الرئيسية » مقالات » تركيا) ….. الى أين؟ (17)

تركيا) ….. الى أين؟ (17)

أشير في هذه المقالة بشكل مقتضب الى ثورة 1919 و 1920 اللتين قام بهما الشعب الكوردستاني في الإقليم الكوردستاني الشمالي الحالي، ضد محاولات الحكومات التركية المتعاقبة الهادفة لتتريكه و تجهيله و تجويعه و نهب ثروات بلاده الغنية، منذ تأسيس الكيان التركي على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. إنّ الهدف الأساس من هذه السلسلة من المقالات، ليس مكرّساً لسرد التأريخ الكوردستاني بكل تفاصيله، و إنما إلقاء الضوء على جانب منه و بشكل مختصر، بالإضافة الى أنّ هذه المقالات تهدف الى تحليل الظروف التي يمر بها كل من (تركيا) و كوردستان و مستقبلهما على ضوء الظروف الذاتية و الموضوعية في محاولة للعمل على رسم ملامح مصير الشعبين الكوردستاني و التركي على المدى المنظور و البعيد و رسم خريطة لبرنامج عمل لقيادة الشعب الكوردستاني الى الحرية و الإستقلال على ضوء التحاليل و الدراسات المتعلقة بتلك الظروف و ذلك بطرح بعض الإستنتاجات و التوصيات التي ترمي الى تحقيق أهداف الشعب الكوردستاني.

إنتفاضة 1919

كانت من أهم أسباب هذه الإنتفاضة هو بدء أتاتورك بملاحقة القيادات الكوردية في إستانبول و التي كانت تهدف الى القضاء على قيادة الحركة الكوردية التحررية و التشجيع الذي لقيه شعب كوردستان من الحكومة البريطانية التي كانت ساخطة على الحركة الكمالية، حيث كان البريطانيون لا يهدفون الى مساعدة الشعب الكوردستاني على تحرير وطنه، و إنما كانوا يسعون في ذلك الى إضعاف الأتراك. هذه الحقيقة يؤكدها مضمون التقرير الذي بعثه الوكيل الإنگليزي الى وزارة الخارجية البريطانية الذي جاء فيه (… تحدثتُ مع عبد القادر و بعض من أمثاله. عرضتُ عليه السفر الى كوردستان و إستخدام نفوذه هناك. لأجل التأثير عليهم، كنتُ مضطراً الى التكرار لما لا يقل عن خمس مرات، بأننا نحاول خداع الأتراك. و مع هذا لا يجوز الثقة بالكورد كثيراً. إنّ هدف حكومة جلالته هو إضعاف الأتراك بقدر ما يمكن. إستنهاض الكورد لهذه الفعاليات خطة غير سيئة) (لمزيد من المعلومات حول هذه الإنتفاضة، راجع كتاب “كردستان تركيا بين الحربين” لمؤلفه البروفيسور م. أ. هسرتيان، ترجمة الدكتور سعد الدين ملاّ و باڤي نازي، الطبعة الأولى، رابطة كاوه للثقافة الكردية، السويد، 1987، صفحة 13 – 30).

ساهم في التحضير لهذه الإنتفاضة بعض أعضاء جمعية إنبعاث كوردستان، من أمثال ممثلوا عائلة بدرخان، كاميران علي بك و جلادت بك بالإضافة الى جميل پاشازادة و أكرم بك (من مدينة آمد “ديار بكر”) و علي غالب بك، والي خربوت (آلعزيز) و ممثلو العديد من العشائر الكوردية و كذلك الرائد الإنگليزي نوئل.

أصبح متصرف ملاتيا، خليل رحيم بك بدرخان، حاكماً لكوردستان. تضمنت مبادئ كوردستان المستقلة التي قام بتلاوتها حاكم كوردستان، خليل رحيم بك بدرخان خلال إنعقاد مؤتمر زعماء الكورد الذي تمّ في بلدة “شيرو” التي تبعد عن مدينة “ملاتيا” بحوالي 20 كيلومتر، تحرير كوردستان من الإحتلال التركي و تأمين سعادة شعب كوردستان عن طريق تطويره إقتصادياً و إجتماعياً و روحياً و دعت الى تشكيل مجلس تشريعي كوردستاني و التدريس باللغة الكوردية في المدارس. علم كمال أتاتورك بتحركات الزعماء الكوردستانيين و تحضيراتهم للقيام بإنتفاضة شعبية لتحقيق إستقلال كوردستان، فأمر القوات التركية التي أرسلها الى مدينة “ملاتيا” لهذا الغرض بإلقاء القبض على القيادات الكوردية التي تجمعت في المدينة للبدء بإعلان الثورة. أخبر الزعماء الكورد العقيد بيل، مندوب الخدمات المخابراتية البريطانية في مدينة حلب، عن إستعدادهم لإعلان ثورتهم ضد القوات التركية، إلا أنّ العقيد بيل نجح في إقناع الزعماء الكورد بالتخلي عن القيام بالثورة التي خططوا لها.

