الرئيسية » مقالات » لماذا توجه الرئيس بوش للسعودية بدلا من العراق

لماذا توجه الرئيس بوش للسعودية بدلا من العراق

زيارة الرئيس الأمريكي الحالية إلى المفاصل الرئيسية في الشرق الأوسط , إسرائيل والسعودية ومصر , هي اعتراف واقعي بما لهذه الدول من ثقل وتأثير ونفوذ في منطقة تلعب دورا حساسا وفاعلا في مسيرة الاقتصاد العالمي , للمتوفر فيها من موارد الطاقة , ولكن هل يعكس هذا المثلث واقعا راسخا وتاريخيا في المنطقة أم أن بعض إضلاعه غير ثابتة أو مصطنعة ومرشحة للانهيار , وظروف بقائها وتقدمها اضعف من الصمود في وجه متغيرات السنين .
– مصر , لا اختلاف ولا نقاش حول دورها التاريخي المتجذر في المنطقة اليوم وغدا , بغض النظر عن تبدل نظام الحكم أو الرؤساء أو بوصلة التوجه السياسي , فرغم كل الهزات الاجتماعية الداخلية , يتواجد فيها دوما توازن ومؤسسات , لها قدرة التلاؤم والاستمرار والتعامل غير العنيف مع المتغيرات , يوفر للكيان المصري صفة الاستقرار والثبات , وللمجتمع الدولي الثقة في التعاطي مع النظام رغم الانتقادات المستمرة للممارسات الخاطئة , ولكن هل يمكننا أن نسلم لإسرائيل بنفس الميزات رغم مايبدو ظاهرا وطافيا على السطح من اقتدارها الأمني والعسكري , ورسوخ مؤسساتها وممارساتها الديمقراطية , وحتى غناها وتنوع اقتصادها الذي تتفوق به على مصر , رغم الفارق الهائل في عدد السكان ؟ ميزان الاستقرار والثبات والمستقبل يميل لصالح مصر حتما , فأهمية إسرائيل للغرب الذي يوفر لها القوة الساحقة للبقاء تأتي من تخلف دول المنطقة وانعزال أنظمتها عن التغير الكبير الذي يشمل العالم بأسره , مما توجب بقاء الدولة العبرية كبرج مراقبة لحماية المصالح الغربية .
– ولكن ماذا عن السعودية ! وهل تستحق كل هذه الضجة والأهمية التي تحيط بها نظامها , وهل يتواجد ضمن هيكلها غير المال والنفط الذي يواصل ارتفاعه لتزداد به سيطرة وجنون حكام لايفكرون إلا بمصائرهم الشخصية , ومقدار المتراكم من رأس المال في المصارف بما يحفظ لهم غدهم سواء بقوا فوق كراسيهم أو ارتحلوا , وياليت المال المنهمر وحده هو مايمتلكونه , ولكنه مع عقل فاسد تسكنه الخرافة المتوحشة قاسية مؤذية لاترحم الآخر ولا تتركه بل تهاجمه بغرائزية وحب لسفك الدماء تخجل منها حتى الكواسر , كاشفة عن مخالب وأنياب سلفية وهابية عنصرية طائفية عفنة , رافضة لكل الملل والنحل في مختلف بقاع العالم ولهذا نرى ( الإنسان ) السعودي ومن والاه وسار في ركابه , يفجر نفسه بقناعة ورضا وسط الناس في كشمير الهندية ,وكراتشي الباكستانية , كما في الشيشان وداغستان الروسية , إلى البوسنة ومدريد ولندن , ولا ننسى نيويورك وغزوة مانهاتن مرورا بالجزائر والمغرب , وانتهاء بالشرق الأوسط حيث الآلاف من قطعانهم تزحف للجهاد خاصة نحو العراق والحجة المعلنة تدمير الرافضة الشيعة , وكل سني عربي وكردي ومسيحي يخرج عن طوعهم ولا يتماشى وتعاليمهم .
