الرئيسية » مقالات » بـدايــات الغـربـة 28

بـدايــات الغـربـة 28

تتناول الحلقة: قرار مغادرة بولونية. الأستقرار في السويد. تصرفات أساءت لسمعة المهاجرين وأثرت سلبيا على كيفية تعامل السلطات السويدية. كارلسهامن مدينة أقامتي الأولى مدينة صغيرة بسواحلها الجميلة.

كان لقائي بسكرتير اللجنة بعد عودتي من ليبيا بارداً وأحسست لآأبالية في حديثه بمصير دراستي وحتى بمصير عائلتي، ويتظاهر بالحيرة. وتجنب محادثتي بمستجدات المنظمة ومسألة ترحيلي، وكأنني لست أحد أعضاء اللجنة، وهذا مازاد من قناعتي بما ذكره لي البعض من مسألة ترحيلي بطريقة مفبركة. كنت حينها في حيرة من تدبير وضع ومستقبل عائلتي، فزوجتي وبسبب بساطتها وأعتمادها عليّ في كثير من الأمور الحياتية غير قادرة على التصرف وتدبير أمورها بالأعتماد على نفسها، وخاصة تنقلها وسفرها بين الدول وتدبير حياتها في بلد أجنبي بعيداً عني. وبالرغم من قراري بالرحيل لأحدى الدول الأسكندنافية فمازلت متردداً ومتضايقاً من هذا القرار الأضطراري وكأن أمامي حلولاً أخرى أفضل، أو أنني لم أستغل المساعدة التي قدمها الآخرون لي وفي مقدمتهم رفاقي في بولونية.
كان لابد من أستغلال الأيام القليلة المتبقية من إقامة زوجتي والأتفاق مع بروفيسور من جامعة وارشو التكنيكية للأشراف على دراسة الدكتوراة وأختيار الموضوع المناسب. وجدت من الأفضل الأتفاق مع أستاذ أعرفه ويعرفني جيداً من خلال دراستي السابقةً. ووقع أختياري على واحد من أربعة أساتذة سبق وأن كنت أحد طلبتهم، أخترت البروفيسور دنبروفسكي فهو الأفضل لأن أختصاصه في الخراسانة المسلحة وشهرته العلمية على نطاق بولونية إضافة الى تعاطفه معي وثقته بما رويته عن مشكلتي مع العميد گريج يناسب طموحي وأختياري لموضوع بحث الدكتوراة. وضحت له فكرتي بكيفية متابعة دراستي، وأي نوع من المواضيع أسهل لي البحث فيها من مكان أقامتي القادمة، ففي حالة أقامتي خارج بولونية لايمكنني أجراء بحثاً مختبرياً أو حتى تصميمياً، لذلك فأنا بحاجة الى موضع نظري بحت. وافقني على فكرتي وعرض علي ثلاثة عناوين نظرية للبحث أخترت أحداها ( توقعات التطور في الخراسانة المسلحة عالمياً).
أنتهت أقامة زوجتي ولم أحاول مراجعة الشرطة لتمديدها، لأن في حالة رفضهم سيحجزون جواز زوجتي وربما تجبرني الشرطة على المغادرة بالأتجاه الذي لا أريده. كنت حينها أتنقل بين وارشو ولوبلين، وأقمت في أحد ألأقسام الداخلية في وارشو، ولم يكن سكن القسم الداخلي يسع لأستيعاب أثاثي المتواضع. وقد أنقذني أستاذي الدكتور يان يارگوو بعرضه أمكانية حفظ أثاثي في بيته الذي أنتهى من بنائه حديثاً الى حين أستقراري، وبالطبع وافقته شاكراً لموقفه النبيل هذا. عودني هذا الأستاذ الطيب على مواقفه النبيلة، فبالأضافة الى موقفه المساند لي أثناء مشكلتي مع گريج مما رفع من معنوياتي، وقف مع زوجته الكريمة الى جانب زوجتي أثناء سفرتي الى ليبيا وكانت زوجته على أتصال بزوجتي خلال غيابي. وعندما عرفت زوجته بأن زوجتي ستقضي أعياد رأس السنة الميلادية وحيدة مع ولدي نورس، جاءت الى زوجتي ولم تسمح لها بالبقاء وحيدة وأصطحبتها لبيتها لتشاركهم جلستهم العائلية في أحتفالات عيد الميلاد. وجدت مقترح أستاذي في نقل أثاثي لبيته أفضل حل، وهكذا نقلت جميع أثاثي لبيته، ولم أحمل معي سوى حقيبتين من ملابسنا الضرورية.
