الرئيسية » مقالات » الشهيد الباسل طالب باقر(أبو رياض)

الشهيد الباسل طالب باقر(أبو رياض)

يا ريحة ورد يمطيب الفنجان                        يمن أسمك يلوك الشدة الريحان

ذوله أحنه نظل بكل وكت نيشان            ب (طالب) نبقه أنطالب ثأرك ما ننساه

طالب باقر أسم لا ينسى في الذاكرة الشيوعية،في منطقة الفرات الأوسط بعامة وأرياف محافظة بابل خاصة،فقد كان هذا المناضل الجريء مثال للتضحية والفداء والخلق الشيوعي الأصيل والروح المفعمة بالبسالة ونكران الذات،وكان مثلا أعلا للآخرين ليحذوا حذوه بما جبل عليه من جرأة وأقدام منقطع النظير جعله في مقدمة الكوادر ألفلاحيه،ومعلما بارزا من معالمها لا تمحوه الأيام.

ولد الفقيد في قرية من قرى ناحية الكفل التابعة لمركز محافظة بابل،في أسرة فلاحيه،ورأى بأم عينية المأساة التي يتعرض لها الفلاح ألعرافي في ظل الهيمنة الإقطاعية المقيتة والممارسات الضارة للملاكين والاستغلال البشع لجهود الفلاحين الفقراء،فأتخذ موقفه الرافض لكل أنواع الاستبداد والتسلط،وكان منذ نعومة أظفاره على شيء من الجرأة والجسارة والتقدم على أقرانه،فكان كما يقول المثل الشعبي(لا يمر من أمام عينيه الطير) لما يحمل في داخله من نفس أبية ترفض الضيم والتبعية والاستعلاء،ولظروف أسرته المعيشية،وتفشي الجهل والأمية، وعدم وجود المدارس في الأرياف ألعراقية لم تسعفه الظروف في الدخول إلى المدرسة،فظل أميا،ولكن على شيء من النباهة والوعي بما يحيط من حوله،وقد رأي كيف كان الشيوعيين الأوائل يعملون بدأب ونشاط وتفاني لبناء ركائز الوعي الطبقي في صفوف الفلاحين،وما يخوضون من صراع مرير من أجل الفقراء،فكانوا المثل الأعلى لطلاب المجد والعمل الجاد من أجل القضايا المصيرية للشعب العراقي،والدفاع عن قضايا الشعوب،ولمس عن قرب تفانيهم وإخلاصهم يوم كانوا القادة الذادة والحماة الحقيقيون لمصالح الطبقات الشعبية،ونضالهم الدائب من أجل تطبيق قانون الإصلاح الزراعي،واستحصال حقوق الفلاحين،وتمريغ جباه أعداء الشعب بالتراب،وما خاضوا من صراع بطولي من أجل أعلاء راية الوطن بتفان ونكران ذات،لا يفكرون بمكسب أو مغنم على حساب الآخرين،أو تدفعهم المصالح الذاتية والمكاسب الشخصية،وكان همهم الدفاع عن الفقراء والمضطهدين،وكان شهيد حزبنا الشيوعي كاظم الجاسم الملهم لأجيال من الشيوعيين في الفرات الأوسط في التفاني والعمل الجماهيري بما قدم من صورة زاهية للشيوعي الحقيقي الملتزم البعيد عن المطاعن.