هي سطوة المال والعقل الجامد المتحجر , الذي زين للغرب وأمريكا الاعتماد عليهم في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي , لمحاربة وتعطيل حركة التقدم العربية في مصر وسوريا والعراق وباقي الأنظمة العلمانية لصالح ظلامية دينية سوداء , وكذلك المشاركة الفعلية والمادية في قتال السوفييت والنظام الشيوعي في أفغانستان بحجة الدفاع عن الإسلام بوجه الإلحاد , ولكن بقاء الأحوال من المحال ويصيب الخسوف البدر السعودي الساطع في السماء الأمريكية منتصف التسعينات ولاحقا , فقد تفتت المعسكر الاشتراكي , وتقولبت ثم انكمشت على حالها الأنظمة العربية ,محافظة على ذاتها , وبانت العيوب الوهابية بحيث أصبح حتى الغرب ورغم الرشاوى لايتحمل تحجر وجهالة مؤسسة النظام السعودي وبناه التحتية والمحاولات المستمرة لحل أزماته الداخلية بتصدير الخراب والموت المسمى بالسلفية الجهادية , بواسطة (مفكريه ) من المهووسين بالخرافة , وقطعان (المجاهدين ) اللذين انتهى مفعولهم الاممي بالنسبة للغرب وتحولوا إلى قنابل موقوتة تتفجر حتى بأيدي صناعها , لتصل أعلى مدياتها في 11/9 /2001 والهزة العنيفة في مناطق صنع القرار, والتحول , لاجتثاث هذه البؤر السادية ابتداء من أفغانستان وانتهاء بالفهم المتأخر والقرار المتردد لأمريكا والغرب برفع اليد والغطاء عن ماتبقى من الأنظمة الدكتاتورية التي لن تتلاءم لا اقتصاديا ولا سياسيا مع مرحلة العولمة والانفتاح الإنساني , لتبقى مصانع لتفريخ الإرهاب بمختلف أشكاله داخليا وخارجيا , ولا بد أن تتلاقى وتتبادل التجارب والمنفعة كل من الظلامية الدينية السعودية مع الفاشية البعثية العراقية في الصراع من اجل البقاء والتمترس معا بوجه المد العالمي التواق للحرية الجماعية والفردية وحقوق الإنسان بوجه الاستبداد , وإشاعة الروح الديمقراطية , والتغيير من خلال صناديق الاقتراع , لا بواسطة الدبابات والمذابح , .
– دخلت القوات الأمريكية والحليفة العراق عام 2003 , وشعر حكام السعودية بالخطر وقرب نهاية الدور والحاجة و المصير , رغم أنهم غير مستهدفين مباشرة ولا تحالف لهم مع محور الشر , ولكنهم يعرفون جيدا بأنهم الأسوأ , فكرا وممارسة ضمن الدكتاتوريات التي سيطالها تدريجيا الهدف المعلن لإزاحة النظام العراقي السابق , ونشر الديمقراطية والحرية للشعوب في المنطقة كبديل لوكر الأفاعي الذي لايبيض ولا يفرخ غير الإرهاب والظلامية .
– اهتزت الكراسي تحت مؤخرات مشايخ وأمراء النظام السعودي بأكثر مما حصل لحظة دخول قوات صدام حسين أوائل التسعينات إلى الكويت , فيومها حبل الإنقاذ جاهز ولا يتطلب سوى المزيد من قوات العم سام , ولا يهم عندها أن يعرف العالم من هو الحامي الفعلي للحرمين الشريفين , من مغامرات الجيران , ولكن اليوم وفي العام 2003 الوضع يختلف , والقوات الأمريكية وحتى التوجه والجهد السياسي والإعلامي الغربي هو نحو بلاد الرافدين , والمذنب الرئيسي في غزوة مانهاتن ونيويورك هم سعوديون لا سوفييت ولا عراقيين , شكلوا أي السعوديون من تربية السلف الصالح الغالبية العظمى من الانتحاريين الراغبين بإبادة حارس وراعي كيانهم منذ نشأته و ولي نعمتهم النفطية , الولايات المتحدة الأمريكية .
