الرئيسية » مقالات » هل كان نوري السعيد خائناً ؟

هل كان نوري السعيد خائناً ؟

نُشِرَت مقالات عديدة في السنوات الأخيرة دفاعاً عن رئيس الوزراء العراقي الأسبق في العهد الملكي، الراحل نوري السعيد. ومن لا يعرف نوري السعيد من القراء العرب من غير العراقيين، وخاصة من الجيل الجديد، أقول أنه كان أحد أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، ومن المساهمين في تأسيسها، وترأس الحكومة العراقية في العهد الملكي 14 مرة، وكان هو الحاكم الفعلي حتى في الفترات التي لم يكن فيها رئيساً للوزراء. وفي نفس الوقت واجه نوري السعيد، في حياته وبعد مصرعه، دعاية مضادة وسمعة سيئة خاصة في أوساط التيارين، القومي واليساري، في العراق وفي البلاد العربية على حد سواء.

إحدى المشاكل الرئيسية في ثقافتنا المورثة هي المبالغة في إسباغ الصفات الحميدة على من نحب بحيث نجعل منه عبقرياً وملاكاً، ونحط به إلى أسفل السافلين ونضفي عليه أسوأ صفات العمالة والخيانة إذا كنا نبغضه. فنوري السعيد عند خصومه خائن وعميل، وعند محبيه هو ليس وطني مخلص فحسب، بل عبقري وداهية في السياسة دوَّخ الإنكليز وغير الإنكليز.

وكان آخر مقالين أطلعت عليهما مؤخراً بهذا الخصوص، مقال للسيد شاكر عبد الكريم، بعنوان هل (كان نوري السعيد عميلا؟) نشر في مدونته بتاريخ 18 آب 2007، والثاني للسيدة ميادة العسكري، في موقع صوت العراق، بتاريخ 16/5/2008 وبعنوان: (نوري السعيد…خائن) وهي تقصد العكس طبعاً. دافع الكاتبان بإخلاص عن السعيد. كما ونشرتْ مقالات كثيرة أخرى بهذا الخصوص من الصعوبة ذكرها جميعاً في هذه العجالة، ولكن معظم هؤلاء الكتاب، وبعد كل ما حصل للعراق من كوارث، راحوا يندبون حظنا العاثر، ويدافعون عن المرحوم نوري السعيد ويتذكرونه بالخير، وفق مقولة (اذكروا محاسن موتاكم) ويستنتجون ويؤكدون في مقالاتهم أنه لم يكن عميلاً ولا خائناً لوطنه، بل كان سياسياً بارعاً ووطنياً مخلصاً إلى أبعد الحدود.

أقول، وعلى الرغم من موقفي المؤيد بحرارة لثورة 14 تموز 1958، ومن محبي الشهيد الزعيم عبدالكريم قاسم، والمدافع عنهما، إلا إني أتفق تماماً مع استنتاجات كل من دافع عن دوافع نوري السعيد ونواياه الوطنية الحميدة، وأضم صوتي إلى أصواتهم أن نوري سعيد لم يكن خائناً لشعبه ووطنه كما يصوره الخصوم، ولكن في نفس الوقت، لم يكن ملاكاً، ولا داهية في السياسة بحيث كان يتخوَّف منه الإنكليز، إذ كان الرجل وطنياً عراقياً مخلصاً إلى أبعد الحدود، ونداً لنظرائه الأجانب، وله نقاط ضعفه التي أدت بالإطاحة به وبالنظام الملكي وزج العراق في سلسلة طويلة من العواقب الوخيمة ودوّامة متواصلة من العنف. واعترافي بوطنية نوري السعيد وإخلاصه للعراق لا يتناقض مع موقفي من الثورة ومن نوري السعيد أبداً، وسأوضحه أدناه.

