الرئيسية » مقالات » القوش والسيد كنا وثقافة الزمن الماضي

القوش والسيد كنا وثقافة الزمن الماضي

أنا شخصياً لا يضايقني النقد ما دمت استطيع الرد عليه وإظهار الحقائق إن كانت غير جلية بالنسبة الى الناقد وهذه الحالة صحية إن كانت تتسم بحسن نية ، وأنا مؤمن بضرورة مراجعة الذات ، إن كان على نطاق الأشخاص او المنظمات والأحزاب . فالطبيعي ان نختلف في الرأي وطبيعي ان نناقش وأن نتفق او لا نتفق فكل منا يحتفظ برأيه ، وفي كل الحالات لا يجوز تكفير او نفي الرأي المخالف لخطاب السلطة او الحزب . ومن هذا الباب نحاول مناقشة امور بحاجة الى توضيح وتنوير وربما نقتنع بما يطرح من حجج ، فالرأي لا يعني انه قوياً وصائباً حينما يعمل على إسكات الراي الآخر ويعدمه .
في حديقة نادي القوش العائلي عقد السيد يونادم كنا ندوة بحضور حشد من اهالي القوش ومن بين ما تطرق اليه ، كما هو واضح من تقرير السيد ريان نكارا مراسل عنكاوا في القوش ، هنالك مجموعة نقاط مهمة لم تكن واضحة للقارئ ومن بينها قوله :
( نحن لسنا ضد مشروع الحكم الذاتي لشعبنا في مناطقه التاريخية ولكن ليس بالشكل الذي يخطط له من خارج العراق ) .
لقد ناضل الأكراد لعقود طويلة بغية نيل حقوقهم وكان في قمة هذه الحقوق يندرج تحت عنوان الحكم الذاتي ، وشعبنا نال شئ من هذه الحقوق فيما عرف بمنح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية ، وكان هذا الأقرار رغم تواضعه هو افضل من لا شئ .
اعتقد ان الحركة الديمقراطية الآشورية كحركة قومية ينبغي ان يكون في ذروة مطالبها هو الحكم الذاتي الذي يعتبر الحد الأدنى من حق الشعب في تقرير مصيره ، لكن يبدو ان الحركة توافق على مبدأ الحكم الذاتي مع وضع كلمة ( ولكن .. ) ، ففي تصريح استاذ كنا في نادي القوش الأجتماعي يقول :
نحن لسنا ضد مشروع الحكم الذاتي في مناطقه التاريخية . وسؤالنا : أين هي المناطق التاريخية وأين هو التمركز الديموغرافي لشعبنا ؟ اليس في اقليم كردستان وتخومه ؟ هل نستطيع ان نغير الجغرافيا ؟ الا ينبغي وضع الحلول مع الأطراف المعنية (( الحكومة المركزية وحكومة اقليم كردستان )) ؟
السؤال المطروح للأستاذ كنا : ماذا يعني بالحكم الذاتي الذي يخطط له خارج العراق ؟ وبما انه طرح المسالة فعليه ان يجيب على التساؤل كما ينبغي ؟ إنه يزرع الشكوك لدى ابناء شعبنا ، فنحن لا نرضى ان يصبح شعبنا ضحية مؤامرات وموائد تحضر في مطابخ الأجانب ، نحن نريد ان يكون قرارا عراقي وليس قرار اجنبي فحبذا لو اتضح لنا ماذا يعني الأستاذ كنا بحكم ذاتي من صنع الأجنبي ؟
وفيما يتعلق بانخراط أبناء شعبنا في صفوف الشرطة يقول :
(.. كوننا مواطنين عراقيين.. يحق لنا تجنيد أبنائنا في صفوف الشرطة العراقية، وحماية مناطقنا بأنفسنا.. وكنا قد فتحنا باب التسجيل أمام جميع أبناء شعبنا دون تمييز، ومن أي حزبٍ أو طائفة، والقوائم تشهد على ذلك) .
يقول السيد يونادم كنا .. وكنا قد فتحنا باب التسجيل ، هل يعني الحركة الديمقراطية الآشورية هي التي فتحت باب التسجيل ام الدوائر المعنية في الشرطة العراقية ؟ ويضيف انها فتحت امام ابناء شعبنا دون تمييز .. والقوائم تشهد على ذلك . إن من يحاول القراءة بين الأسطر يستشف ان كلاماً قد أثير بهذا الخصوص وإن هناك تفضيل ومحاببة في امر هذا التسجيل . برأي ان المهنية تقضي بأن يكون التسجيل عن طريق الدوائر المعنية دون محاباة من احزاب ، وهذا هو الوجه المهني الديمقراطي للعملية ، وبعكس ذلك سيكون تأثير سلبي من قبل الأحزاب ولا سيما الحركة الديمقراطية الآشورية المتنفذة لتوظف هذه العملية خدمة لخطابها الحزبي .
