الرئيسية » مقالات » حكومة الوحدة الوطنية … التغيير والترسيخ

حكومة الوحدة الوطنية … التغيير والترسيخ

أدرك تماماً أنكم تعيشون الأحداث في العراق يوماً بيوم وساعة بساعة , وأنا أعيش في الغربة, ولكني أتابع الأحداث معكم ومن خلال كتاباتكم وتحليلاتكم أولاً , ومن خلال الصحافة والتقارير الدولية والإقليمية ثانياً , إضافة إلى الاحتكاك بالناس العراقيين الذين عانوا الكثير خلال الأعوام المنصرمة , سواء أكان من هاجر منهم أم اللقاءات الكثيفة التي أجريتها في هذه الفترة في بغداد ثالثاً , لهذا أتجرأ اليوم على طرح جملة من الأفكار الأولية التي هي بحاجة إلى حوار ونقاش معمق عن الواقع العراقي السياسي الراهن ومسيرة بناء حكومة وحدة وطنية وأهمية تكريس الحياة الحرة والحرية الفردية والدولة المؤسسية الديمقراطية في العراق.
تواجه العراق جملة من المشكلات الأساسية غير المحسومة التي يجري حولها الصراع السياسي في العراق حالياً والسنوات القليلة القادمة. ومن بين تلك المشكلات نشير إلى ما يلي:
أولاً: الخلط بين الدولة ونظام الحكم السياسي وعدم التمييز بينهما وما ينجم عن ذلك من مشكلات تشريعية وتنفيذية , إضافة إلى عدم الحسم في طبيعة الدولة العراقية , رغم الدستور الذي يمكن القول عنه بأنه حمال أوجه عديدة.
ثانياً : غياب السياسة الاقتصادية والاجتماعية الواضحة ووجهة التطور والتنمية الاقتصادية , وينعكس هذا الواقع بدوره على السياسة النقدية بكل مكوناتها السعرية والتجارية والضريبية والاستثمارية …الخ , باعتبارها الاداة التنفيذية للسياسة الاقتصادية. وبالتالي فليست هناك استراتسجية للتنمية الاقتصادية المادية والبشرية.
ثالثاً: غياب الرؤية الواضحة لدور كل من القطاع الخاص والقطاع الحكومي والقطاع المختلط والقطاع الأجنبي والعلاقة بينها وأهمية ذلك للموقف من اقتصاد السوق الحر أو اقتصاد السوق الاجتماعي , إذ أن الأخير يتناغم مع واقع وحاجات الاقتصاد والمجتمع في المرحلة الراهنة.
رابعاً: يواجه المجتمع العراقي واقعاً معقداً بسب الاحتلال وسياساته العسكرية والأمنية ورغباته في التأثير على وجهة التطور الاقتصادية في العراق والتي تعيق ممارسة سياسة اقتصادية حرة ومستقلة , بما في ذلك الموقف من اقتصاد النفط الخام والتنمية الصناعية التحويلية. فسياسة السوق التجارية المفتوحة تغرق العراق بالسلع المستوردة التي تمنع أي تقدم ونمو للصناعات المحلية أو التنمية الزراعية الحديثة.
خامساً: ولا شك في أن العراق يواجه تراجعاً عن طبيعة المجتمع المدني في تنامي دور العشائر العراقية التي حركها قبل ذاك صدام حسين والتي ستؤثر سلباً على المدى البعيد على بنية المجتمع المدني وتطوره اللاحق ومكانة ودور حقوق الإنسان وحقوق المرأة , رغم فائدتها الراهنة في مواجهة الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرف. ويدخل في هذا الإطار محاولة الأحزاب الإسلامية السياسية زج المرجعيات الدينية بالنشاط السياسي , مما يسيء لها ويعيق تطور المجتمع المدني.
سادساً: هيمنة التيار الإسلام السياسي على الحكم وتراجع شديد في حركة القوى الدمقراطية.