من جهة أخرى، من أجل إجهاض الثورة التي كان الكوردستانيون يستعدون للقيام بها، قام أتاتورك بلقاء زعماء كورد، ممثلين لمحافظة ديرسيم و نجح في إقناعهم بعدم المشاركة في مساندة الثوار الكورد المتجمعين في محافظة “ملاتيا”. هكذا إستطاع الكماليون عزل الثوار الكوردستانيين و منعهم من الحصول على مساعدة العشائر الكوردية المجاورة لملاتيا و بذلك أخفقت الإنتفاضة الكوردستانية المعادية للكماليين، حيث هرب علي غالب الى حلب و تمّ إبعاد الرائد البريطاني نوئل من المنطقة و بذلك أصبحت الثورة تفتقد الى القيادة و الدعم الإنگليزي. هكذا تشتت شمل الثوار و فشلوا في إعلان ثورتهم.


ثورة 1920

في عام 1920، بدأ العقيد الكوردي خالد بك جبرانلي، الضابط في فرسان الحميدية و بقية زملائه الضباط في فوجه، بالقيام بجهود كبيرة لتوعية الكوردستانيين و نشر الفكر القومي بينهم لتأسيس دولة كوردستان المستقلة. لتحقيق هذا الهدف، أجروا محادثات مع شيوخ و زعماء العشائر في فارتو و كارليوفا و مالا زغيرت و بولانيك و خينيس، للإتفاق على النضال من أجل إفشال قرارات مؤتمري أرضروم و سيواس و كذلك البند الوارد في “الميثاق الوطني” و القاضي بإدماج إقليم شمال كوردستان الحالي في الكيان التركي الجديد و العمل من أجل تحقيق الإستقلال لكوردستان. لنشر الوعي القومي الكوردي بين شعب كوردستان، بدأ هؤلاء الضباط الكورد بدعوة الشعب الكوردي الى إرتداء الزي القومي الكوردي و ممارسة القراءة و الكتابة باللغة الكوردية و قاموا بتوزيع نتاجات الشخصيات السياسية و الأدبية الكوردية، من أمثال خالد بك جبرانلي نفسه و ملا أحمدي جزيري و أحمدي خاني و غيرهم، على الجماهير الكوردستانية.

في صيف عام 1920، إتصل خالد بك جبرانلي بعضوَي جمعية إنبعاث كوردستان في إستانبول، عبد القادر و عبد الرحمن هكاري و إتفق عن طريقهما مع النائب الكوردي في مجلس الأمة العالي التركي، يوسف ضيا و أنصاره على بذل الجهود لتحقيق إستقلال كوردستان و ذلك بمساعدة عصبة الأمم. قام خالد بك جبرانلي بجمع مذكرات الملاكين و الشيوخ الكورد و المختارين لقرى مناطق فارتو و كارليوفا و مالا زغيرت و بولانيك و خينيس و سولخان و جاباقجور، للإلتماس لدى عصبة الأمم لإقرار إستقلال كوردستان. تمّ تسليم المذكرات المذكورة الى جمعية إنبعاث كوردستان التي بدورها أرسلتها الى عصبة الأمم عن طريق كل من مصطفى نمرود و شريف باشا.

خلال تعيينه ممثلاً للمحاسبة في المحمكة العسكرية للفيلق في أرضروم التي كان معظم سكانها من الكورد العلويين و الساخطين على الكماليين (عن طريق الخطأ، يُطلق على أصحاب هذه الديانة إسم “العلويين”. يذكر لنا التأريخ، بأنهم ينتمون الى ديانة كوردية قديمة، حيث أنهم و الكاكائيين لهم نفس المعتقدات الدينية و لذلك فأنه من المرجح جداً أن الديانة الكاكائية و العلوية ما هما إلا ديانة واحدة، تُطلق عليها إسمَين مختلفَين. إنّ الإسم الصحيح للعلويين هو “الآريون”، حيث أن “آر” تعني بالكوردية “النار”. بمرور الزمن، خوفاً من الإضطهاد و المضايقة، تم تحوير إسمهم أو تبديله الى “العلويين” في محاولة منهم للتخلص من الإضطهاد و القتل بتهمة الكفر)، إستغل خالد بك جبرانلي وجوده هناك و إتخذ من منصبه ستاراً لنشاطاته السياسية، فقام بإنشاء لجنة سرية في أرضروم و عمل على زيادة تعاونه مع جمعية إنبعاث كوردستان و مع يوسف ضيا و بدأوا ببث الأفكار الإستقلالية بين الناس هاك، حيث نجحوا في كسب ولاء حوالي 80% من كورد المناطق المذكورة و قاموا بتنظيمهم و تسليحهم و وضعوا خطة للقيام بإنتفاضة كوردستانية في شرقي ديرسيم و منطقة ديرسيم – كوجكري.