فالسؤال المهم هنا هو، إذا كان نوري السعيد وطنياً مخلصاً وداهية في السياسة، فلماذا وكيف فشل؟ ولماذا حدثت الثورة عليه وعلى النظام الملكي؟ ولماذا دخل العراق في هذا النفق المظلم وحصل ما حصل من بعده؟ وأين الخطأ؟

بالطبع لا يمكن الإجابة على كل هذه الأسئلة بالتفصيل وفي هذه المساحة المحدود، ولكني أحيل من يرغب في التعرف على الموضوع بشكل أوسع، إلى فصل خاص بعنوان (أسباب ثورة 14 تموز) في كتابي بعنوان: (ثورة 14 تموز وعبد الكريم قاسم) أضع الرابط في نهاية المقال. ولكن دعونا الآن نركز على السؤال المهم وهو: لماذا فشل نوري السعيد في تجنب الثورة عليه وما هي نقاط ضعفه؟

من نافلة القول، أن نجاح أي زعيم سياسي لا يعتمد فقط على إخلاصه في واجبه، وحسن نواياه الوطنية، وسيرته الشخصية الحسنة، وتحيزه للحق ضد الباطل، رغم أهمية توافر هذه الخصال الحميدة في القائد، كما في أي شخص آخر، بل وكذلك على قدرة الزعيم السياسي على المناورة وفن التواصل والمخاطبة مع الناس، وقوة الإقناع والتأثير الإيجابي على المواطنين لإيصال أفكاره لهم، وعدم الاستهانة بقوة المعارضة والخصوم، والتعامل الصحيح معهم، وإتقان ما يسمى بفن الممكن، كذلك القدرة على فهم متطلبات المرحلة التاريخية والاستجابة لها. أما نوري السعيد، فرغم نزاهته ووطنيته، وإخلاقة الطيبة كإنسان، كان من أهم نقاط ضعفه أنه بقي على ثقافته العثمانية القديمة دون أن يتطور مع تطور المجتمع العراقي، واتبع سياسة القمع في فرض سياساته بغض النظر عن أهداف هذه السياسة فيما إذا كانت في صالح الشعب أو ضده. وكغيره من الزعماء العرب، كان مصراً على احتكار السلطة لنفسه والتمسك بها إلى آخر لحظة من حياته، ولن يتخلى عنها إلا عن طريق الموت أو إزاحته بالقوة. وهذا ما حصل له.

لا شك أن بدأ العهد الملكي بداية حسنة واعدة ببناء نظام ديمقراطي ونهضة حضارية حديثة، ولكن كان ذلك فقط في مرحلته الأولى، أي فترة المرحوم الملك فيصل الأول، حيث انتهج سياسة التطور السلمي التدريجي. فكان الرجل يلتقي باستمرار بقادة المعارضة والشخصيات الوطنية ورجال الدين ورؤساء العشائر، يستمع إلى آرائهم وطلباتهم ويشرح لهم الصعوبات التي تواجه الدولة وهي في طور التكوين في تلك المرحلة الصعبة، وكان يهدئهم ويطمئنهم على تحقيق مطالبهم، على شرط أن لا يحاولوا فرضها على الدولة بالقوة، وأن هذه الطلبات ستتحقق مع الزمن، وأن خيراً عميماً ينتظرهم جميعاً إذا ما تجنبوا العنف. لذلك كان الملك فيصل الأول يعمل كصمام أمان للعراق حيث سارت الأمور في عهده بهدوء نسبي وحذر، وكان التطور التدريجي يجري بسلام.