هذه هي جملة من المشكلات الكبيرة التي يفترض معالجتها , إضافة إلى إشكالية ضعف التيار الديمقراطي بكل مكوناته في مقابل قوة التيارين الإسلامي والقومي ووجودهما الكثيف في الحكم. لا شك في أن الصراع على السلطة في العراق قد اتخذ الآن بعداً جديداً , وهو غير بعيد عن تأثير دول الجوار , وخاصة إيران وتركيا وسوريا والخليج والسعودية , إضافة إلى تأثير الدول الكبرى. ورغم وجود هذه المجموعات الكبيرة من المشكلات , يبدو لي حالياً بأن العراق يعيش مخاضاً عسيراً وإرهاصات أولية لمرحلة جديدة تحمل معها بوادر عملية تغيير بنيوية معقدة وطويلة الأمد نسبياً , إذ كما يبدو لي أن عوامل مهمة وجديدة بدأت تفعل فعلها في عملية التغيير السياسية والاجتماعية الجارية والتي سأحاول الإشارة إليها في مجرى هذا اللقاء. فمن يتابع الوضع الراهن يستطيع وضع اليد بسهولة على الظواهر التالية التي لم تكن غائبة في عهد الدكتاتور صدام حسين , ولكن استفحل أمرها واشتد فعل بعضها وتفاقمت عواقبها على المجتمع:
1. بروز المزيد من التشوه في البنية الاقتصادية وتبعية كاملة لاقتصاد النفط الخام وللمساعدات الخارجية , إضافة إلى اقتران ذلك بظواهر سلبية حادة أخرى كالبطالة المكشوفة الكبيرة والبطالة المقنعة في أجهزة الدولة ونقص بالغ في الخدمات واستمرار التضخحم وتجلي ذلك في ارتفاع متواصل وسريع في أسعار السلع والخدمات والسكن وسياسات اقتصادية تجارية ونقدية غير معبرة تماماً عن حاجات المجتمع وضرورات التنمية والتشغيل وامتصاص البطالة الواسعة والمضرة بالمجتمع وتنشيط الاقتصاد الإنتاجي المحلي.
2. تنامي سريع وبمعدلات عالية للفجوة الدخلية ومستوى المعيشة بين الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة والهامشية من جهة , وبين تلك الفئات الغنية والأكثر غنى من جهة أخر ’ إضافى إلى واقع لنمو البطيء جداً للفئة المتوسطة أو البرجوازية الوطنة المتوسطة باعتبارها الحاملة والحاضنة للدولة والمجتمع المدنيين الديمقراطيين.
3. تشوه شديد في البنية الاجتماعية والمزيد من التدهور فيها بالمقارنة مع ما كانت عليه خلال العقود السادس والسابع والثامن من القرن العشرين.
4. تخلف وتشوه شديدين وارتداد فعلي عميق في البنية الفكرية والثقافية للمجتمع وبروز مواطن ضعف كثيرة في دور وقدرة المثقفات والمثقفين في التأثير الإيجابي المطلوب على فكر وممارسة الفرد والمجتمع , لا بسبب عجزهم عن إداء هذا الدور , بل بسبب العقبات السياسية التي تقف وتوضع في طريقهم.
5. تراجع في الوعي الاجتماعي والسياسي لنسبة عالية من السكان , إذ يتجلى ذلك في واقع ومجرى العملية السياسية والاجتماعية والفكرية وفي كامل البنية الفوقية , ومنها بتعبير أكثر ملموسية في بنية الأحزاب السياسية القائمة والفاعلة في العراق. وهذا يعني بروز وعي مشوه ومزيف يتجلى في حركة وفعل الكثير من البشر والعديد من التكتلات والقوى السياسية.
6. ضعف أداء الحكومة وتكرس الفساد المالي والإداري كنظام , والذي يعبر في واقع الحال عن قبول المجتمع به وممارسته. ولا شك في أن الفساد المالي والإداري والإرهاب هما وجهان لعملة واحدة.
7. لقد ارتبط كل ذلك بالعنف الذي مارسته الدولة في فترة حكم البعث الدكتاتوري والذي انتقل إلى ممارسته من قبل قوى الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرفة والمليشيات الطائفية السياسية المسلحة التي كانت كلها ولا تزال تحاول بناء دويلات داخل الدولة لتنسف الدولة من الباطن وتهيمن عليها وتتحكم بوجهة تطورها الظلامية والمشوهة.
8. التدخل الفظ في الشأن العراقي من جانب قوى عالمية وإقليمية لها امتدادات في الحياة السياسية الداخلية. ولا شك في أن قوى الاحتلال قد شاركت بدور كبير في تعقيد اللوحة السياسية العراقية وإضعاف قدرة الحكومة من الناحية السياسية على إنجاز مهماتها باستقلالية مطلوبة. وعلينا أن نتبين بأن الوضع في الشرق الأوسط , خاصة العلاقات الأمريكية – الإيرانية والأمريكية – السور ية والسورية – الإيرانية والأمريكية – اللبنانية – السورية والعلاقات الفلسطينية – الإسرائيلية والتركية – العراقية …الخ كلها تلعب دوراً فاعلاً ومشوشاُ ومؤثراً بشكل سلبي على ما يجري في العراق.