وكان في أوائل الستينيات من القريبين للحزب الشيوعي والمؤازرين له ومن أصدقائه الأوفياء،رغم عدم انتماءه الرسمي للحزب،فقد كان الحزب الشيوعي في تلك الأيام عصيا في الانتماء أليه،وكانت أبوابه ضيقة في استقبال الرفاق الجدد،إلا بمواصفات عالية، ومرورهم باختبار طويل لإثبات أهليتهم لحمل الأسم الشيوعي،فكان طالب العضوية يبقى لفترة ترشيح قد تطول وقد تقصر حسب قدرته وكفاءته على العمل الميداني،ولا يرشح لعضوية الحزب إلا بعد مخاض عسير وتجربة نضالية،وقد يشارك في النضال الجماهيري ويخوض معامع النضال،ويسهم في المظاهرات والنشاطات الأخرى وتوزيع المنشورات ولصق البيانات ،وقد يعتقل لسنة أو أكثر دون أن يستطيع الحصول على شرف العضوية،لذلك كان الشهيد شيوعيا قبل أن ينتمي للحزب بشكل رسمي، ولم يحصل على شرف العضوية إلا في الامتحان العسير الذي تعرض له الحزب بعد انقلاب 8 شباط 1963 الفاشي،وكان الحزب في تلك الفترة قد تعرض لضربات مميتة أتت على قياداته وكوادره والآلاف من أعضائه النشطين،وكان لزاما والحالة هذه رفد الحزب بدماء جديدة تواصل مسيرته،وتكمل مشواره،ومنح شرف العضوية على هذا الأساس.

في تلك الفترة كانت أرياف الفرات الأوسط قد أخذت على عاتقها أعادة بناء الحزب،وربط تنظيماته خصوصا بعد اعتقال القيادة الثلاثية الجديدة – الحيدري والعبلي وأبو سعيد- فكان الرفيق البطل خير من يمثل النشء الجديد في أداء الواجبات النضالية في تلك الأيام العصيبة،ورغم أنه لا يجيد القراءة والكتابة ويجد صعوبة في ترديد المصطلحات الشيوعية المتداولة آنذاك كالبروليتاريا والدكتاتورية والديمقراطية وما إليها من كلمات أجنبية،لكنه كان في الجانب الآخر شيوعيا حركيا قادر على التحرك في أشد الأوقات حراجة،ويتمتع بشجاعة منقطعة النظير جعلته في الصف الأول من الصداميين الذين تحتاجهم المرحلة بما طرأ عليها من تغيرات بفعل الأعمال الانتقامية التي مارسها أجلاف الحرس القومي،وكان تفانيه واندفاعه وثيقة شرف أهلته للارتقاء في المسئولية،لما تتطلبه الفترة من إخلاص وتفاني خصوصا في الجوانب العملية من النضال،لأن الوقت ليس وقت تنظير وإيديولوجيات بقدر ما هو صراع مع القوى الغاشمة من اجل البقاء،فكانت شجاعته الفذة طريقه للدخول من باب الحزب الكبير، ورغم ذلك كان يسعى للتعلم وطلب المعرفة لينال لقب الشيوعي فاستطاع في فترة قياسية تعلم القراءة والكتابة والإلمام ببعض المصطلحات والمعلومات النظرية،ولذكائه الفطري استطاع في شهور تعلم ما لا يستطيعه غيره بأعوام،فكان يقرأ ما يقع تحت يديه من أدبيات حزبية أو غير حزبية،وإذا عجز عن فهم مصطلح أو تعبير يستعين بالآخرين لفهمها،وكانت الدورات السريعة خير معين للشيوعيين في تفهم الجانب النظري للفكر الشيوعي ،فدرس تاريخ الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي،والاقتصاد السياسي،والمادية التاريخية والجدلية،فأصبح خلال فترة من الكوادر الشيوعية التي تركت أثار واضحة في مسيرة الحزب،وخلفت تأثيرا لا يزال ماثلا في الكثيرين من الشيوعيين العاملين هذه الأيام.