ولكن حصلت القطيعة مع سياسة فيصل السلمية بعد وفاته المبكر وفي ظروف غامضة، فتغيّرت الأمور رأساً على عقب، وامتنع الحكام من بعده عن أي حوار أو تفاهم مع المعارضة الوطنية. وكان نوري السعيد هو الأبرز من بين رجال الدولة، وكان ذو ثقافة عثمانية قديمة كما أشرنا آنفاً، غير ملمٍّ بفن التواصل مع الآخرين، فلم يكن خطيباً مفوهاً ولا كاتباً مثقفاً، ولا محاوراً مقنعاً، ولم يهتم بالدعاية والإعلام من أجل شرح سياساته وإقناع الآخرين والمعارضين بجدواها، إضافة إلى أنه كان ينظر إلى الجماهير والمعارضة نظرة استخفاف واستهانة، معتمداً كلياً على سياسة القمع بواسطة القوى الأمنية في حماية نظامه، وعلى شيوخ العشائر من الإقطاعيين في إدارة الحكم واستمراره في السلطة، مردداً مقولته المعروفة (دار السيد مأمونة). وبإيجاز شديد، وكما قال عنه المؤرخ الفرنسي بنوميشان في كتابه (ذكريات سياسية عام 1957-1958): ” كان نوري السعيد في واد والشعب العراقي في واد ولا يعير أي إهتمام لرأي الشعب به.”

ونتيجة لذلك، كانت النخب الثقافية والدينية والسياسية معارضة لسياسات العهد الملكي وبالأخص لسياسات نوري لسعيد، وتؤلب عليه وتحرض الشعب للثورة. وكان هو الآخر يعطي الذخيرة لخصومه، إلى حد أن صارت معارضة السلطة في ذلك العهد من الشروط الوطنية.

وبالمناسبة، انتهيت قبل أيام من قراءة كتاب قيم للراحل طه حسين، بعنوان: (الفتنة الكبرى) وبجزأيه، عثمان، وعلي وبنوه. أرى هنا تشابهاً بما حصل في المرحلتين التاريخيتين المتباعدتين. فهناك من ألب في الخليفة عثمان ودعوا للثورة عليه، ولما تحقق لهم ما أرادوا وقتلوه شر قتلة واختاروا علي بن أبي طالب خليفة لهم، ثم انقلبوا على الخليفة الجديد وملئوا قلبه قيحاً، إلى أن قتلوه وهو يصلي صلاة الفجر، فدخل المسلمون في فتنة كبرى لم يتخلصوا من آثارها المدمرة إلى الآن. شيء من هذا القبيل، حصل في العراق في تاريخنا الحديث، حيث حرَّض الجميع للثورة على نوري السعيد والعهد الملكي، ولما تحققت الثورة انقلبوا على قائدها الزعيم عبدالكريم قاسم وقتلوه شر قتلة، وكما قال عنه المفكر البحريني القدير الدكتور عبدالله المدني: “… كان –قاسم- عفيف اللسان نزيه الكف لم تذكر خطبه المسجلة كلمة شائنة في حق خصومه ولم تذكر دفاتره انه حقق جاهاً أو مالاً لنفسه أو لعائلته من وراء مناصبه.. مات كما لم يمت غيره من صناع تاريخ العراق، وحيداً دونما جاه أو قصور أو أطيان، أو حتى ملابس مدنية، ودونما أحزاب ومتحزبين ومليشيات، بل دونما زوجة أو وريث من صلبه.. بل سيذكر التاريخ أن الرجل الذي فجر الثورة وأسس الجمهورية وحالف الفقراء ووهب الوطن كل حياته لم يجد في أرض العراق الواسعة مترين من الأرض ليحتضنا جثته المثقوبة بالرصاص، وفضل رفاق الأمس في ظاهرة تكشف قلة الوفاء وسيطرة النوازع الانتقامية، ان يرموا بالجسد في النهر ليكون طعاما للأسماك، حتى لا يعود العراقيون ذات يوم حينما يعود الوعي الغائب أو المغيب قسراً، إلى الترحم على رجل لم يبخل على أهله بشيء، فبخل الأهل عليه بكل شيء بما في ذلك القبر!”