هذا الواقع المستمر منذ سنوات خمس لم يعد ممكناً , فبرزت على سطح الأحداث ما يشير إلى تحرك جديد ناشئ في أعماق المجتمع وفي جميع الأوساط الاجتماعية التي تضررت من مجرى الأحداث خلال الفترة المنصرمة , إذ بدأنا نشاهد ما يلي:
1. تمادي تجاوزات المليشيات الطائفية المسلحة وقوى الإرهاب وقوى الجريمة المنظمة بهدف بث الرعب في صفوف الشعب وسعيها لإضعاف الحكومة سياسياً واجتماعياً وعسكرياً وإشاعة عدم الاستقرار , كما كان يحصل في البصرة أو لا يزال يحصل في مدينة الثورة والشعلة أو الموصل و غيرها والتي تسقبل اليوم بالرفض من قبل فئات المجتمع.
2. تفاقم التنافس والتفتت والصراعات ومن ثم النزاعات المسلحة بين قوى الإسلام السياسي حول السلطة والمال والجاه , مما أدى إلى تنامي تذمر الناس منها ومن سلوكها , إضافة إلى دور ذلك في إضعاف الحكومة. ولم يحصل التفتت في قوى الإسلام السياسي الشيعية فحسب , بل وفي تحالفات قوى الإسلام السياسي السنية أيضاً , مع بروز دور جديد ومهم لقوى الصحوة العشائرية التي كانت قد أصبحت في حينها رهينة لقوى الإرهاب وخاصة قوى القاعدة الدموية التكفيرية والتي كانت قبل ذاك حاضنةً وحامية لها.
4. رفض المجتمع للسياسات التي تمارسها تلك القوى الإرهابية , بمن فيها المليشيات الطائفية المسلحة , والهيمنة على الشارع وفرض المحرمات وتحويل حياة الناس إلى أحزان ومأتم واغتصاب واختطاف وتشريد وقتل , بمن فيها أتباع الديانات والمذاهب الدينية الأخرى غير الإسلامية , إضافة إلى عداء خاص ضد المرأة وحقوقها وحريتها الخاصة.
5. تفاقم الوضع الاقتصادي بسبب إعاقة تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار ومشاريع تنمية جديدة , إضافة إلى تفاقم رفض الناس للفساد المالي الذي شوه وأألحق أضراراً بالحياة الاقتصادية وخلق أرضية صالحة لإصطياد الناس البؤساء من قبل الإرهابيين.
6. بروز إيران , ومعها سوريا , بوجهين صارخين , وجه مؤيد للحكومة علناً , ووجه مناهض للوضع سراً نسبياً وتقديم أشكال الدعم لكل القوى المعادية للحكومة وتزويدها بالسلاح لأنها تريد خوض معركتها ضد الولايات المتحدة في العراق لا في إيران , إضافة إلى أهدافها الأخرى المعلنة وغير المعلنة.
7. اهتزاز الأرضية التي تقف عليها الحكومة من خلال الانسحابات والتجميد أو التهديد بأعمال غير مشروعة لإضعافها أو لإسقاطها , كما أن البعض الآخر يسعى لضمان تغيير إيجابي عليها.
8. تنامي الشعور لدى الرأي العام العالمي والإقليي بعجز الدولة والحكومة عن تحسين الأوضاع , مما ساهم في فتح الأبواب على مصراعيها لمزيد من التدخل في الحياة السياسية والاجتماعية اليومية للحكومة العراقية ودعم قوى الإرهاب بالسلاح والعتاد والانتحاريين وإشاعة الفوضى في البلاد.
9. تزايد الضغط الأمريكي على الإدارة الأمريكية لسحب جزء كبير من قواتها المسلحة من العراق قبل استتباب الأمن , مما رفع من ضغط الإدارة الأمريكية على الحكومة العراقية لممارسة سياسة جديدة إزاء المليشيات المسلحة.