يقول عبد زيد نصار،بعد انقلاب شباط كلفت بمسئولية منطقة خفاجة في الكفل،وكانت السلطة العفلقية قد كثفت نشاطها للقبض على أبو قيود لما تسربت إليها من معلومات عن قيامه ببناء تنظيمات مسلحة لاغتيال عناصر الحرس القومي،وكان في تلك الفترة يعمل في أرياف الكفل في منطقة (البو سرية) ليمارس عمله القيادي من هناك،وقد قمت بالبحث عنه ورافقني في عملية البحث الرفيق الشهيد (محسن حسين أبو كصة)،الذي التحق فيما بعد بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأستشهد في لبنان،فذهبنا الى بيت (مراد الملامة) الذي كان يعمل في تصليح الأسلحة فوجدناه قد أنتقل الى منطقة أخرى وعند الاستفسار عن المنطقة علمنا أنه في منطقة الشهيد أبو رياض فاستفسرنا عنه،فتصوروا أننا من أتباع السلطة،وأخبروا مراد عنا دون أن يعطوه أوصافنا فأرسل خلفنا أبو رياض للانتقام منا،وعندما وصل الخبر الى أبو قيود وأعطوه أوصافنا عرفنا وقال لهم هؤلاء (من جماعتنا) وطلب منهم إحضارنا إلا أنا قد تركنا المنطقة،وعندما مررنا بمراد للمرة الثانية أخبرنا بوجود أبو قيود،فالتقينا به.

وعمل بنشاط عجيب في مختلف الميادين،فكان ناشطا سياسيا مؤثرا جاب أرياف المنطقة لتوقيع مذكرة تطالب بفتح مدارس ومستوصفات وكري المبازل وتوفير الخدمات للمناطق الريفية،،وقدم المذكرة الى الجهات المسئولة وتابعها بدأب ونشاط حتى حقق مضامينها،مما أكسبه ثقة الفلاحين وإعجابهم فأسلموه قيادهم وأصبح الممثل الحقيقي لهم،وتمكن خلال فترة قصيرة من كسب الكثيرين الى جانب الحزب سواء في الانتماء إليه أو تأييد سياسته والوقوف الى جانبه،وقد أزعج تحركه ونشاطه المحموم السلطة الدكتاتورية الرعناء بعد أن لمع أسمه وأصبح على كل شفة ولسان،وذات يوم خرجت 31 سيارة مسلحة من الشرطة والأمن،وأعلنت حالة الإنذار القصوى في محاولة لإلقاء القبض عليه،وكان وقتها في داره لا يعلم بما يحاك له في الخفاء،فما أسرع ما طوقت القوى الأمنية الدار،فخرج مع شقيقه كاظم الباقر لمواجهة القوة المهاجمة،فتبادلوا إطلاق النار بكثافة وأصيب شقيقه برصاصة غادرة،فما كان من طالب الذي أستلهم الصبر من التقاليد الثورية للشيوعيين،وقد استعرت النار في فؤاده،إلا أن أمطرهم بوابل من بندقيته ، وقد أخذ يشاغلهم من مختلف الجهات فخال لهم أن هناك مجموعة تقاتلهم، وعندما شاهدت القوة المهاجمة كثافة النار وقوة الرد اضطروا للفرار كالجرذان المذعورة،وأستطاع أخلاء أخيه والانتقال الى أعماق الريف حيث لا تستطيع هناك أي قوة اقتحام تلك المنطقة دون أن تمنى بالفشل الذريع،وهذه المعركة غير المتكافئة قد تبدوا للقارئ الكريم محض خيال أو قصة للتسلية والسمر،ولكنها هكذا كانت ولا زالت أخبارها طرية في أذهان من عاصرها،مما جعل الشهيد أسطورة في المنطقة تنسج حوله الحكايات وخصوصا في المجتمع العراقي الذي يعشق البطولة والجرأة،فأصبح المثل الأعلى للشباب الحر في شجاعته النادرة المثال،وقدوة للشباب الناهض المتعطش للتضحية والفداء.

وعندما عجزت القوى الأمنية عن الإمساك به،عمدت لاعتقال أبنه(نعمة) الطالب في الصف الرابع الابتدائي مع سبعة من زملائه بتهمة كتابة الشعارات المعادية للسلطة على جدران المدرسة،وهي وسيلة دنيئة للضغط عليه وإجباره على الاستسلام،ولكنه وهو (الطير الحر) الذي لا تعيقه العوائق،لم يعبأ بما جرى لولده البكر وظل عصيا عليهم،وزادته أيمانا وعزما ومضاء على المواجهة والصمود حتى النهاية،فقامت السلطة العميلة بتصفية هذه الزهور اليانعة،ليدخلوا ملحمة الأبطال الخالدين ويسيروا في مقدمة قوافل شهداء الحزب الشيوعي العراقي.

