الرئيسية » الآداب » نشأة الصحافة الكوردية.. صفحات ومواقف القسم الثالث

نشأة الصحافة الكوردية.. صفحات ومواقف القسم الثالث

مميزات الصحافة الكوردية:
الصحافة الكوردية كما قلنا مرآة تعكس الاوضاع التي يعيشها المجتمع والشعب الذي تولد فيه وهي بالتالي نتاج الثقافة التي يعيشها وينتجها هذا الشعب, وكما هو معلوم فان الشعب الكوردي قد عاش ظروفاً واحوالاٍ غير طبيعية ومأساوية طبعت حياة ابنائه وجعلت الحزن واللغة العنيفة تسيطر على حياته.
لذلك كانت الصحافة الكوردية تحمل من الصفات والمميزات الكثيرة التي تميزهذا الشعب الذي وصفه البعض بانه( شعب ليس له الا الجبال صديق) وبان (الاكراد ايتام المسلمين) لذلك تميزت هذه الصحافة بالكثير من السلبيات لانها أي لكي تصبح الصحافة الكوردية بحق مرآة مجتمع*6 هو بالضرورة ليس”الجمهورية الفاضلة” التي تخيَّلتها الفلسفة اليونانية، بل هو كما كل مجتمعات العالم مليء بالايجابيات و بالمقابل حافل بالسلبيات و النواقص و الملفات الساخنة التي تقتضي الحلول، و الحلول لا تأتي إلا بالمشاركة و التفاعل واستخراج كل الأفكار وهنا يأتي دور الكاتب و الصحفي و المثقف في مقدمة المقدمة. ان اهم المميزات التي يمكن ان نسجلها للصحافة الكوردية هي : 1- صحافة منفى ان اول صحيفة كوردية ولدت في القاهرة أي خارج البقعة الجغرافية التي تمثلها ارض كوردستان المعروفة والمجزأة بين اراضي الدول التي ضمت اليها اراضي كوردستان وفق اتفاقية ( سايكس بيكو) فظهور جريدة كوردستان في مصر لها دلالات عدة اهمها *7 : حرمان المثقف الكوردي من التعبير عن رأيه على ارضه ،وهذه النخبة التي تشكلت بعد انتفاضة البدرخانيين ضد الامبراطورية العثمانية ، ونتيجة تلك الانتفاضة اعدم وسجن ونفي الكثير من ابناء تلك العائلة من ارض كوردستان واجبروا على الرحيل الى العديد من المناطق البعيدة عن نفوذ السلاطين العثمانيين، لذلك صدرت الجريدة رغم البعد والمسافات البعيدة وجاءت لتدل على تواصل الانسان الكوردي مع وطنه وقضيته بالرغم من كل المحن والشجون ولتؤكد ان الرابطة تظل بالوطن اقوى وامتن من كل اساليب القمع والاستبداد . كما ان عشرات الصحف الاخرى قد صدرت في مدن ومنافي جديدة بعد ان احكمت الدول التي يوجد فيها الكورد قبضتها ولم يعد لكورد العراق مجالا الا ان يهاجروا الى دمشق مثلا ويناضلوا من هناك او يهاجروا الى طهران وهذا ما جعل هذه الصحافة احيانا تبدو وكأنها صحف تابعة لدول او شعوب اخرى أي للدول التي صدرت فيها لانه من غير المعقول ان الدولة اوالنظام الذي يُضيق الخناق على الكوردي من جنسيته سوف يعطي المجال والحرية للكوردي الآخر القادم من الدولة المجاورة . الا ان ذلك لا يمنع القول او الاعتراف بالدورالكبير الذي قامت به صحافة المنفى لان * 8 تاريخ الصحافة الكوردية منذ بداية ظهورها ولغاية اليوم ، مروراً بمختلف الحقب التاريخية التي مرت بها كان لها دور في تصوير الوقائع والاحداث بكل حيادية ونزاهة ، فضلاً عن نضالها الدائم للدفاع عن القضايا المصيرية للكورد وبما يكفل نيلهم كافة حقوقهم الوطنية المشروعة ، وانها كانت تسعى دائما الى ان تكون صحافة حرة هادفة تضع الوطن في أولويات ما تصبو إلى بلوغه،رغم البعد والاغتراب والمنفى الذي توجد فيه . 