الرئيسية » مقالات » الخيانة الوطنية على الطريقة اللبنانية

الخيانة الوطنية على الطريقة اللبنانية

الشيخ سعد الحريري من حقه ان يقول”حزب الله لم يحتل بيروت الا بتغطية اسرائيلية” فالرجل لم يقل الا الحقيقة, واسرائيل من حقها كذلك, القيام بتغطية عصيان حزب الله, عبر التخفيف من طلعات طائراتها الحربية في سماء لبنان طوال فترة الانقلاب, والتغاضي عن تحركات جحافل مسلحي حزب الله وزحفهم في وضح النهار باتجاه بيروت انطلاقاً من جنوب لبنان, ومن حقها اسرائيل الادعاء بأن مايجري في لبنان هو شأن داخلي, ومن حق النظام السوري هو الاخر اتخاذ نفس الموقف, فالجار السوري مثله مثل الجار الاسرائيلي, لا يطيق رؤية لبنان “سويسري” ديمقراطي حر مسالم ومزدهر.
لاسرائيل الحق كل الحق بعدم الانسحاب من مزارع شبعا والابقاء على تلك المزارع في عهدتها لاجل غير مسمى, حتى تبقي على الحجة الوحيدة لحزب الله في الحفاظ على ترسانته الحربية المستوردة من ايران, وللمساهمة قدر الامكان في اتمام المشروع السوري ¯ الايراني ببناء دولة داخل دولة, كما ان سورية من حقها عدم الاعتراف بلبنانية مزارع شبعا حتى لاتخرج اسرائيل مضطرة من تلك المزارع, وليستمر حزب الله في الحفاظ على سلاحه “الانقلابي غير المقاوم” ¯ من الان وصاعداً ¯ فتقاوم سورية بدورها المحكمة الجنائية الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
من حق الطرفين السوري والاسرائيلي اللعب في الساحة اللبنانية, فكلا الطرفين له مصالح حيوية استراتيجية في لبنان, ومن حق ايران وموزامبيق وهونولولو وساحل العاج وحتى جزر فوكلاند التدخل في الشأن اللبناني, لكن ليس من حق اي لبناني يحمل الجنسية اللبنانية, دفع هذا البلد الجميل المسمى لبنان لحرب اهلية جديدة.
كلنا يعرف ان السيد نصر الله وفر دائماً تغطية كاملة لحروبه المتكررة, معتمداً في ذلك على الدعم المطلق من الحلال الايراني والحرام السوري, والانقلاب العسكري الاخير لحزب الله على الدولة اللبنانية, لا يشكل استثناءاً من القاعدة, فالتغطية الاسرائيلية التي ذكرها الشيخ سعد الحريري, بالاضافة للتغطية الواسعة السورية ¯ الايرانية, رافقتها تغطية اخرى اخطر واوسع من داخل لبنان نفسه, من قبل حركة امل والسيد نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني, المجلس النيابي المقفل بأوامر شخصية من رئيسه, والجنرال الماروني الطموح الحالم بكرسي الرئاسة في لبنان, الكرسي الصعب المنال على ميشيل عون, والكثير من الحركات والاحزاب السياسية التابعة والممولة من سورية, واسماء لبنانية كبيرة دعمت جهراً الانقلاب او سكتت عنه, وحزب الله هذا المارد الذي لايقهر لم يكن ليتجرء على القيام بانقلابه على الدولة اللبنانية, دون دعم هؤلاء احزاباً كانو ام اشخاصا.
مساء يوم الخميس, وبعد جهود حثيثة للجنة الوزارية العربية, تم الاعلان عن وثيقة تفاهم بين حزب الله والحكومة اللبنانية, تقضي بتراجع الحكومة المنتخبة ديمقراطياًعن قراريها السابقين, بخصوص شبكة الاتصالات التجسسية وضابط امن مطار بيروت, مقابل تراجع حزب الله عن انقلابه على الدولة اللبنانية والتعهد بسحب مسلحيه من شوارع بيروت وازالة كافة مظاهر العصيان, لاشك انها خطوة مباركة نتمنى لها النجاح, لكن تعهد حزب الله “بأزالة كافة مظاهر العصيان”, تعهد ناقص ومردود عليه, فلا حزب الله ولاقيادات حزب الله قادرة على تنفيذ مثل هذا التعهد, فمن بالله عليكم قادر على اعادة الروح الى العشرات من ابناء لبنان الذين وقعوا ضحية الانقلاب الدموي واعادتهم الى ذويهم, ومن بامكانه اعادة الامور الى ما كانت عليه قبل الانقلاب, بعد ان ادرك اهل بيروت واهل لبنان وكل من لايتفق واراء نصر الله, ان بيوتهم واعراضهم واملاكهم قد تكون عرضة لانقلاب جديد في المستقبل البعيد او القريب.
لعله ليس بجديد القول, ان السيد حسن نصر الله يتحمل المسؤولية الكاملة لما جرى مؤخراً في لبنان, لكن ماذا عن الاخرين الذين شاركوا في الانقلاب الدموي بشكل مباشر او غير مباشر? واذا كان السيد نصر الله له اسبابه المعروفة التي دفعت به الى العصيان على الدولة اللبنانية, كون الرجل مجاهد عقائدي يقود حرب طويلة مع الاخر الكافر, وحربه او بالاحرى حروبه الابدية القاسية تتطلب دائماً المزيد من الدماء والشهداء والضحايا والقرابين, لكن ماذا عن الاخرين الذين لا يملكون اي مبرر لما اقدموا عليه? وبربكم الا يستحق هؤلاء “الاخرين” الحكم عليهم بالخيانة العظمى وسحب جنسياتهم اللبنانية وتجريدهم من حقوقهم الوطنية والسياسية قبل تجريدهم من حقوقهم المدنية والانسانية, ليكونوا عبرة للعالمين.
* كاتب سوري