وبعد اعتقال القائد الشيوعي الشهيد كاظم الجاسم أصدرت قيادة الحزب بيانا شديد اللهجة ندد بالسلطة الدكتاتورية الغاشمة وطالب بإطلاق سراحه وتحميلهم مسئولية الحفاظ على حياته،،وقامت المنظمات الحزبية بتوزيع البيان على نطاق واسع وأذيع من إذاعة صوت الشعب العراقي والإذاعات العالمية،فخرجت مجموعة بقيادته لتوزيع البيان ولصقه في وضح النهار وعلى الطريق العام حله كفل في تحد واضح للعفالقة المجرمين،ورغم أن سيارات الشرطة كانت تجوب المنطقة إلا أنهم لم يجرؤا على مهاجمتهم عندما علموا أنهم بقيادة الشهيد طالب باقر،وتحاشوا الاصطدام به بعد الدرس السابق الذي لقنهم إياه عندما قام بمفرده بمواجهة أكبر قوة بوليسية .

وظل الشهيد طالب باقر يعمل بدأب ونشاط في أرياف الكفل المنيعة،ولم تستطع القوى الأمنية إلقاء القبض عليه رغم (الزركات) الكثيرة المفاجئة،فقد أتخذ من بساتين الكفل دريئة يتقي بها الهجمات البوليسية،وكانت الشرطة المحلية تتحاشى المواجهة لما تعرف عنه من شجاعة انتحارية وجرأة،،ولكن لكل جواد كبوة ولكل بداية نهاية،فقد أستطاع البعث شراء بعض القوى المحسوبة على الحركة ألفلاحيه،فنصب له كمين غادر بواسطة هؤلاء،وتمكنوا من إلقاء القبض عليه باستعمال الحيلة والغدر،وسيق مكبلا بالأغلال الى مديرية أمن بابل حيث تعرض لتعذيب تنهار أمامه أعتا النفوس،إلا أنه تصور في تلك الساعات العصيبة القادة الشيوعيين العظام،عندما صمدوا بوجه جلاديهم في قصر النهاية،وتمثلت أمام عينيه صورة القائد الخالد سلام عادل عندما تعرض لتعذيب بشع وقطعت أطرافه وفقأت عيناه وظل لأيام يعالج سكرات الموت ودمائه النازفة تغطي جسده حتى وافاه الأجل وهو لا يني من ترديد الشتائم للسفلة من أزلام البعث الجبناء،وحثالات القرون الوسطى من أبناء الجاليات المهاجرة،فكانت خيالات وأطياف الصمود الأسطوري تتراءى أمام عينيه،فتمنحه العزم والمضاء والإصرار على الصمود حتى الموت،ونتيجة التعذيب الشديد لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يردد سنمضي سنمضي الى ما نريد ونبني عراقا سعيدا جديد.

لك المجد المؤثل أيها الراحل الكريم فقد كنت حربا على الزيغ والفساد ،وسيفا مصلتا للحزب والشعب،وابنا بارا أوفى دينه لشعبه ووطنه،وهاهم القتلة الأنذال يواجهون مصيرهم الأسود وقد ضاقت عليهم الأرض وأصبحوا بفضل صمودك الرائع لا تلمهم أرض،بعد أن لفظهم الشعب لفظ النواة،وها هي رايات حزبك المجيد ترتفع فينانة في العراق الجديد،وقد أصبح أسمك معلما لمنظمة الكفل التي تسير على هديك وتتأسى بذكرك بعد أن بنيت لهم فوق السماكين منزل،فطوبى لكل شيوعي شريف صان الأمانة وأحتفظ بلقب الشيوعي حتى ساعاته الأخيرة،ويا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما.