الرئيسية » مقالات » فلسطين في الذكرى الستين للنكبة..!*

فلسطين في الذكرى الستين للنكبة..!*

مفارقتان وحقيقتان: تمر اليوم ستون عاماً على بلدٍ كان يدعى فلسطين، بلد يحتضن بين جناحيه شعباً واحداً موحدا، من أجناس وأديان ؛ تجمعهم وحدةُ الوطنِ قبل أن يفرقهم الإختلافُ في الدين والعرق أو الطائفة، متحابين متكاتفين، أغلبيتهم لا تشعر بالإِستكبار، وأقليتهم لا تستشعر الإِضطهاد..

كان ذلك قبل ستين عاماً وقبل ذلك بكثير؛ كان ذلك في الذاكرة، لم يعه أبناءُ اليوم ، او ربما قرأوا عنه في الكتب أو حدثهم عنه الأجدادُ والجدات..

الذي يبصروه اليوم هو شيء آخر؛ الصورة تختلف؛ الأرض التي يسلكونها، ممزقة تقطع بين ثناياها جدران الإسمنت المانعة للعبور.. بساتين الزيتون محروثة أرضُها بحفر سوداء، والطرقات تخنقها مفارز التفتيش..العبور بين الضياع محظور، وثمة جدار أمنع من سور الصين، الذي شاهدوه في الصور وقرؤا عنه في الكتب وسمعوا عنه في الأقاصيص والخرافات؛ جدارُُ ما أَلِفَ الناس مثله من قبل؛ يخيم على الرؤوس كالغمامة السوداء، فتقطعُ أنفاسَ الناسِ وتُصيب أعينَهم بغشاوة.. جدار رمادي يحيط بهم كالكابوس، منصوبة فوقه عيونُُ فولاذيةُ ُ تقذف سجيلاً من نار؛ لهيبُها قاتل، وصوتُها مفزع، وأزيزها يأخذ بالألباب؛ سجن وليس كأي السجون..!!؟

وماذا خلف الجدار..؟

يتسائل الأبناءُ وقد أخذ منهم عناء التفتيشِ عن الجواب، نفس ما أخذ من آبائهم وأجدادهم منذ ستين عام.. الصورةُ تتكرر ، والأملُ تغلفه غمامةُُ ُ رمادية، وبريق الأحداقِ ينطفيء في بريقِ الأحداق، وتَمرُ الكتلُ البشرية.. يرنو عليها الصمتُ فلا تلوي على الكلام..

تحترق الدماء في عروق الشباب، كالهشيم في النار.. فالصمتُ لا يُطاق، والقمعُ لا يُطاق..تتفجرُ العروقُ حقداً وإنتقاماً مشروع.. وأقتحامَ الجدارِ لدى الشبابِ أمرُُ مشروع .. الموت تحت القصف، نفسه الموت فوق الجدار.. والموت بقاذفات المدافع والصواريخ نفسه الموت خلف الجدار.. ويدفع الحنق الى إستشهاد المزيد والمزيد من الشباب.. ويسقط المزيدُ والمزيدُ من الأبرياء، وتهدم البيوت ويعم الخرابُ بفعل صولات الإنتقام..!؟

وتدور عقاربُ الساعة لتستكمل مسيرةَ الستين عام، والصورةُ تتكرر وأهلُ الدار كالحَمامِ في الأقفاص، وسدنة الجدار يباركون بعضُهم بعضا، وكبير السدنة يأتي مسرعاً على جناح الطير، قاطعاً آلاف الأميال ليبارك ذلك اليوم، ويؤدي صلاةَ الشكر للرب الرحيم، الذي أشبعهم من جوعٍ وآمنهم من خوف.. والعالمُ يحيي بطلَ السلام “ذي الدولتين”، ليباركَ له “سعيه المشكور”، لما قدمته قداسته للشعب الفلسطيني من “ثمار الخير”، وهو القديس الذي لم يضعْ إصبعَه يوماً على زناد النار..!!؟

وتظل عيونُ الأطفالِ داخل الجدار؛ مسمرة في السماء؛ العصافيرُ إختفت.. الصقورُ الفولاذية تحوم فوق الرؤوس.. الأمهاتُ يعتصرن الأطفالَ في الأحضان.. المفاوضاتُ تبحث لها عن مكان…
قصة: كان ما كان.. كان يوماً في ذلك الزمان…!؟
_____________________________________________
* مرت في الخامس عشر من مايس/2008 الذكرى الستون ليوم(النكبة)