إن هذا الواقع وضع رئيس الحكومة العراقية السيد نوري المالكي أمام أحد أمرين بعد أن طفح الكيل وتفاقمت استباحة المجتمع :
أولاً: إما التوجه صوب تصفية مواقع القوى التي كانت ولا زالت تسعى لإقامة دويلات داخل الدولة ومنع الحكومة من تنفيذ سياساتها وقراراتها, وإما ثانياً : تسليم السلطة لمن يتعامل بصيغة أخرى مع التدهور الذي شهدته البصرة ومدينة الثورة والشعلة والموصل وغيرها واحتمال تعريض الوضع العام إلى إنتكاسة أمنية جديدة بعد أن تحققت بعض النجاحات الجيدة.
وكان القرار واضحاً وجريئاً , إذ كان مجازفة , ولكنها مدروسة ومحسوبة العواقب , رغم عدم موافقة على قرار الحكومة وقلق قوى الاحتلال من احتمال الفشل , وكذلك موقف بعض قوى الائتلاف العراقي الموحد وغيرها من هذه الخطوة الضرورية والعاجلة.
كان النجاح في هذه المعركة الداخلية , وهي في واقعها إقليمية أيضاً , مضموناً لعدة أسباب:
1. باعتباره قرارا ينطلق من أرضية الدستور العراقي ويتعارض مع وجود قوى وميليشيات تمتلك السلاح خارج إطار الشرعية الدستورية وتمارس دوراً مضنياً ومدمراً للاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة الهشة.
2. قراراً تؤيده قوى سياسية كثيرة تعمل في إطار العملية السياسية وتقف إلى جانب تنفيذه.
3. قراراً أيديته القوى الأساسية في المجتمع التي عانت الأمرين من المليشيات المسلحة والسياسات الطائفية والإرهاب المسلط على رقابها.
4. قراراً أيدته القوات المسلحة بعد أن تحسنت إمكانياتها على مواجهة مثل هذه القوى الخارجة عن القانون.
5. كما حضي بتأييد واسع من المجتمع الدولي والأمم لمتحدة.
6. وأجود ما في قرار خوض المعركة هو البدء بالمناطق التي كانت تعتبر حصناً قوياً لقوى الردة والإرهاب التي تتلقى الدعم من قبل بعض دول وقوى الجوار , وبشكل خاص من إيران , أي البدء بالبصرة ثم مدينة الثورة والشعلة , ثم بعد ذلك مدينة الموصل ومحافظة نينوى. وهي التي قدمت انطباعاً سليماً بأن السيد رئس الوزراء لم ينطلق من ويتصرف بذهنية طائفية , كما تغًلب على خشيته السابقة التي حدَّت من قدرته على نزع أسلحة الميليشيات , إضافة إلى ضعف إمكانيات القوات المسلحة قبل ذاك. وقد كشفت عمليات البصرة عن مواطن ضعف جدية في القوات المسلحة العراقية والتي بدأت الحكومة بمعالجتها. كما أن قرار إعادة جمهرة كبيرة من الضباط السابقين إلى الخدمة سيعزز من نهج الوحدة الوطنية والانتصار على المليشيات الطائفية المسلحة.
إن كل هذا يتطلب الآن تعزيزه بمجموعة من السياسات العقلانية المترابطة التي يمكن للسيد المالكي تنفيذها لتوطيد الأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي في البلاد , أبرزها:
1. تسريع عملية بناء حكومة الوحدة الوطنية وفق أسس أكثر عقلانية مما جرى قبل ذاك والأخذ بنظر الاعتبار جميع القوى التي يمكن إشراكها لا في العملية السياسية بشكل عامً فحسب , بل وإدخالها في بنية الحكومة أيضاً , مع إمكانية وضرورة تقليص حجم التوزيع السابق للوزارات لصالح مشاركة قوى أخرى في الحكومة لتعبر عن الوحدة الوطنية المنشودة وإبعاد من لا يقبل التخلي عن ممارسة العنف والسلاح. إضافة إلى ضرورة الأخذ بالجانب المهني لصالح إنجاز مهمات الحكومة القادمة.
2. إصدار قرار بمنع حمل وامتلاك جميع أنواع الأسلحة دون استثناء ورفض بقاء أي نوع من الأسلحة في أيدي السكان ويحصر حمل السلاح في أيدي تلك القوى المرتبطة بالحكومة وفق قرارات تصدر عن الحكومة أو من يُمنح إجازة خاصة لحمل السلاح.
