتل جنديان في قانا الجليل الأعلى، وجرح 5 في حين استشهد من الفلسطينيين 3 وجرح 12.

حتى اليوم يحتفل الفلسطينيون والعرب في 30/3 من كل عام بما أصبح يعرف “بيوم الأرض”.

حرب 1948:

صممت الصهيونية والقوى الداعمة لها على إقامة الدولة اليهودية في فلسطين بناء في قرار التقسيم مما حدا بالدول العربية للسعي لحماية فلسطين منشآت الحرب الأولى بين الجيوش العربية الخمسة التابعة لمصر وسوريا والأردن والعراق ولبنان من جهة والقوات الصهيونية من جهة، فيما عرف بحرب 1948.

وكانت الجامعة العربية في 16/9/1947 قد قررت تقديم أقصى ما يمكن من الدعم العاجل لأهل فلسطين في حال إقرار التقسيم.

هب العرب من خلال جيش الإنقاذ وجيش الجهاد المقدس للدفاع عن فلسطين ضد جيش الصهاينة الذي بلغ عدده حوالي 67 ألف مقاتل مقابل 24 ألف مقاتل للجيش العربيين مجتمعين، وبالطبع مع فارق التدريب ونوعية الأسلحة لصالح الصهاينة.

أعلن بن غوريون يوم 14/5/1948 قيام دولة إسرائيل وشكل حكومة مؤقتة لها، واعترف بها كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على الفور.

انسحبت القوات البريطانية يوم 15/5/1948 مخلفة وراءها عتادها وأسلحتها، وكانت الهاغاناه قد أكملت استعداداتها للاستيلاء على أكبر كساحة ممكنة من فلسطين، ورمزت لخطتها برمز “دال”، وأعلنت التعبئة العامة بين القوات الصهيونية منذ مطلع نيسان 1948. وخلال شهر ونصف تمكنت هذه القوات من السيطرة على الجزء المخصص لإسرائيل حسب قرار التقسيم وأجزاء خارج القسمة أيضاً، وأصبحت جاهزة لمواجهة أي هجوم عربي محتمل.

بالنسبة للعرب، فقد دخلت الجيوش العربية ولكن أقل بكثير مما كان متوقعاً وبدون خطة واضحة، وقد أجمع رؤساء أركان الجيوش في ذلك الوقت على أن جيوشهم غير جاهزة لخوض حرب.

ولم يقتصر الأمر على غموض المهام بل تعداه إلى تغيير المهام في الساعات الأخيرة قبل الحرب.

في منتصف ليلة 15/5/1948 دخلت الجيوش العربية على فلسطين، ورغم النواقص التي عانتها إلا أنها حققت نجاحات في الأيام الأولى لدخولها مما دعا أمريكا لأن تطلب من مجلس الأمن إصدار قرار لوقف إطلاق النار.

وصلت الخطوط الأمامية إلى بيت لحم، وضواحي القدس الجنوبية، وغرباً حتى حدود يافا كما سيطر الجيش المصري على منطقة النقب وخليج العقبة، وسيطر الجيش السوري على الجليل حتى جنوب بحيرة طبريا، ووقف الجيش اللبناني غير يعبد عن عكا، وسيطر الجيش العراقي على قلب فلسطين وامتدت خطوطه إلا طولكرم وجنين وحدود تل أبيب، كما سيطر الجيش الأردني على غور الأردن الجنوبي ومنطقة القدس ورام الله والرملة حتى التقى بالجيش العراقي والمصري، ولكن سرعان ما توقف اندفاع الجيوش العربية وجاءت الهدنة الأولى لتغير الأوضاع وتقلب الموازين.

أعلنت أمريكا وبريطانيا أن الحالة في فلسطين تهدد السلم العالمي، وضغطتا على الدول العربية وبذلتا الوعود، فقبلت جامعة الدول العربية قرار مجلس الأمن رقم 50 بتاريخ 29/5/1948 القاضي بوقف إطلاق النار لمدة 4 أسابيع. وفي صباح 11/6/1948 توقف القتال في فلسطين لمدة 4 أسابيع. وقد نص القرار كذلك على منع الأطراف من تحصين مواقعها الراهنة وإلا يعزز قواته الراهنة، تقيد العرب ببنود القرار، لكن هذه الهدنة أتاحت لإسرائيل إعادة تنظيم قواتها وتدريبها، كما وصلت إلى إسرائيل خلال الهدنة كميات كبيرة من الأسلحة، عاد الجانبان للقتال يوم 9/7/1948، لكن مجلس الأمن ما لبث أن أصدر قراراً آخر بالهدنة الثانية، 54 يوم 15/7/1948، بدأت عملياً يوم 18/7/1948 بعد أن تمكنت إسرائيل خلال الأيام العشرة من احتلال مساحات أخرى من الأرض.

لم يحدد المجلس زمناً لهذه الهدنة على أمل أن تتحول إلى هدنة دائمة، وقد أنهمك الكونت برنادوت في تلك الفترة في إعداد خارطة لفلسطين عازماً على تعديل قرار التقسيم، فأعد مشروعاً عرف باسم “مشروع الكونت بر .