2- صحافة مقاومة ان مسيرة وتاريخ اول صحيفة كوردية (كوردستان) التي ولدت في المهجر ورأت النور بعيدا عن أرض الوطن وتنقلها من مكان لآخر بسبب المصاعب والعراقيل الكثيرة، جعلها تحمل صفة الصحافة المقاومة لانها قاومت واستمرت في الوجود لسنين طويلة * 9 بسبب عناد الامير البدرخاني وحبه الكبير للادب والصحافة واللغة الكوردية وحققت الصحيفة اهدافها الى حد كبير واطلقت اشارة البدء لميلاد صحافة كوردية تكون قادرة على طرح اهداف وآمال وطموحات الشعب الكوردي وتعبر عن واقع الشعب الكوردي. لقد كان للاوضاع الصعبة التي يمر بها الشعب الكوردي وتأثيرذلك على مجمل نواحي حياة الشعب الكوردي ومنها الصحافة، من حظر وحجب وخلق العراقيل والعثرات في طريق تقدم وازدهار الصحافة الكوردية.لكن الصحافة الكوردية قاومت دوماً وثبّتت موطىء اقدامها وساهمت بعد ذلك جنبا الى جانب البندقية في انطلاق الثورات التحررية للشعب الكوردي في كل اجزاء كوردستان , ان ماوصل اليه الكورد في كوردستان العراق يعود الى الرصاصات الاولى التي انطلقت من بنادق المناضلين الاوائل الذين كانوا متعلمين ومتنورين ورجال دين في نفس الوقت . 3- صحافة أحزاب ان الكثير من الصحف الكوردية صدرت من قبل احزاب أي من منطلق حزبي ،وبالتالي فان الحرية التي تتمتع بها تدور ضمن دائرة الاحزاب المسيطرة * 10 أي أنها حرية داخل منظومة حزبية تؤمن بحرية الصحافة التي تعود إليها ، على أساس أن كل حزب من حقه تأسيس دائرته الصحفية و إصدار ما تتناسب مع نهجه و فكره من جرائد و مجلات و مطبوعات ، وهذا ما جعلها تصف بانها صحافة احزاب وبالتالي فان ما تنشره وتدعو اليه غالبا ما يكون ضمن الخطاب الاعلامي للحزب الذي يصدرها، لذلك لا يمكن القول بأن هناك حرية صحافة ، كمجال صحفي مستقل و حر ، فذلك شيء غير موجود في كوردستان و لا حتى في العراق و لا في المنطقة بأسرها ، و ذلك لأن الأحزاب الناشطة في الساحة السياسية الآن تؤمن بكل أنواع الحريات ضمن الهيكل الحزبي الخاص بها و لم تتخط بعد بوتقة التحزب و نظرية تسخير الفرد في خدمة الحزب ، تلك النظرية التي أثبتت التجارب فشلها ، حيث يجب اللجوء إلى تسخير الحزب من أجل الفرد الذي في مجموعه يشكلون الشعب و الشعب في النهاية هو الوطن ، و بالتالي تصبح الممارسة الصحفية على أساس التعبير عن وجهة النظر الحزبية جزءاً من أداء واجب حزبي بحت أكثر منه أداء رسالة صحفية إنسانية شاملة قائمة على أسس مهنية ومنهجية أكاديمية. ان متاعب الصحافة مرتبط جملة وتفصيلاً بوصاية حزب واحد وعقلية واحدة, وعلى الصعيد الكوردي مرتبط بأحزاب ذات خطاب أحادي الرؤية لاتعكس فيما تصدره سوى وجهة نظر واضعيها على اغلب التقدير وتصيغ المادة الإعلامية بما يتوازى وخط الحزب وهو ما يلغي خطوط الالتقاء بين الأحزاب ، والقلم الصحفي المجبر إما أن يكتب والخط العام الحزبي أو حينما يكتب بالاتجاه الآخر عليه أن يجد منبراً آخر فتبقى تلك الوسيلة غير محترفة بأكاديمية والصحفي يتخبط في واقعً بعيد الملامح عما تعيشه الساحة الإعلامية في أماكن مختلفة , كما ان منشورات الأحزاب عملياً لم تجتمع كلمتها على اصدار ولو صحيفة واحدة تكون لسان حال المواطن الكوردي.