تم توحيد القوى الكردستانية في المنطقة و تسليحهم، حيث بلغ تعداد القوات الكوردستانية المنظمة في غرب ديرسيم حوالي 45 ألف رجل. تمّ إرسال مذكرة من قيادة الحركة الكوردستانية الى حكومة أنقرة، تطالب فيها تحديد موقف الحكومة من الإدارة الذاتية لكوردستان و إطلاق جميع الكوردستانيين المعتقلين و سحب كافة الموظفين الأتراك من كوردستان و سحب القوات التركية من منطقة كوجكري. أعلنت حكومة أنقرة عن موافقتها على تلبية مطالب القادة الكورد و ذلك لكسب الوقت و خداع الكورد، بينما في الوقت نفسه بدأت بالقيام بعمليات عسكرية ضد الحركة الكوردستانية في منطقة سيواس. كما بدأ الكماليون بكسب بعض الزعماء الكورد عن طريق إعطاء الوعود و الرشاوى و المناصب، مثل مجو آغا و دياب آغا و مصطفى زكي بك و رمزي بك و عبد الحق و توفيق بك و حسن خيري بك، و تمّ تعينهم كمندوبين في مجلس الأمة العالي في (تركيا).

رغم إنخداع بعض القادة الكورد بالوعود التركية، إلا أن الثورة الكوردستانية إستمرت في ديرسيم و كان الشخصية الكوردية المعروفة، سيد رضا هو صاحب السلطة الفعلية في المنطقة. في ربيع 1921، قامت المفارز الكوردستانية بقيادة كل من محمود بك و عظمت بك و بمساندة سكان مدينة “أومرانية” بأسر الفوج التركي في المدينة و الذي كان بقيادة العقيد التركي (خاالص) و تمّ رفع علم كوردستان في “أومرانية”. كانت غنائم الكوردستانيين في هذا الإنتصار العسكري، عبارة عن كميات كبيرة من الأسلحة و الذخائر الحربية و ألف حصان و عدد كبير من البغال. بلغت مساحة المنطقة المحررة من كوردستان حوالي 15 ألف كيلومتر مربع، حيث إستطاع الثوار الكوردستانيون الذين بلغ تعدادهم أكثر من 6000 رجل، تحرير كل من منطقة كوجكري و كيماخ و أقضية كوروجاي و كانفال و كوجخيسار و ديفرغي و زازا و ريفاخية و كيماخ. بعد هذا النصر الكوردستاني، طالب الثوار مجلس الأمة العالي في أنقرة ولاية كوردستانية مستقلة تشمل كلاً من كوجكري و كيماخ و كوروجاي و ديفرغي و ريفاخية و كيماخ، إلا أنّ هذا الطلب تم رفضه من قِبل الحكومة التركية. في هذه المرة نجحت الحكومة التركية أيضاً في بث الشقاق بين الكوردستانيين، حيث لجأت الى المناورة بالإدعاء بالرغبة في التفاوض مع الثوار للإتفاق على تلبية مطالب الثورة الكوردستانية، و بذلك نجح الكماليون في تقسيم قادة الكورد الى فريقين، أحدهما يؤيد مبدأ التفاوض مع الحكومة التركية و يثق بوعودها الكاذبة و الفريق الثاني الذي كان واعياً، يعرف المؤامرات التي كان تحيكها الحكومة التركية ضد الشعب الكوردستاني. من القادة الكورد الذين إنخدعوا بالوعود التركية، كل من شفيق، رئيس محكمة النقض و الإبرام و حيدر بك، بينما القادة سيد رضا و علي شير و نوري و صابر و محمد علي و جيكيز و حمو تار بازالى و كامل عزيز و ديلو و باشو عباس و عظمت و بحري بك و ثابت بك و خيليك علي و عزيز و تاكي و حيدر بك و بهلوان و حسين و عاشور و آخرون، كانوا واعين و مدركين للمؤامرة الأتاتوركية، لذلك لم يوافقوا على التفاوض مع الكماليين و إستمروا في كفاحهم.

بدأت قوات تركية ضخمة في الهجوم على الثوار، حيث كانت متفوقة على القوات الكوردستانية عُدّةً و عدداً. كما أنّ وقوف رئيس عشيرة كوريشان الكوردية، كور باشو، الساكنين في شمال إرزينجان، ضد الثورة الكوردستانية، ساعدت على فشل هذه الثورة. بعد إندلاع الحركة الكوردستانية المسلحة، تيقّن حيدر بك من كذب وعود الكماليين، فإنخرط في الثورة الكوردستانية، إلا أنه بعد ذلك أُستُدرج من قِبل الحكومة التركية، بحجة التباحث معه في مدينة سيواس، فإنطلت عليه المؤامرة التي دبرتها له الكماليون، حيث ذهب الى هناك مع 1000 ثائر، فسرعان ما تمّ إعتقاله مع 400 شخص من أتباعه و تمّ نفي الثائرين الباقين ال 600 الى الولايات الغربية. ساهم هذا الحدث أيضاً في إنهيار هذه الإنتفاضة المسلحة. من الأسباب الأخرى التي ساهمت في فشل هذه الثورة هو إفتقار الكوردستانيين لقيادة مركزية موحدة و فقدانهم لدعم خارجي.