ثمة مسالة مهمة اثارها الأستاذ يونادم كنا وهي قوله :
(أن ثقافة الزمن الماضي مازالت تسيطر علينا جميعاً، وعلى سياسات أحزابنا، ولا استثني الحركة من ذلك..”) .
اعتبر هذا الأقرار بأنه نقد ذاتي صريح وهذا امر جيد وخطوة في الطريق الصحيح ، لكن الأستاذ كنا هنا خلط الأوراق حينما يقول ان ثقافة الزمن الماضي تهيمن علينا جميعاً ، لماذا يريد ان يخلط الآخرين معه ؟ ولماذا يريد وضع الجميع في هذه الدائرة ؟
من المعلوم ان الخطاب القومي العربي الذي تجسد بالناصرية وبحزب البعث وضع نصب اعينه خطاباً اسطورياً ، مفاده انهم ( اعضاء الأحزاب القومية ) وحدهم معنيون بتحقيقه ، وقد احتكروا الخطاب السياسي ووضع مفردات قاموسه ، وكانت اكثر المفردات استخدماً هي العمالة والخيانة ، وان تكون عميلاً او خائناً هي من كبائر التهم . ومن المفارقات ان الحركة الديمقراطية الآشورية كانت تلوك هذه المفردات وتوجه سهامها الى من يخالف اجندتها ، وانا شخصياً تعرضت لمثل هذه التجربة المريرة من اصدقاء آمنوا بفكر الحركة ، فكانوا يطلقون هذه التهم الكبيرة على المواقع الألكترونية لأننا نتجرأ ونجاهر بمخالفتنا لخطابهم وتوجهاتهم ، وهم يعتقدون بل يجزمون : إن التفكير خارج إطار الأيديولوجية محذور وهدام ، لأن المكلفين بحماية الأمة ( امثا) هم وحدهم المخولين بالنطق باسم الأمة وهم الأوصياء على غيرهم ممن يندرج انتمائهم الى هذا الشعب إن كانوا من الكلـــــــــــدان او من السريان .
إنه تزمت ايدولوجي مخيف واعتقدنا انه وئد مع الناصرية ومع البعث ، لكن اخواننا في ألأحزاب القومية الآشورية قد احيوا هذا التراث ، واستخدموا خطابه بكفاءة منقطعة النظير ، ونصبوا انفسهم اوصياء على أشقائهم من الكلــــــــــدان والسريان .
إن الأستاذ يونادم كنا قد توصل الى رأس الخيط وينبغي ان يستمر به ، نعم يهيمن على خطاب الزوعا ثقافة الماضي بكل ثقلها من الأستبداد بالرأي ومن كتم افواه الآخرين ، ومن السعي الى اسكات الآخر بدل التفاهم والحوار والسماع اليه ، إعتقد انها بداية صحيحة بدأها السيد كنا ولكي تعطي ثمارها على مسيرة الحركة عليها ان تفتح ابوابها ونوافذها لسماع الآخر ومناقشته ، وأن تعترف بأن الحقيقة ليست مقتصرة على دائرة خطابها ، فهناك من يملك ايضاً نصيب من هذه الحقيقة .
وأود هنا ان اشير الى مسألة مهمة وهو ان الحركة الديمقراطية الاشورية حينما تدعي بأنها الوحيدة التي لها نائب واحد في البرلمان العراقي ، وإن لها تحشدات جماهيرية اكثر من غيرها . فأقول مخلصاً :
ان هذا لا يعني ان خطاب الحركة سليم وخالي من الأخطاء . والتجربة التاريخية لهتلر لا زالت امامنا ، حيث كانت الملايين تنتظر أشارة منه لتضحي بحياتها ، وهو الذي فاز حزبه بالانتخابات الديمقراطية دون منافس مهم ، ومع هذا اثبت التاريخ ان هذا الحزب هو حزب قومي نازي كلف البشرية الملايين من الضحايا ، وأمثلة كثيرة بأن التأييد الجماهيري الجارف لا يعني سلامة الخطاب الذي تذهب الجموع وراءه .
فالحركة مطلوب منها ان تراجع الذات ، وإن المقولة التي اطلقها الأستاذ كنا في النادي الأجتماعي في القوش : بأن ثقافة الزمن الماضي تسيطر علينا أنها عين الحقيقة وينبغي معالجة هذه الحالة المستعصية .

حبيب تومي / اوسلو