الرئيسية » مقالات » موقعنا نحن الكورد في الصراع الشيعي-السني الحالي؟

موقعنا نحن الكورد في الصراع الشيعي-السني الحالي؟

قد يجد بعضهم مصطلح “الصراع السني -الشيعي” عودة إلى الأعماق الداكنة للتاريخ، ولكن في الحقيقة نحن نعيش مرحلة تاريخية قاتمة
من جديد، يستخدم فيها – وللأسف- الكثير من المثقفين والسياسيين هذا المصطلح الذي ربما كان نتصوّر أنفسنا وقد اجتزناه حضاريا وثقافيا… نعم، مع الأسف، التاريخ يعيد نفسه في هذه الزاوية، وبما يمكن وصفه بأنه أشد ضراوة مما كان عليه في الماضي.


الكورد، أمة أصيلة من أمم المنطقة، تشبثت بموطنها (جبال زاغروس) عبر العصور، وانتشرت فيما حولها من هضاب وسهول ووديان مجاورة، حتى اعتبر بعضهم لفظ “الكورد” (*) وصفا خاصا بمجموعة من الشعوب التي كان يطلق عليها منذ عهود السومريين والأكاديين القدامى إسم “شعوب الجبال” الموسومة بصفة “الكورد” أي القوم الشجعان، والقوم المحارب… وشاءت هذه الأمة أم أبت، فإنها عاشت ولاتزال في مثلث أضلاعه الثقافة الايرانية القديمة، والثقافة اليونانية – الرومانية العريقة، والثقافة السامية، ألرسالات السماوية لشعوب المنطقة، المتمثلة بالأديان السماوية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام) ومن بينها الثقافة العربية التي نجمت عن انتشار الدين الإسلامي في بلاد الشام والرافدين التي تم “فتحها!” من قبل حاملي هذه الرسالة الدينية، عنوة أو عن طريق التفاوض، بقبول الإسلام أو فرضه بالقوّة، أو التراضي بعد دفع الجزية للدولة الإٍسلامية المتعاظمة من قبل النصارى واليهود والمجوس… هذه الأقوام الزاغروسية العديدة التي تفاعلت تاريخيا وصارت تدعى بالأمة الكوردية لم تختر بنفسها جيرانها وثقافاتهم، بل هو واقع لايمكن الخروج من اطاره دون أي تأثير به، أو التنكر له أو المناعة ضده، فالتفاعل الحضاري الثقافي الطويل الأمد ساهم في أن تتشرّب هذه الأمة أيضا من تلك الثقافات والتأثّر بها والحياة بموجبها أيضا، ولذا نجد الكوردي اليزيدي الذي يرى أن دينه ليس إلا جزءا لايتجزأ من تفاعل عجيب بين الثقافات الايرانية والآشورية واليونانية، وبين الأديان الزرادشتية والسماوية المختلفة، كما نجد الكوردي اليهودي الذي ترك موطنه الأصلي “كوردستان” بسبب سياسات معينة وانتقل ليعيش في “الأرض الموعودة”، في فلسطين/اسرائيل، ونجد الكوردي المسيحي الذي يهرب اليوم بالجملة إلى الدول الغربية بسبب سياسات القمع التي يتعرّض إليها على أيدي المتطرفين والإرهابيين في العراق، بعد أن عاش فيه منذ أن ظهرت المسيحية كدين في المنطقة، ونجد الكوردي اليزيدي الذي يترك أرضه أيضا كالكوردي اليهودي من قبل، والكوردي المسيحي اليوم، ويلجأ إلى بلدان بعيدة…إضافة إلى الغالبية المسلمة التي لاتزال متمسكّة بأرضها ومحافظة على جذورها، رغم كل سياسات القهر والعدوان والاقصاء والصهر والتهجير التي تمارسها ضد وجوده دول تولّت شؤونه كأمّة مجزّأة منذ اتفاقية سايكس – بيكو الاستعمارية في عام 1916 وإلى الآن… والكوردي المسلم في غالبيته على مذهب السنّة مع وجود أقلية شيعية متناثرة هنا وهناك، في كوردستان التي لاتقل مساحتها عن مساحة خمس دول أوربية مجتمعة هي (الدانمارك وهولاندا وبلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا)… أي أن الطابع العام لكوردستان سنّي بوضوح، من حيث المذهب الديني…


وكما قلنا، فإنه بحكم الوجود الكوردي بين أضلاع مثلث ثقافي ديني متمّيز بتعدده، فقد أضطّر لأن يشارك شعوب المنطقة التي يعيش فيها مع جيرانه كل أيام السرّاء والضرّاء، ويتعرّض في تاريخه إلى غزوات استعمارية متنوّعة، من مختلف الاتجاهات الجغرافية، كانت في معظمها تستخدم الدين والحضارة كأقنعة للسيطرة والاستغلال… من زمن الاسكندر المقدوني، وحتى استقلال دول المشرق العربي من الاستعمارين الانجليزي والفرنسي في النصف الأول من القرن الماضي.