في وارشو وبعد أتفاقي مع أستاذي المشرف على الدكتوراة، بدأت في جمع المعلومات عن كيفية وطريق السفر الى أحدى الدول المانحة للجوء. لآ أخفي على أحد أنني كنت صفر المعلومات عن الأتجاه والطريق الذي سأختاره. تعرفت عن طريق أحد الأصدقاء السواح الى أحد العراقيين المقيمين في بولونية، وتبين لي أنه قد ساعد كثيرين مقابل أجر للسفر الى السويد. ولأول مرة أحصل على بعض المعلومات حول كيفية السفر وطلب اللجوء، والأمكانيات التي توفرها لنا دول اللجوء من أستقرار نسبي. للأسف كانت ثقافتنا وأطلاعنا على طبيعة الأنظمة في الدول الأسكندنافية مشوهة، فكانت بنظرنا دول رأسمالية لا تختلف كثيراً عن الدول الرسمالية الغربية، وما أشتراكية أحزابها الحاكمة ماهي إلا تحايل ورأسمالية بطريقة ملتوية. حتى أن موقف الحزب من اللجوء للدول الأسكندنافية وغيرها أعتبر مؤامرة يشارك ويساهم فيها مادياً النظام الدكتاتوري المقبور والأشتراكية الدولية!.
كانت محاولتي الأولى لمغادرة وارشو الى فرانكفورت في المانية مروراً (ترانزيت) بستوكهولم في السويد، مستفيداً من حصولي على تأشيرة دخول الى المانية. لكن هذه المحاولة فشلت وطولبت بتأشيرة سويدية. أقترح علي البعض بتغيير بطاقة سفرنا بالطيران على خطوط (بان- امريكان) لتكون وارشو فرانكفورت ستوكهولم. ونجحت الخطة وقد ساعدنا في ذلك تأشيرة الدخول السويدية التي كلفتني 60$ للجواز، وهي تأشيرة كانت متوفرة لدى البعض من العراقيين رواد مقاهي وارشو ممن وفرت له مأساة العراقيين فرصة المتاجرة بتسهيل تهريبهم مستفيدين من الفساد المستشري في أجهزة الحدود في بولونية الأشتراكية السابقة!.
وصلنا أنا وزوجتي وولدي نورس مطار ستوكهولم وسلمنا أنفسنا للسلطات السويدية. وفي قاعة الأنتظار تجمع مجموعة من طالبي اللجوء، عراقيون، إيرانيون، أكراد وأتراك. أثار أنتباهي تصرف شاب إيراني وصديقه، فما أن طلب منهما الجلوس والأنتظار لأجراء التحقيق الأولي حتى طلبا ودون أي حرج من موظفي الهجرة توفير وجبة طعام لهما لأنهما جائعان! وأستجاب لهما المسؤولون دون أي أعتراض، بمرافقتهما الى مطعم المطار ليتناولا وجبة كاملة على حساب دائرة الهجرة ويعودا وكل واحد منهما يحملة قنينة كولا. منذ اللحظات الأولى لتعاملنا مع شرطة المطار وموظفي الهجرة لاحظنا الفرق الشاسع في أسلوب التعامل في السويد مقارنة الى ماعنيناه في بولونية. المحققون السويديون كانوا يتعاملون معنا بكل أنسانية وكأنهم أصدقاء يستمعون الى ماترويه لهم بثقة عالية ولايشككون برواية اللاجيء إلا نادراً. ذكرني ذلك بتعامل شرطة لوبلين عندما حققوا معي حول تمديد إقامة زوجتي أو حول علاقتي القديمة بسكرتيرة حزب العمال البولوني الموحد في مدينة بوتسك. بعد أن رويت لهم معاناة زوجتي في ولادتها الأخيرة وأنعكاس ذلك على صحتها النفسية، أكتفوا بالتحقيق معي فقط ولم يحققوا معها كي يتجنبوا إثارة أحزانها ومداراةً لمشاعرها.