– ذلك هو مبرر الرعب من العراق بعد 2003 , بلد الحضارة والثقافة والزراعة والتطور , والتنوع العرقي والقومي والديني والطائفي , بوتقة واحدة تستطيع استيعاب وهضم والتعامل الايجابي مع كل جديد و إضافة إلى كل ذلك والاهم , النفط , واحتياطيه الذي يوازي مالدى السعودية , ولكن بلا بنى تحتية ولا تصدير كمي يتناسب وحجم الاحتياط , لأسباب شتى , لم ولن ينسى احد في العراق , ولا في المملكة ما لآل سعود وتوابعهم من يد طولى فيها .
– هكذا إذن عراق ديمقراطي تعددي فدرالي نفطي متحالف مع الغرب وأمريكا ضد كل العفونة الدكتاتورية المحيطة به و سالبا من السعودية وخلال فترة وجيزة من الاستقرار حتى ورقة التوت البترولية التي تستر بها عوراتها , وبدأت المؤامرات في السر والعلن , والتحالف حتى مع الشيطان ولو كان عزة الدوري نفسه , شاتم الأمراء والمشايخ , وهكذا مرت خمس سنوات عجاف صعبة على العراق وأهله , لا نحاول فيها الآن غير التركيز على النفاق السعودي الذي صور إسقاط صدام حسين بأنه غزو واحتلال يجب مقاومته ! , وهي مهزلة المهازل أو قمة المأساة حينما يصدر حديث كهذا من سعودي , ولكنهم انتصروا,سياسيا وإعلاميا , ولو مرحليا لغباء البعض منا , المتحالف معهم , وعدم تشكل مرجعية وطنية عراقية راسخة تستطيع استقراء حسابات المستقبل , وتفهم أن المشروع الأمريكي حينما يتراجع في العراق فسيكون ذلك لمصلحة نظام التكفير السعودي الذي سيحتضن من جديد التواجد والقوة والمصالح الإستراتيجية الأمريكية , وابسط دلالة على تلك الرغبة هو ماتوارد من أخبار أثناء زيارة الرئيس بوش الحالية للمنطقة وما تمخض عنها من اتفاقات مع أبطال الاستقلال السعوديين وأولها توفير الحماية العسكرية والأمنية الكاملة لمنشات تصدير البترول السعودية , وهل في المملكة شيء مهم غيرها , لو استثنينا مكة والمدينة , وبالتالي كما يبدو سيتفرغ آل سعود لحمايتها بعد أن يؤمن الأمريكان حماية تصدير النفط , المسالة الأخرى هي توفير مفاعلات ومنشات نووية , وذلك معناه مظلة أمريكية أخرى, ورشوة بالمليارات , تنام في حماها العائلة المالكة , يتراجع بعدها المشروع الأمريكي لرفع القمامة والأنقاض , وتبقى هذه المشايخ النتنة سيدة الموقف تهدم وتدمر كل رغبة للتطور والحرية داخل الجزيرة العربية أو في الشرق الوسط , والى أي مدى تصل يدها .
– كل مايفهمه السعوديون فكرا وممارسة , هو تدمير الآخر , أي كان ومتى استطاعوا , بالواسطة واستخدام الآخرين , كمرتزقة ومنفذين , ويبدو أنهم في العراق وللسنوات الثلاثين الأخيرة , قد نجحوا بامتياز , سال فيها الدم العراقي انهارا في الحرب مع إيران , ثم بعد سقوط النظام السابق , وما دفعوه على طريق التفخيخ , والانتحاريين , ليسلبوا من العراق قدرته التصديرية وحصته العادلة من سوق النفط ,و تزيد عندهم الأموال والنفوذ والقدرات , إلى درجة أن يذهب إليهم الرئيس بوش طالبا زيادة أخرى في الإنتاج النفطي , بدل القدوم إلى العراق القادر لو توفرت لمنشاته البترولية بعض الأمن والتقنية الحديثة , على إضافة الملايين من براميل النفط يوميا , فهل ستعيد النخب والمكونات السياسية العراقية حساباتها الاقتصادية , وتقرأ الواقع وسوق النفط بعيدا عن اتهامات العمالة والخيانة وباقي سلع الأنظمة الفاسدة المحيطة بنا والمصدرة ألينا ؟ .