ساهم الكورد في الصراع الشيعي – السنّي تاريخيا مساهمة قوّية في عهد الشاه اسماعيل الصفوي، إذ وقف إلى جانب السلاطين العثمانيين، بتأثير المذهب المشترك بينهم وبين الترك الذين كانوا يشكلّون العنصر الأشد في التركيبة العثمانية الحاكمة، وساهم شيوخ الصوفيين في تفعيل النشاط الكوردي وتسخير قواهم لصالح السلاطين الأتراك، الذين استغلوا الضعف السياسي للكورد والصراعات القبلية بين عشائرهم والخلافات الحادة بين شيوخ الصوفية في كوردستان أبشع استغلال، أولا باغرائهم بمنحهم امارت ذات حكم ذاتي تحت رعاية السلطان سليم الأول، وبتخويفهم من الغزو الشيعي الذي كان في الحقيقة لايرحم الكورد، كما نراه بوضوح في ملحمة “دمدم كه لا” الكوردية الشهيرة، ثم رأينا كيف نكث الترك عهودهم بعد أقل من عشرين عاما فقط، وأفعلوا السيف والنار في بلاد الكورد وديارهم، منذ ذلك الحين وإلى اليوم. ومع الأسف فإن الترك لايزالون يخدعون نسبة كبيرة من الكورد باسم الدين دون أن يمنحوهم أي حق يطالبون به، والدليل على ذلك هو أن عدد النواب الكورد الذين دخلوا البرلمان في آخر انتخاب من خلال قائمة حزب أردوغان الإسلامي يتجاوز ال80 نائبا، في حين أن الذين اختاروا قائمة حزب أحمد الترك الذي هو في الحقيقة مجرّد واجهة لحزب العمال الكوردستاني لم يتجاوز ال 20 نائبا…


ولا يخفى علينا أن الصراع في شمال كوردستان في الربع الأخير من القرن الماضي قد اتخذ طابعا دمويا أليما، ساهم في تسعير آلامه “حزب الله” الذي ذكر الرئيس الراحل للحزب الديموقراطي الكوردستاني – تركيا الأستاذ حمرش رشو بأن حزب الله هذا ، الذي كان مواليا لملالي قم الفارسية ومدافعا قويا عن “الثورة الخمينية” ضد “الواقع السني الآسن والتابع للامبريالية والشيطان الأكبر!” قد قتل ما لايقل عن 25.000 مواطن كوردي، بسبب المشاحنات السياسية ذات الخلفية الطائفية البشعة. ولم يستفد الكورد الذين دافعوا عن ثورة الإسلام في ايران، من حماسهم ذاك البتة، بل أدّى إلى المزيد من الهجرة المدنية الواسعة لشعبهم الكوردي غربا باتجاه المدن التركية التي تحكمها الفاشية التركية برداء سني وصوفي متعنّت ومعاد لكل ما هو كوردي، كما أدّى إلى ارتماء نسبة كبيرة من الكورد في أحضان حزب العمال الكوردستاني المعروف بماركسية – لينينية أفكاره وستالينيته التنظيمية وعدائه السافر لأي اتجاه كوردي اسلامي، حتى وصل الأمر إلى اتهام زعيمه المعتقل حاليا، السيد عبد الله أوجلان، الحزب الإسلامي الكوردستاني الذي أسسه البروفيسور دكتور كابوري في عام 1980 بأنه “حزب إسلامي أمريكي!”…


في القرن الماضي أيضا، وقع الكورد بين نارين، في كل من العراق وسوريا، إذ راح من الكورد الشيعة (الفيلية) آلاف الشباب ضحايا التهجير القسري الذي مارسه نظام البعث العراقي ضمن حملته الاجرامية الدموية الكبرى ضد شيعة العراق، كما راح مئات الكورد السنّة في مدينة حماه السورية أثناء النزاع الدموي بين نظام حافظ الأسد (العلوي) والإسلاميين السنّة منذ اواخر سبعينات القرن الماضي… وهذا دليل كبير على أن نار الفتنة الطائفية تنال من الكورد، سواء أكانوا مساهمين أو متفرجين على حلبة الصراع بين السنّة والشيعة في المنطقة.