يقول أنصار الملكية أنه كان في العراق في العهد الملكي برلمان وانتخابات ودستور دائم.
ولكن العبرة، أيها السادة، ليست في وجود الدستور والقوانين المكتوبة فحسب، بل في الدور العملي لهذا الدستور في حياة المجتمع، وتطبيق القوانين. أما الوضع في العهد الملكي وكما لخصه الشاعر العراقي معروف الرصافي بقوله:
عَلَمٌ ودستور ومجلس أمـة كل عن المعنى الصحيح محرَّفُ

ولم تكن المعارضة حرة كما يدعي البعض، والمسألة نسبية هنا، بل زُجَّ بزعمائها وحتى الليبراليين منهم في السجون، كما وتم إسقاط الجنسية عن الكثير من المناضلين ونفيهم إلى الخارج دون مبرر، فقط لأنهم كانوا من المعارضة رغم أنها كانت معارضة سلمية. أما قيادة الحزب الشيوعي فتمت إبادتها بدون أي مبرر أيضاً، وكان التعذيب الجسدي والسجن في نقرة السلمان الصحراوي سيئ الصيت، من نصيب الشيوعيين وحدهم… وأما الانتخابات فكانت تزيف علناً بشهادة المؤرخين. وكانت المظاهرات السلمية والإضرابات العمالية والطلابية تواجه بالرصاص، ومجزرة عمال نفط كركوك (كاور باغي) باتت معروفة للجميع. إضافة إلى أن معظم السياسات الخارجية للحكومة آنذاك كانت ضد طموحات التيار الشعبي العام السائدة على ذهنية الشعب العراقي وشعوب المنطقة وتطلعاتها، بغض النظر عما إذا كانت هذه السياسات أثبتت صحتها في المستقبل. كل هذه السياسات وغيرها، هي التي جعلت العهد الملكي ونوري السعيد ملعونين في نظر الشعب.

لقد حصل في العراق تطور اجتماعي واقتصادي لا يستهان به في العهد الملكي، وظهرت طبقة عاملة إلى جانب طبقة برجوازية صاعدة من بينها شريحة واسعة من المثقفين، تطالب بدورها في المشاركة في الحكم. إلا إن الطبقة الحاكمة القديمة وعلى رأسها نوري السعيد، رفضت التجاوب مع متطلبات التطور وخاصة حاجة العراق للديمقراطية. إذ كما قال المؤرخ العراقي الدكتور كمال مظهر أحمد: “وفي الواقع إن أكبر خطأٍ قاتل ارتكبه النظام (الملكي) في العراق يكمن في موقفه من الديمقراطية، فعلى العكس من منطق الأشياء، سار الخط البياني لتطور الديمقراطية في العهد الملكي من الأعلى إلى الأسفل، لا من الأسفل إلى الأعلى، ويتحمل الجميع وزر ذلك، ولكن بدراجات متفاوتة”. وأنا أعتقد أن نوري السعيد يتحمل القسط الأكبر في هذا الخلل.

لقد كان العراق بأمس الحاجة إلى التغيير والإصلاح السياسي السلمي، وخاصة في السنوات العشر الأخيرة من العهد الملكي. ولكن النظام نفسه، وبالأخص نوري السعيد، وقف ضد التغيير وأمعن في انتهاك حقوق الشعب وعمل ضد الدستور، وأوقف التطور السلمي التدريجي الذي انتهجه الملك فيصل الأول، ووقف عقبة كأداء أمام التحولات السياسية والاجتماعية التي فرضتها قوانين التطور.