لم يستغرق قرار حصولنا على الأقامة طويلاً، فبين دخولنا السويد وحصولنا على حق الأقامة أربعة أسابيع. ومن موقع أقامتنا في معسكر بمنطقة بفرلاند (Bevärland) بذلت جهوداً للأنتقال الى أحدى المدن الكبيرة مثل يتبوري أو مالمو، ولكن للأسف لم يكن هناك أهتمام أو خطة مدروسة في تجميع الأصدقاء والرفاق في أماكن محددة وترك ذلك للجهود الفردية. عدلت عن هذه الفكرة ووجدت من الأفضل الأقامة في الجنوب السويدي المحاذي لبولونية، فهذا القرب سيختصر الوقت والتكاليف المالية في مواصلة دراستي للدكتوراة. ونجحت بمساعدة الصديق الطيب فائز الطيار في الحصول على أمكانية السكن في مدينة كارلسهامن (Karlshamn) جنوب السويد في محافظة بلكينكه (Blekinge)، وكارلسهامن بلدية صغيرة لايتجاوز عدد سكانها مع الضواحي التابعة لها 35 الف نسمة.
حسناً فعلت في أختيار مدينة صغيرة، ومن محاسن المدن الصغيرة، وهذا مالم أخطط له وأنما أكتشفته بعد سنوات، أمكانية الأهتمام ورعاية الأولاد بعيدا عن صخب الحياة ومغرياتها في المدن الكبيرة وما يصاحبها من أنحرافات أخلاقية مخالفة لعاداتنا وتقاليدنا والتي تتشكل من كثرة وتنوع التجمعات الأجتماعية والأثنية وكل مجموع تحمل في داخلها ثقافاتها وعاداتها بحيث يكون من الصعب السيطرة على مراقبة حركة وعلاقات أبناؤك وسط هذه التجمعات المختلفة. في هذه المدينة الصغيرة كانت عائلتي العراقية الثانية، بينما أكثر العوائل هي من أصل فلسطيني ولبناني.
لأول مرة منذ هجرتي الأضطرارية عام 1979 أحس وعائلتي بالأستقرار والأطمأنان على مستقبل ولدي نورس. ولأول مرة أحس بالملموس ماذا تعني كلمة حقوق الأنسان بالرغم من كل مايشوبها أحيانا من أنتهاكات من قبل بعض السويديين أو مؤسساتهم بقصد أو بغير قصد. كانت زوجتي ترى أن أستقرارنا في بيت يجمع شملنا دون أن نكون واقعين تحت ضغوط خارجية لمغادرة البيت أو الأضطرار لمغادرته لأي سبب كان علامة جيدة للأستقرار. ففي السنوات الماضية ومنذ التحاقها كزوجة عام 1980 أضطررنا لأسباب خارج أرادتنا للتنقل من بلد لآخر أربعة مرات. وخلال ثمانية سنوات تنقلنا من بيت لآخر 16 مرة، وفي شهر واحد أضطررنا أن ننتقل في الجزائر الى ثلاثة بيوت. حتى أن ولدي نورس وكان طفلاً في التحضيري عندما سمع بأننا سنغادر الى السويد بكى بحرقة، معلقاً بأن أنتقالنا تقرر بعد أن تعلم اللغة البولونية وربما بعد أن يتعلم اللغة السويدية ننتقل به مجدداً الى الصين!. لذلك كانت زوجتي تكره الأنتقال لما يسبب لها من متاعب وعدم أستقرار، فالحمل الأكبر يقع على عاتقها في طريقة تجميع أثاث البيت وتنظيمه.
في هذه مدينة كارلسهامن الصغيرة والواقعة على الساحل الجنوبي للسويد المقابل لشمال بولونية والمشرفة على بحر البلطيق، عاش فيها ولدي طفولته بدءً بالتحضيري حتى أنهى الثانوية فيها. وفي هذه المدينة الطيبة بأهلها حصلت زوجتي على العناية الجيدة من قبل طبيبها ذو المشاعر الأنسانية الرائعة يركار ليليستراند (Jerker Liljestrand) في رعاية حملها، خاصة بعد أن أستمع لمعاناتها وفشل آخر حملين لها وفقدانها لوليديها. وقبل موعد ولادتها بشهر ونصف قرر طبيبها تحويلها الى مستشفى مدينة كارلسكرونة (Karlskrona)، التي تبعد عن مدينتنا 60 كلم، لتبق فيها لمدة شهر تحت مراقبة ورعاية أطباء متخصصين في المستشفى لتدارك مايحدث لحملها من مفاجئات غير محمودة، وتجنبا للمفاجئات قرر إجراء عملية قيصرية مبكرة للحفاظ على صحتها وصحة طفلها.