في جنوب كوردستان (كوردستان العراق!) حاولت الثورة الكوردية بقيادة القائد الخالد البارزاني مصطفى، ومن بعده ولديه المرحوم أدريس البارزاني والرئيس الحالي لاقليم جنوب كوردستان الأخ الكريم مسعود البارزاني، أن تتجّنب الحركة الكوردية الميل صوب هذه الطائفة أو ذاك، نحو هذا المذهب أو ذاك، بل عملت كل ما في وسعها على ابقاء الكورد مكوّنا عراقيا أصيلا لايتحرّف لقتال بسبب المذهب أو الطائفة، بل فقط من أجل حق الأمة الكوردية وللدفاع عن أمنها وحريّتها، وعلى أن تظل كوردستان مأوا لكل الأعراق والأديان والمذاهب والطوائف، دون تفرقة أو تمييز…وظلت قيادة الحركة الكوردية في العراق على هذا النهج الصحيح، حتى اليوم، رغم كل المحاولات المستمرّة من قبل الطائفيين والمذهبيين لجّر الكورد إلى حلبة الصراع الطائفي في العراق، تلك الحلبة التي أريقت عليها دماء مئات الألوف من المدنيين من مختلف المذاهب والأثنيات العراقية، ومن بينها دماء الآلاف من الكورد أيضا، مسلمين ونصارى ويزيديين وفيليين… ولكن يبدو أن بعض التيارات العراقية تفهم هذا السلوك الكوردي بشكل خاطىء، وتهدد القيادة الكوردية الحكيمة في موقفها الحيادي هذا بأنها ستنال عقابا صارما على “عدم مشاركتها العراقيين حمامهم الساخن الدموي هذا!”…


في غرب كوردستان، اتخذت الحركة السياسية الكوردية موقفا وطنيا واضحا من الصراع الطائفي بين النظام العلوي والحركة الإسلامية السورية في الفترة المذكورة، حيث لم تحمل السلاح، لا إلى جانب النظام ولا إلى جانب الإسلاميين، إلاّ أنها بحكم خلفيتها الفكرية “اليسارية على العموم” كانت تجد في النظام، الذي يضطهد شعبها، حليفا ضد “الامبريالية والصهيونية والرجعية!” وكانت تعتبر الحركة الإسلامية السورية بمختلف تسميات فصائلها جزءا من التحالف الامبريالي – الصهيوني – الرجعي ذاك، وبتأثير واضح من النظام أضطّرت الحركة إلى الوقوف سياسيا مع النظام بشكل أو بآخر…”على الورق على الأقل!” كما يقال…


واليوم، نجد أمامنا لوحة كبيرة وقاتمة من هذا الصراع الاقليمي الذي يتخذ – مع الأسف – طابعا مذهبيا وطائفيا، على الرغم من أن الأسباب الدفينة وغير الظاهرة للعلن هي أسباب استراتيجية، وصراع قومي قديم على الأراضي والخيرات بين الفرس والعرب، كما كان في الماضي بين السلطنة العثمانية والشاهنشاهية الفارسية… بدليل أن العثمانيين وصلوا مع الفرس إلى اتفاق على ترسيم الحدود وليس على وقف الصراع المذهبي، وكذلك وصل البعثيون العراقيون مع الشاه الايراني المخلوع إلى اتفاقية على سحق الحركة الوطنية الكوردية والحركات المعارضة للنظامين وعلى أجزاء من تراب الخليج المشترك، وليس على تحريم الصراع الطائفي…


في هذا الوقت الذي يشهد لبنان الجار انتشار لهيب النار الطائفية التي يسكب عليها الزيت من جهات أجنبية، كان مفروضا أن تقوم الحركة السياسية الكوردية بواجبها التوضيحي أمام الجماهير الكوردية، وعلى مستوى المنطقة، وتؤكد في توضيحها أن الشعب الكوردي السوري وحركته السياسية وقيادة حركته (بمجموع فصائلها) ترفض هذا النهج الطائفي وهذا المسار غير العقلاني صوب حرب ضروس ترفع فيها الرايات الدينية أو المذهبية، في وقت تعاني فيه بلداننا من أزمات اقتصادية حادة ويشعر فيها المواطن أنه فقير الحال لايقدر على اشباع أطفاله… في هذا الوقت بالذات…يحاول بعضهم الهاء شعبنا بالمشاكل التنظيمية والصراعات الحزبية على مستوى الشرائح القيادية… لذا أناشد المثقفين الكورد السوريين في كل مكان أن يحذروا الانجرار وراء هذه المهاترات السخيفة وهذه السياسات البائسة التي تسعى لابعاد شعبنا عن اتخاذ موقف مشترك رافض للسياسات غير الحضارية التي تستهدف اليوم لبنان وغدا ستدّمر المنطقة كلها بأن تفتح الأبواب مشرعة لمختلف التنظيمات المتطرفة والارهابية وبعض القوى والدول التي لاتفكر ولا تتصرف إلا بشكل انتهازي بحت، ولايهمها أن تحدث مذابح كمذبحة العراق، تحت أي شعار كان… المطلوب اليوم : هو وحدة الموقف الكوردي تجاه ما يحدث في لبنان، وتحديد موقعنا نحن الكورد من الصراع الشيعي – السنّي الحالي، لا الدخول في متاهات الخلافات التنظيمية التي لم ولن تنتهي يوما.
(KRG.ORG)

(*) هذا ما نفهمه من دراسة الدكتور فرديناند هيني بيشلر الألماني (تاريخ الشعب الكوردي)(ترقبوا ترجمتنا الكاملة للنص قريبا).