وقد بلغ السيل الزبىَ، بتدخل نوري السعيد ضد منطق التاريخ، عام 1954، عندما حصلت محاولة إصلاح سياسي، وتسلَّم رئاسة الحكومة ولأول مرة في تاريخ العراق آنذاك، رجل مثقف ومستنير بالمعنى العصري، وهو الدكتور محمد فاضل الجمالي الذي تلقى تعليمه الجامعي في إحدى الجامعات الأمريكية، ونال منها درجة الماجستير والدكتوراه، وكان من تلامذة الفيلسوف الأمريكي المعروف جون ديوي. فقام الجمالي ببعض الإصلاحات السياسية، حيث أطلق سراح السجناء السياسيين، وأجاز الأحزاب السياسية (عدا الحزب الشيوعي طبعاً) والمنظمات النقابية، كما وأجريت الانتخابات النيابية، فاستطاعت أحزاب المعارضة أن تفوز بـ 11 مقعداً من مجموع 131 مقعداً. ولكن لم يتحمل نوري السعيد وجود هذا العدد من نواب المعارضة رغم قلته، فما كان منه إلا وأن قام بانقلاب القصر على زميله الجمالي، واستصدر الإرادة الملكية بحل البرلمان بعد جلسة واحدة فقط من افتتاحه بخطاب العرش. نقول، ماهو تأثير 11 نائباً معارضاً من مجموع 131 نائباً على قرارات السلطة الحاكمة؟ أليس هذا دليل على عدم تسامح السلطة الملكية مع المعارضة الديمقراطية حتى وإن كانت ضعيفة، وأنها بعملها هذا كانت تحث الخطى نحو الهاوية؟ إن هذا العمل الذي اقترفه نوري السعيد لا يدل مطلقاً على ذكاء ودهاء وحنكة سياسية، بل هو التهور بعينه واللامبالاة بالعواقب. وأكاد أجزم أنه لولا تآمر نوري السعيد على فاضل الجمالي، واغتيال الديمقراطية عام 1954، لما حصلت ثورة 14 تموز 1958 وما حصل فيما بعد.

لقد كان نوري السعيد مغروراً بنفسه أشد الغرور، ومستهيناً بالآخرين أشد الاستهانة، وكان في حالة انفصام تام عن الواقع، دون أن يعي مخاطر الاستهانة بالشعب. لقد اجتازته المرحلة، إذ كما قال عنه الصحفي البريطاني بول جونسن عام 1957: “نوري السعيد، وإن كان ما يزال حياً، فهو أشبه بالمخلفات التاريخية البالية.” (بول جونسن، رحلة إلى الفوضى، ص 18). فكان على نوري السعيد في أوائل الخمسينات أن يتقاعد ليريح ويستريح، أو على الأقل أن يفسح المجال للجيل الجديد، جيل فاضل الجمالي وأقرانه للعمل السياسي، ولكنه بقي متمسكاً بالسلطة إلى آخر نفس..

وبعد انقلاب القصر على الجمالي، وأسباب كثيرة أخرى، يئِسَ قادة الأحزاب الوطنية في جبهة الاتحاد الوطني، وفقدوا كل أمل في إجراء أي إصلاح سياسي بالوسائل السلمية، فاضطروا إلى اللجوء إلى القوة لإحداث التغيير عند الاقتدار، أي إلى الثورة المسلحة التي كان الجيش هو أداتها المنفذة.

ومن كل ما تقدم نستنتج أن المسئول الأول عن تفجير ثورة 14 تموز 1958 هو نظام العهد الملكي نفسه وبالأخص نوري السعيد، لأنه فشل في مواكبة التطور والاستجابة لمتطلبات المرحلة وظروف العراق آنذاك. ولهذا صرح قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم مرة قائلاً: ” لو اعتقدنا أنه كان باستطاعة الشعب أن يزيل كابوس الظلم الجاثم على صدره، لما تدخلنا بالقوة المسلحة، ولكننا كنا نعرف أن الناس كانوا يائسين ولا من يدافع عنهم .”

