الرئيسية » مقالات » المجتمع الكردي في مواجهة الذات – الحلقة (2)

المجتمع الكردي في مواجهة الذات – الحلقة (2)


زاكروس
: لقد أنتجت ال( ح. ك ) كمدرسة سياسية قواعد وكوادر حزبية نهلت من نفس الأفكار والتقاليد لتستمر في الأجيال التالية , ثم ازداد عدد المتعلمين والمثقفين وازداد الوعي الشعبي , لتبدأ إرهاصات حراك فكري سياسي داخل ال( ح. ك ) , ونتيجة ضعف التقاليد الديمقراطية واستمرار تخلف قاعدة المجتمع الكردي لم يثمر الحراك ليطور الفكر الحر داخل التنظيم الحزبي بل قاد إلى سلسلة انشقاقات ما زالت مستمرة ,هذه الانشقاقات وان أدت إلى تحقيق تطور في تعاطي ال( ح. ك ) مع الأطراف السورية الأخرى إلا أنها لم تأتي بجديد بالنسبة لتعاطي المكون الكردي مع ذاته , فقد حملت الأحزاب المنشقة نفس الأفكار والأعراف والتقاليد السابقة , حيث ما زال بعض الكوادر الحزبية بوعي أو دون وعي ينتهج عقلية التسلط والزعامة فلا يستطيعون تقبل آخرهم الكردي داخل الحزب الواحد أو الأحزاب والشرائح الكردية الأخرى وتحديدا المثقفين , ومع عولمة الديمقراطية الليبرالية انفتحت ال( ح. ك ) على المذاهب السياسية العصرية ,خاصة بعد إفلاس الاشتراكية الشيوعية , فأخذت الأحزاب الكردية بالتحول إلى الديمقراطية والتحول إلى حزب المؤسسات أي إعطاء حرية المبادرة لهيأت الحزب وقواعده بتفعيل ممارسة الديمقراطية التي لم تكون بعيدة عن ال( ح. ك ) ولكن كانت وما تزال رواسب اجتماعية سياسية ثقافية تعرقل الممارسة الديمقراطية داخل المكون الكردي , حيث لم تتوفر بعد القناعة والثقافة الكافية حتى ترضخ القيادات والكوادر لقواعد لعبة الديمقراطية والقبول بنتائجها رغم إيمان الأغلبية بالديمقراطية كمبدأ.


داريوس : هناك فهم قاصر للديمقراطية حيث نقبل بها كحق لنا على الآخرين ونتأفف منها كحق للآخرين علينا , وهذا يعرقل إعادة بناء أحزاب ال( ح. ك ) سياسيا وفكريا وتنظيميا وفق منظور جديد يلاءم المرحلة , لم نجد زعيم أو حزب كردي يقدم أطروحات فكرية ,سياسية, كفلسفة جديدة تعالج ملفات المسألة الكردية على ضوء المتغيرات والإحداث العاصفة التي تصيب الساحة الكردية مباشرة ,غير النظام الداخلي وبعض الكراسات الحزبية المتواضعة, ليس لدى ال( ح. ك ) مشروع سياسيي متكامل يربط النظرية بالممارسة لأن الدليل الفكري الذي يمتلك نظرية متكاملة عن التنظيم السياسي العصري لم يتوفر لدى ال( ح. ك ) بعد , ليربط النظرية بالممارسة .