4- صحافة حكومات ان الصحافة الكوردية وخلال مراحل طويلة من تاريخها كانت اداة بيد الحكومات والسلطة التي تصدرها، وهذا ما نلاحظه بعشرات الصحف التي صدرت في العراق اثناء حكم نظام صدام حسين والتي كانت تحمل كل يوم وعلى صفحتها الاولى صورة صدام وهو يرتدي الملابس الكوردية وهي بالتالي لا تستحق توثيقها او حتى الاشارة اليها , كما يوجد نفس الشيء في تركيا وسوريا وايران ، وبعد عام 1991 وتشكيل السلطة الكوردية في كوردستان العراق ولدت عشرات الصحف التي انشأتها الاحزاب والتي لم تستطع ان تأخذ لها شكل الحكومة اوالسلطة بسبب الوضع المعقد الذي تعيش فيه المنطقة , ولا توجد صحافة موحدة حتى للمؤسسات والنقابات التي كانت تصدر صحف ومنشورات منقسمة ومنشطرة باتجاه هذا الحزب او ذاك ، وهذا ما دفع البعض الى القول * 11 في کوردستان، وجدت فعلا ان هناك صحافة حرة بمعنى الکلمة وقد فوجئت و أنا أقرأ أکثر من صحيفة أو مجلة بآراء و مواضيع جريئة و غير مسبوقة، لکنني وفي نفس الوقت تتبعت الامر لأجد تأثير هذه الآراء و المواضيع المطروحة و صدى تأثيرها على السلطات المحلية وللأسف وجدت ان التأثير يکاد يکون معدوما. وهذا الامر جعلني أمام حقيقة مهمة و هي ان الصحافة الحرة في کوردستان، ليس بالامکان أبدا أن نطلق عليها لقب”السلطة الرابعة” إذ انها تستحق ذلك لو کانت لآراءها وقع و صدى في أروقة البرلمان و الحکومة ومايتشعب عنها” .
5- انها سلطة رابعة لكن مع وقف التنفيذ لقد استطاعت الصحافة الكوردية التعبير عن طموحات و آمال الناس الا انها لم تتمکن من الاقتراب بصورة جيدة منها و تعبر عنها بالشکل المطلوب،لان السلطة الکوردية و الصحفيين يخلطون بين مفهومين الصحافة الحرة وحرية الصحافة وهنا حدث نوع من الارباك ، فنحن لانميز بين الصحافة الحرة و حرية الصحافة. السلطة الکوردية بصورة عامة تريد صحافة أليفة ومطيعة إليها وهي مثل السلطات التقليدية في بلدان المشرق تخاف من الحرية بصورة عامة و من حرية الصحافة بشکل خاص وان امام الصحافة الكوردية شوط طويل حتى تصبح سلطة رابعة،لان ذلك يتعلق باسباب كثيرة منها السلطة السياسية، و تکوين المجتمع، وقسم الى ذات الصحافة الکوردية. الخاتمة لقد تبين لنا من خلال ما تقدم ان موضوع الصحافة الكوردية واسع ومتشعب وقد قمت من جانبي باعداد هذه المساهمة البسيطة بهدف القاء الضوء على نشوء هذه الصحافة التي ولدت على يد المرحوم مقداد مدحت بدرخان الذي اصدر يوم 22 نيسان عام 1898 اول جريدة كوردية باسم كوردستان ،وقد اخذت اليوم بعدا رسميا وشعبيا بعد تأسيس نقابة صحفيي كوردستان في عام 1998 عندما اصدر المجلس الوطني الكوردستاني( برلمان إقليم كوردستان العراق ) قانون نقابة صحفيي كوردستان بمناسبة العيد المئوي لصدور هذه الصحيفة ( كوردستان ) وكانت بادرة ايجابية كبيرة حيث تزامن صدور القانون مع احتفالات الصحفيين بالعيد المئوي لهذه الصحيفة وبدأ الاحتفال منذ ذلك اليوم حيث تقام المهرجانات والاحتفالات الثقافية المتنوعة وعلى مختلف الأصعدة والمستويات . ومن المهم هنا ان نبرز الدور الكبير والفعال الذي قامت به نقابة صحفيي كوردستان التي أمست وبحق بيتا لكل الصحفيين والمثقفين الكوردستانيين خصوصا بعد ان استطاعت ان توجد مكانا مميزا لصحفيي كوردستان وحصل 824 من نقابة صحفيي كوردستان هوية العضوية الدولية الصادرة من الاتحاد الدولي للصحفيين في بلجيكا ،وحصول هذا العدد الكبير من الصحفيين الكورد على هذه الهوية يعتبر انجازا كبيراوهو نتيجة لجهودهم وجهود النقابة التي تكللت بالحصول على صفة العضوية في الاتحاد الدولي للصحفيين منذ حزيران من العام 2003 وقد أصبح أعضاء نقابة صحفيي كوردستان ضمن أل 134 ألف صحفي من الذين ينتمون لهذا الاتحاد الذي يشمل اتحادات ونقابات صحفية في 80 بلدا في العالم وجميعهم يحملون هذه الشارة أو الهوية الصحفية وهي سابقة في العراق في حصول هذا العدد الكبير من الصحفيين على الهوية الدولية التي صدرت من الاتحاد المذكور الذي أضيفت الى سمائه نجمة جديدة مشعة رائعة هي نقابة صحفيي كوردستان .

Taakhi