3. وضع إجراءات لإنعاش المناطق المدمرة بسبب سياسات تلك القوى وإطلاق حملة توعية واسعة ضد العنف واستخدام السلاح والقبول بالتداول الديمقراطي للسلطة.
4. تسريع عملية دراسة ملفات المعتقلين والمسجونين وإطلاق سراح من لا تثبت عليه أي تهمة تسببت في موت العراقيات والعراقيين. كما يفترض أن يعامل المعتقل والمسجون وفق لائحة حقوق الإنسان وبعيداً عما حدث في أبي غريب أو ضرب المعتقلين عند الاعتقال كما كان يحصل في زمن الدكتاتورية الصدامية.
5. تسريع إصدار القوانين الضرورية وتنشيط مجلس النواب واستمرار عمله دون انقطاع إلى أن ينتهي من مناقشة وإقرار تلك القوانين.
6. تأمين البدء بالتنميةالاقتصادية باتجاهات ثلاثة : أ) تشجيع إقامة مشاريع صغيرة لأغراض استيعاب البطالة الراهنة وتوفيرلقمة عيش كريمة للعاطلين عن العمل حالياً كما يمكنها أن توفر الخدمات الضرورية الأساسية للناس , وب) تشجيع إقامة مشاريع متوسطة تمارس نفس الهدف ولكنها توفر البنية التحتية الضرورية للاستثمارات الخاصة والحكومية , المحلية والأجنبية , وج) إقامة مشاريع ذات مدى بعيد وذات أهداف استراتيجية. ولا بد من انتهاض سياسة منح قروض مالية بدون فائدة لتشجيع النشاط الإنتاجي الصغير والمتوسط في هذه الفترة بهدف زيادة الإنتاج والتشغيل في آن. ولا بد من ممارسة سياسة تجارية جديدة لا تتعارض مع نهج تطوير العملية الإنتاجية في العراق , سواء أكان ذلك في القطاعات الصناعية أم الزراعية أم الحرفية.
7. وضع سياسة مالية ونقدية جديدة تصاحب التحولات السياسية المتوقعة في العراق وتساهم في الحد من أنواع التضخم التي يعاني منها الاقتصاد العراقي حالياً والذي يتجلى في ارتفاع متسارع في الأسعار الذي يلتهم الكثير من تلك الزيادات التي تحققت في الأجور والرواتب والتي تثير التذمر ضد سياسات الحكومة وتصبح بؤر لنشاط مناهض لسياسات الحكومة.
8. تشكيل لجان إضافية من القضاء العراقي من أجل تسريع دراسة قضايا الفساد المالي والإداري , إضافة إلى لجان أخرى لدراسة المشكلات المعلقة , سواء تلك التي ترتبط بمنازعات الملكية أو عودة الكرد الفيلية أو بقية المهجرين والمهاجرين…الخ..
9. معالجة القضايا المعلقة بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان العراق وفق الدستور وبعيداً عن الإساءة أو التشهير أو التهديد والعمل بهدوء وعقلانية لتحقيق المصالح المشتركة , إضافة إلى الالتزام بالدستور والمادة 140 لمعالجة مشكلة كركوك والمناطق الأخرى المختلف عليها.
10. خوض المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية حول الاتفاقية المطلوب عقدها معها من خلال ممارسة نهج الشفافية والصراحة والجرأة في اتخاذ القرارات وفي عرضها على الشعب للستنارة بمواقفه , مع رفض تدخل دول الجوار والإرهاب في إعاقة هذه المفاوضات أو التأثير عليها.
من المفروض اعتبار هذه القضايا حزمة سياسية اقتصادية واجتماعية وأمنية وعسكرية واحدة لا تتجزأ , إضافة إلى قضايا أخرى , بما فيها صدور قانون ينظم الحياة الحزبية والسياسية , بما يساعد على إرساء دعائم دولة القانون والحقوق الديمقراطية والحريات الفردية في دولة يفترض أن تسود فيها قاعدة ” الدين لله والوطن للجميع”.

لا شك في أننا سنكون أمام وضع جديد فكيف سيتم التعامل معه؟
يبدو لي ما يلي:
1. إن بعض القوى السياسية في التيار الإسلامي السياسي العراقي الشيعي , وكذلك في التيار السني , كما في مواقف حارث الضاري على سبيل المثال لا الحصر, ستسعى إلى إيقاف الاندفاع ضد القوى الخارجة عن القانون ومواصلة نزع سلاح تلك المليشيات واعتقال المجرمين منهم.