زاكروس : نحن مجتمع متخلف بغض النظر عن ارتفاع كمية المتعلمين أو وأقولها بحذر كمية المثقفين لأنني لم أجد بعد تعريفا شافيا لماهية الثقافة والمثقف ولربما هذه المفاهيم رغم توحد مصطلحاتها , تختلف من مجتمع إلى آخر حسب درجة تطوره العام , في مجتمعنا التطور الكمي لم يقود إلى تطور نوعي ولن أجد حرجا إذا قلت إن المتعلم والمثقف والسياسي ما زالوا متخلفين لأنهم ببساطة لا يعرفون استخدام ما لديهم من معارف في مجال اختصاصهم في تحقيق الخير لمجتمعهم , هذه مشكلتنا مع الديمقراطية , هي ليست منهاج أو قرار بل هي ممارسة حياتية تتراكم بالتجربة والأداء ليتم تكريس البناء الديمقراطي وترسيخ الديمقراطية كأعراف وتقاليد يمكن القبول بها , لم نسمع بزعيم كردي تخلى عفو الخاطر عن منصبه الحزبي أو تخلى عن سلطته الأبوية , ليعلم الآخرين كيفية تقبل المنافسين لهم حتى لا يبادروا إلى الخلافات والانشقاقات , هذه السلوكية التسلطية لدى القيادة تنعكس لدى القواعد الحزبية فإذا خسر احدهم قيادته لخلية حزبية سرعان ما يتهم رفاقه بالتكتل ضده ليقوم بابتزاز الحزب إما إن يعود إلى مركزه أو يترك الحزب فيتبعه الأهل والأصدقاء , فهل هذا مسلك ديمقراطي , لماذا التغني بالديمقراطية لماذا إبداء الإعجاب بنيلسون مانديلا الذي زهد بمنصبه الحزبي والحكومي وتفرغ للأعمال الخيرية حتى يعلم شعبه أن التخلي عن المنصب ليس نهاية العالم , لماذا نطالب الآخر أن يكون ديمقراطيا في تعامله معنا ونحن غير ديمقراطيين في علاقاتنا ببعضنا ,أن أدبيات ال( ح. ك ) تتحدث عن الديمقراطية ولكنها تكاد تنعدم في الممارسة داخل الحزب الواحد أو فيما بين الأحزاب أو بين الأحزاب والشرائح الكردية الأخرى الغير سياسية , حيث تتضخم الأنا , هذه الأسباب وغيرها وراء حالة الفتور بين السياسي والمثقف الكرديين , فالمثقف يجد صعوبة في التعبير عن نفسه داخل صفوف أحزاب ال( ح. ك ) وفي الوقت ذاته يشعر إن دوره في خدمة قضيته القومية لا يقل أهمية عن دور السياسي الذي يريد احتكار هذا الدور لنفسه فيطلب من المثقف إن يخضع لوصايته فتكون المحصلة تهميش المثقف والتشكيك في دوره لأن عملية الحراك الفكري السياسي بين رجل السياسة ورجل الثقافة غير متكافئة وهي لصالح السياسي الذي يمتلك أدوات مادية ( إعلام , بروبوكندا , علاقات , تنظيم , أموال ) بينما لا يملك المثقف غير فكره وقلمه لذلك هو مغبون من الحركة السياسية ومن المجتمع الذي لم يتطور إلى مستوى إدراك الدور الجوهري الذي يستطيع المثقف القيام به من حيث تنوير الآخرين فكريا وسياسيا واجتماعيا .


داريوس : لقد فرضت ظروف الاضطهاد القومي على المجتمع الكردي غلبة التوجه السياسي حيث الاعتقاد بأن السياسة لوحدها عصا سحرية قادرة على الإتيان بالحل , إن السياسي يدرك إن للمثقف دور كبير في خدمة القضية القومية ولكن تنقصه الرغبة الصادقة في تفجير طاقة المثقف وقدراته الخلاقة بل يطلب منه الخضوع والتبعية كأي عضو في الحزب أي الالتزام بخط سياسي إيديولوجي معين وعدم مخالفته نظريا أو عمليا وحصر علاقاته مع الأطراف الكردية الأخرى ضمن علاقة الحزب بهذه الأطراف وفي هذا المضمار فالنقد يكون في حدوده السطحية والدنيا وهذا يعني عمليا إلغاء المثقف وتحويله إلى كادر حزبي متعلم وبالتالي تعطيل قدراته , إن السياسة فضائها ضيق مهما اتسع والسياسي دوره محصور في أداء مهامه المحددة التي يجيدها ولكن مواهبه ومهارته لا تعني انه يستطيع مصادرة دور المثقف لأن فضاء الثقافة لا سقف له ولا حدود ليشتمل على كافة جوانب الحياة لذلك المثقف يمتلك معارف وخبرات وأفكار أكثر من السياسي تبيح له الانتباه إلى مسائل وقضايا لا ينتبه لها السياسي , فالمثقف هو العين الثاقبة وجرس التنبيه للسياسي يشير له إلى مسائل ويطالبه بوضع الحلول , كيف يمكن للمثقف إن يؤدي مهامه إذا فرضت عليه شروط أو تعرض لضغوط نفسية تجبره على ممارسة الرقابة على نفسه ليقيد فكره حتى لا يزعج الرفيق السياسي , فإذا فقد الإنسان حريته لن يكون نافعا لأي عمل مفيد غير الفلاحة والمثقف يفلح العقول وليس الحقول وهذه الصنعة تتطلب توفر الحرية حتى يكون هناك ابتكار وإبداع وقدرة على طرح الأفكار الجديدة لحل المعضلات التي تواجه ال( ح. ك ) لقد أشرت إلى عدم وقوفك على تعريف مقنع للثقافة والمثقف هل لديك فكرة خاصة في هذا المجال .


يتبع