بعد تنقلنا بين معسكرات اللاجئين وأستقرارنا في كارلسهامن سمعنا بقصص وروايات كثيرة عن الأسلوب الأنساني في تعامل موظفي دوائر الهجرة والشؤون الأجتماعية مع اللاجئين. هذا التعامل الأنساني والثقة العالية التي منحتها دوائر الهجرة والشؤون الأجتماعية بموظفيها لللاجئين وتصديقهم لجميع رواياتهم دون تشكيك، أستغلت للأسف بطريقة دنيئة من كثيري ضعاف النفوس من العرب، مما أنعكست مستقبلاً سلباً على طريقة التعامل مع اللاجئين. وبحكم إقامتي لأكثر من عشرة سنوات في مدينة صغيرة لايتجاوز سكانها 25 ألف، وأقام فيها لاجئون عرب عددهم كبير نسبياً متمركزين في مركز المدينة، سمعت قصصاً وأساليباً من الأحتيال والكذب على مسؤولي الشؤون الأجتماعية لغرض الكسب الرخيص والأبتزاز المهين. أخبرني أحدهم عن شطارته كيف أستلم في شهر واحد معونة أجتماعية ثلاثة مرات مدعياً ضياع نقوده مرة وخسارتها بالبوكر مرة أخرى!. أما طوني، تحدثنا عنه زوجته كيف جاء عائدا بعد مقابلته لمسؤولته في الشؤون الأجتماعية، طالباً من زوجته مساعدته وبسرعة لنقل جميع أثاث بيته الى الشلري (مخزن صغير ملحق بالبيت تحت الطابق الأرضي)، وعندما سألته عن السبب، أخبرها بأنه أدعى عدم توفر أي أثاث في بيته والجميع يجلس على الأرض والمسؤولة ستزورهم لتتحقق من صحة أدعائه!. تقول زوجته أستغربت من حكايته فقبل أشهر أدعى أدعاء مشابه وحصلنا على مبلغ جديد لتأثيث البيت وهاهو يعيد نفس القصة!. وفعلا نجح هذا المحتال في الحصول ثلاثة مرات على مبلغ لتأثيث بيته. وآخرون كانوا يقابلون مسؤولهم في الشؤون الأجتماعية مصطحبين أطفالهم حفاة وبملابس مهترأة ليكسبوا عطفهم ويحصلوا على مساعدة إضافية!. آخرون كانوا يفتعلون وبأستعراض مسرحي الخلافات العائلية والمشاكل مع أبنائهم، للفت نظر دائرة الشؤون الأجتماعية والأهتمام بهم وبأطفالهم بطريقة أستثنائية معنوياً ومادياً، وفي معظم الأحيان تتحول هذه المشاكل المفتعلة الى مشاكل جدية تدمر أستقرار العائلة. ليس هذا وحسب، وأنما تمادت بعض العوائل في طرق أحتيالها لزيادة ماتحصل عليه من معونة مالية، وذلك بالأقدام مسرحياً متظاهرين بكثرة المشاكل بين الزوجين ومن ثم الطلاق! كان هدف البعض من ذلك هو التهرب من مسؤولية البيت والحصول على معونة أجتماعية أكبر لأنقسام العائلة الى عائلتين كل منها تحصل على معونة أجتماعية وربما رعاية أكبر. وعندما بدأت أجهزة الشؤون الأجتماعية أكتشاف هذه الألاعيب القذرة والتي تكلف الدولة السويدية الكثير من خزينة الدولة والمخصصة للمساعدات الأجتماعية، أضطرت دائرة الشؤون الأجتماعية وخاصة في المدن الصغيرة بمراقبة العوائل المطلقة، وأكتشفت أن بعض المطلقين مازال يسكن مع زوجته وأطفاله بالرغم من توفير بيت آخر للزوج! من المخجل أن يمارس البعض وبطرق وضيعة التحايل على مجتمع وفر له الأستقرار الأقتصادي والأمن وهيأ لأبنائه ظروفاً لم توفرها له دولته وشقيقاتها من دول عربية وأسلامية، وهم بذلك يستغلون بعض الثغرات في القوانين التي تسمح لهم بالأحتيال والكسب الغير مشروع.