وبعد كل الكوارث التي حصلت في عهد حكم البعث الفاشي-الصدامي، قد يبدو نوري السعيد ملاكاً، والعهد الملكي-السعيدي عهداً ذهبياً مقارنة بصدام حسين ونظامه الغاشم وما حل بالعراق بعد سقوطه. ولكن هذا لا يعني أن سياسات نوري السعيد كانت صحيحة وديمقراطية، والقوى الوطنية وعامة الشعب آنذاك كانوا على خطأ. كما ويسأل البعض، أما كان الأجدر بالقوى السياسية والعسكرية الانتظار إلى أن يموت نوري السعيد، ومحاولة تغيير الوضع بالطرق السلمية لتجنيب البلاد والعباد من كل هذه الكوارث التي حصلت فيما بعد؟
والجواب على هذا الاعتراض كما يلي: التاريخ لا يعمل وفق الرغبات والتمنيات. يجب أن نحكم على دوافع الحركات السياسية والثورات الشعبية وفق معايير زمن الحدث، والذهنية السائدة على المجتمع آنذاك، لأن الأمور مرهونة بأوقاتها، ونحكم على الأحداث مثل ثورة 14 تموز وفق معايير ذلك الزمن وليس وفق معايير زماننا، وبعد حصول النكبات فيما بعد. فالذين قاموا بالثورة كانت أيضاً لديهم مبررات كافية، وأسباب وأهداف وطنية مشروعة ونوايا حسنة، ولكن ليس هناك من عنده علم الغيب بأن سيتحول حزب البعث الذي كان أحد أطراف جبهة الاتحاد الوطني في العهد الملكي، إلى تنظيم فاشي وبقيادة شقي دموي مثل صدام حسين، ليهلك الحرث والنسل فيما بعد. إذ كما يقول المثل الإنكليزي: “After the event every boy is clever” أي بعد فوات الأوان كل يدعي الذكاء وامتلاك الحلول الصحيحة.

كذلك ينبغي أن نعرف إن حركة التاريخ لا تعتمد على خبرة وذكاء القادة فقط، ولا تخضع لإرادة الأفراد أو النخب السياسية أو الثقافية كما يتصور البعض، بل تحصل التحولات الاجتماعية وفق مستوى العقل الجمعي للمجتمع والذي هو دون مستوى ذهنية النخب الثقافية. فكما قال الفيلسوف هربرت سبنسر:”أن التحول الحضاري لا يتم على يد بطل، أو حاكم، ولكنه يتم على يد الحكمة الجماعية” أي العقل الجمعي للشعب. أما إذا جاءت نتائج الثورات فيما بعد مخالفة لتطلعات وأهداف الثوار أو صناع التاريخ، فهذا الأمر هو الآخر ليس غريباً على التاريخ، إذ كما قال ماركس: “الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، ولكن النتائج غالباً تكون على غير ما يرغبون”. فحركة التاريخ مثل التطور الطبيعي، يسير وفق مبدأ الصراع بين الأضداد، والاختيار الطبيعي، والبقاء للاصلح، ولكن في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح.

خلاصة القول، لم يكن نوري السعيد خائناً ولا عميلاً لأية جهة أجنبية، بل كان وطنياً مخلصاً للعراق، ونداً كفئاً للإنكليز وغيرهم من قادة العالم، ولكن مشكلته أنه ، كغيره من القادة العرب، كان أنانياً متمسكاً بالسلطة إلى آخر نفس، ومعادياً للديمقراطية والتطور السلمي التدريجي الذي انتهجه المرحوم فيصل الأول في بداية التأسيس. وقد تجاوزته المرحلة واستنفد دوره، لذا كان عليه أن يتنحَّ ليفسح المجال للجيل الجديد، ولكنه رفض، ولذلك جلب على نفسه وعلى العراق البلاء. وإني أعتقد جازماً، أنه لولا قيام نوري السعيد بانقلاب القصر على زميله فاضل الجمالي عام 1954، لسار العراق على نهج الأردن، دون هزات سياسية كارثية، ولما حصل ما حصل.
ــــــــــــــــــــــ
* للمزيد عن أسباب ثورة 14 تموز، أرجو فتح الرابط التالي:
ثورة 14 تموز وعبدالكريم قاسم (3)أسباب ثورة 14 تموز 1958