2. ويفترض أن تبادر القوى الديمقراطية واللبرالية إلى الاستفادة العقلانية من التحول الجاري في وعي الكثير من فئات المجتمع ومواقفها لصالح تكريس الحرية الفردية والديمقراطية وتعبئة القوى مع قوى الإسلام السياسي المعتدلة والمدنية لصالح بناء دولة القانون الديمقراطية. ولكن هذه الوجهة لا تزال ضعيفة بسبب ضعف وتشتت القوى الديمقراطية واللبرالية وعجزها عن إدراكً المصاعب التي ستواجهها إن لم تعالج الأمور بحكمة وتتتحرى عن قواسم مشتركة في ما بينها بعيداً عن الشعور بالتعالي إزاء الآخر. لدى الإحساس بأن أغلب أو كلاً من هذه القوى لا يزال عاجزاً عن التميز بالتواضع والمسؤلية إزاء مستقبل العراق. ومن يريد للعراق الحرية ودولة القانون عليه أن يسعى لوضع قواسم مشتركة تتسع لقوى كثيرة في هذا التيار أوسع من مشروع “مدنيون”على أهميته وأرحب في استقبال المزيد من القوى مهما كانت صغيرة , إذ سيعبر عن واقع استثنائي يعيش فيه الشعب حالياً.
3. ولا بد للتيار الديمقراطي اللبرالي من إعارة انتباه شديد لعدة قضايا جوهرية , وهي:
أ‌. إعارة أكبر الاهتمام بمشكلات ومصالح الناس الفقراء والمعوزين والفئات لكادحة والمنتجة وتجسيدها بشعارات عملية وقابلة للتحقيق ومقترنة بشعارات وطنية.
ب‌. الاهتمام بالشبيبة التي تشكل مصدر قوة وحيوية للنضال في سبيل دولة مدنية ديمقراطية اتحادية حرة ومستقلة.
ت‌. إيلاء الاهتمام بالنساء وحريتهن ومساواتهن بالرجل وتعبئتهن للمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية وفي مؤسسات الدولة.
4. إيلاء الأهتمام المناسب بالحياة الثقافية وبالمثقفات والمثقفين الذين نتطلع إلى تنامي دورهم وتأثيرهم على حركة واتجاهات تطور المجتمع وإزالة العوائق التي توضع في طريق تنامي دورهم وتأثيرهم.
5. العمل الجاد وبدأب لا يعرف الكلل من أجل مكافحة الطائفية السياسية والشوفينية في مؤسسات الدولة والمجت إذ إنها العلل التي تقسم ظهر المجتمع وتفتت نسيجه الوطني , وكذلك العمل من أجل احترام جميع الأديان والمذاهب والفكر الحر.
6. إن تحقيق المسيرة الناجحة لصالح الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية لديمقراطية يتطلب حسم الموقف من القضايا الشائكة التي جاءت في مقدمة الأفكار التي طرحتها في هذا اللقاء والأمل عندها سيكون كبيراً في أن يلعب التيار الديمقراطي واللبرالي دوراً مهماً في حياة الشعب ومستقبل العراق الجديد.
وإذ أقدم شكري الجزيل لمؤسسة المدى على دعوتها لي لتقديم هذه الأفكار للمناقشة مع هذذه الجمهرة الطيبة والمثقفة , لا بد لي من الإشارة إلى أن المهرجان الثقافي أو أسبوع المدى الثقافي في بغداد , الذي أحرز نجاحاً كبيراً وكان نقطة جذب حيوية لعدد كبيرمن الشابات والشباب , سواء مس ذلك حفلة الافتتاح أم معرض الكتاب القيم أم الفعاليات الفنية المتنوعة أم المسرحيات أم تكريم الأدباء والفنانين , قد احتل أهمية كبيرة وستزداد أهميته في السنوات القادمة. يتمنى الإنسان في أن يزداد عدد المؤسسات التي يمكنها أن تقدم ما قدمته مؤسسة المدى للثقافة والمثقفات والمثقفين في بغداد أو قبل ذاك في دمشق وأربيل ولسنوات عدة.
17/5/2008 كاظم حبيب

• محاضرة قدمت بتاريخ 17/5/2008 في مؤسسة المدى في بغداد.
• نشرت الحاضرة في جريدة المدى بتاريخ 19/5/2008,.