أستقر بنا المقام لأكثر من عشرة سنوات في مدينة كارلسهامن، ورغم إيجابياتها التي ذكرتها كونها مدينة صغيرة، ففيها من السلبيات التي لابد من التعايش معها، إضافة للسلبيات التي تطرقت لها آنفا وهي سلبيات عامة لاتخص المدن الصغيرة. فالمدن الصغيرة تفتقد لأمكانيات المدن الكبيرة، فالمدن الكبيرة أصبحت في التسعينات من القرن الماضي مركزاً لتجمع العراقيين يمكن فيها تشكيل جمعيات ومنظمات مجتمع مدني للعراقيين وبذلك تفتح أمام العراقيين فضاءً مفتوحاً من العلاقات الأجتماعية والنشاطات الثقافية أذا ما أستغلت هذه الظروف بحكمة ورغبة صادقة في تعزيز العلاقات الأجتماعية، وهذا مالم توفره مطلقاً المدن الصغيرة مثل كارلسهامن. كما أن المدن الصغيرة لاتوفر أمكانيات جيدة للعمل مثلما توفره المدن الكبيرة، حيث المراكز التجارية والمؤسسات الصناعية الكبيرة المتنوعة. حتى مستوى تعلم اللغة السويدية للمهاجرين يكون متدنياً في المدن الصغيرة مقارنة بالمدن الكبيرة لضعف أمكانيات البلدية وقلة الأجانب، فمثلا كان الصف يضم طلبة أجانب من دول مختلفة وأعمار متباينة ومستويات ثقافية مختلفة، فتجد الأمي الذي لم يمسك في حياته القلم يجلس بجانب الخريج الجامعي ليتعلم اللغة بطريقة تدريس واحدة لاتفرق بين المستويين. وفي المدن الصغيرة وبحكم صغر المجتمع المهاجر نسبياً، يمكنك أن تعرف مايدور ومايحدث داخل مجتمع المهاجرين من القومية الواحدة وأقصد العرب. ويتداول البعض قصص البعض الآخر في التحايل على مؤسسات الدولة التي تبنت قضاياهم وأحتضنتهم من أجل كسب المزيد من المساعدات المالية. كذلك تبرز في هذا المحيط، ويمكنك تشخيص ذلك بوضوح، العناصر المنافقة والأنتهازية والطفيلية من محيط المهاجرين والتي تحاول أجترار أساليبها الأنتهازية وسوء تربيتها وأستخدامها من أجل التقرب والتزلف لبعض المتنفذين في المدينة لتحقيق بعض المكاسب حتى وأن كانت على حساب الآخرين.
مدينة كارلسهامن رغم صغرها فهي تعتبر من مناطق السويد السياحية الشهيرة، ففي الصيف تكون فيها الحركة السياحية الوطنية والأجنبية في أوجها، وذلك لساحلها البحري الجميل والنظيف وهدوء بحرها. ساحلها في منطقة ستارنا (sternö) التي تبعد عن مركز المدينة 4 كلم يستقبلك ببساطه الأخضر المنبسط والذي يمتد مسافة تقارب المائة متر وبعرض يزيد عن ذلك حتى يلتحم مع البحر. وتتعانق مياه البحر عناقاً أبدياً وبرفق مع هذا الساحل من الجانب الشمالي بهدوء عاشقين لاينغصهما متطفلون. حينها يغوص الساحل الرملي هويناً في أعماق البحر، حتى أنك تسير فيه ماشياً لمسافة تزيد على مائة متر مطمأناً من عمقه مما يسمح للعوائل بترك أطفالهم يلعبون ويتمتعون بالسباحة وهم مطمأنين عليهم. وصفاء ماء البحر يسمح لك أن ترى أعماقه بوضوح، ويستغل الأطفال هذا الصفاء للعب وأصطياد بعض الأسماك الصغيرة وغيرها من حيوانات مائية. ويحيط هذا البساط الأخضر المتعانق مع البحر من الجانبين غابة كثيفة متنوعة الأشجار تشق بعض أشجارها الصخور البركانية التي تحيط بالساحل من جانبيه الشرقي والغربي. وتكون هذه الغابة ملاذاً للعشاق الهاربين من أعين الآخرين وللذين يبحثون عن الظل هرباً من أشعة الشمس. وفي الساحل الغربي، يتجمع بعض هواة صيد السمك فلا يبخل عليهم البحر من سمك الكراكي ذو المنقار (näbbgädda).
أما مركز مدينة كارلسهامن لايبعد عن ساحل البحر أكثر من خمسين متر، حيث يمتد البحر على جانبها الشمال غربي مسافة تزيد على الكيلومتر ليلتقي بمصب نهر صغير ينحدر من جنوب المدينة. ويفصل مركز المدينة عن البحر كورنيش عريض يكون صيفاً مركزاً لتجمع أهالي المدينة ممن يهوون أصطياد سمك الرنكة (herring / Sill). فتجد المئات يصطفون على ضفاف الساحل ويرمون بعدة صيدهم في مياه البحر الهادئة. وكانت هواية صيد السمك صيفاً على هذا الكورنيش أحدى أهم وسائل التسلية وخاصة للعرب، ومكاناً للتجمع ولقاء العوائل والأطفال وتناول القهوة والكرزات وتبادل النكات وأخبار وقصص الآخرين. فالجميع، كباراً وصغارً رجالاًً ونساءً، يصطف على الساحل ويرمي بعدة صيده، وخلال مايقل عن ثلاثة ساعات نقضيها في أختبار حظوظنا من الصيد يعود معظمنا للبيت محملاً بما لايقل عن أربعة كيلوات من سمك الرنكة.
أضافة لهذا الساحل هناك البحيرات العذبة والمحاطة بالغابات القريبة والتي لاتبعد عن مركز المدينة سوى 7كلم، كالبحيرة الطويلة (Långasjön) في ضاحية آساروم (Asarum)، أو بحيرة هالدا (Halda) في ضاحية سفنكستا (Svängsta) والتي تبعد بحدود 12 كلم عن مركز كارلسهامن. والمناطق السياحية على ساحل البحر مهيأة لأستقبال السواح مع وسائط نقلهم للتخييم والأقامة وتوفير ماهو ضروري من حمامات ومرافق صحية لتوفير الراحة للسائحين وتشجيعهم لتكرار زياراتهم لهذه المناطق الجميلة. كذلك هيأت البلدية منطقة واسعة قرب البحيرة الطويلة لأستقبال السواح، فبالأضافة لأماكن التخييم أنشأت البلدية بيوتاً خشبية مؤثثة لأستقبال السواح صيفاً وشتاءً.
ورغم صغر بلدية المدينة فقد نجحت ولسنوات من أقامة أحد أكبر الكرنفالات والمهرجانات الغنائية. حيث تنظم البلدية في الأسبوع الثالث من شهر تموز من كل عام كرنفالاً لمدة أسبوع تقريباً. وتدعى الفرق الغنائية والمطربين من مختلف أرجاء السويد والدول الأوربية للمشاركة في السباقات الغنائية التي تقام أثناء الكرنفال بأسم مهرجان البلطيق للأغنية، وتوزع الجوائز على أفضل الفرق والمطربين. ومن اليوم الأول للكرنفال تعرض الفرق الغنائية والموسيقية عروضها في شوارع المدينة المحدودة لصغرها، وتكلل نشاط عروضها مساء كل يوم (الساعة السابعة) بمسيرة كرنفالية جميلة تطوف في شوارع المدينة، حيث يصطف الآلآف من سكنة وزوار المدينة للتمتع بمشاهدة المسيرة الرائعة والمنظمة تنظيماً جيداً. حيث تنتهي المسيرة بمرورها أمام المسرح المعد خصيصا لهذه المناسبة في الساحة الوحيدة للمدينة والواقعة في مركزها. بعد أنتهاء المسيرة تتسابق الفرق والمطربين، القادمين من مختلف أرجاء العالم، في تقديم أجمل الأغاني من على منصة المسرح المعد وسط ساحة المدينة بالقرب من المجلس البلدي. هذه المدينة التي لايتجاوز نفوس سكانها بضواحيها 35 الف نسمة، يتجاوز عدد زوارها من السواح والمدن المجاورة أثناء الكرنفال أكثر من مئة ألف. ورغم هذه الزيادة الكبيرة في عدد الزوار فأن المشرفين ومنظمي الكرنفال في البلدية ينجحون في كل سنة على توفير وسائط الراحة وضبط الأمن والأستقرار في المدينة. 

السويد/كربلاء/العباسية الشرقية