الرئيسية » مقالات » لنأخذ العبر والدروس من مأساة الشعب اللبناني الشقيق

لنأخذ العبر والدروس من مأساة الشعب اللبناني الشقيق

تثير الأحداث الأخيرة في لبنان مرارة عميقة لدى كل ضمير حي. فهذا الشعب المسالم الذي عُرف بحبه للحياة ولعب دوراً فاعلاً في عملية التنوير والثقافة في العالم العربي لعقود مديدة، أرّق مضاجع قوى الاستبداد والظلام في لبنان وعالمنا العربي وفي المنطقة، والتي حوّلت بلاد الأرز وشعبها ومنذ تأسيسها إلى ساحة لمضاربات عبثية إقليمية ودولية نال منها اللبنانيون الدمار والقتل العشوائي والركود في جميع مناحي الحياة. كما ألحق هذا العبث خراباً وتشظي في صفوف الشعب اللبناني، وبما في ذلك تهميش هويته الوطنية. لقد برزت كل مظاهر الهدم والقتل العشوائي بشكل مريع، خاصة أثناء الحرب الأهلية في السبعينيات، حيث راحت أدوات الهدم تدمّر ما بناه اللبنانيون، ومازالت ذيولها المدمرة قائمة لحد الآن.
وما كان لهذه المأساة التي يعاني منها اللبنانيون، ومنذ تأسيس دولتهم الحديثة ولحد الآن، أن تستمر لولا الخيار الطائفي والديني ومحاصصاته المشؤومة التي اعتُمدت في البناء السياسي للدولة وفي بناء غالبية الحركات السياسية العاملة على الساحة اللبنانية. إن هذا البناء الهش المدمر همّش الهوية اللبنانية، وأضحى فتيلاً لاشعال نار الحروب الأهلية التي عصفت بلبنان منذ جلاء القوات الفرنسية عنها. وكان هذا البناء وراء تشكيل أحزاب طائفية متخلفة هيمنت على العمل السياسي، أحزاب لا تُعنى بالهوية اللبنانية بقدر ما تُعنى بالطائفة ومشايخها ونخبها ومنافعها. ولابد أن يؤدي ذلك إلى تكريس ظاهرة التمييز الطائفي بين اللبنانيين والتي مزقت النسيج اللبناني. وتبعاً لذلك تم استخدام أفراد الطوائف المحرومة جراء هذا التمييز كوقود لزجّهم في متاهات لا علاقة لها برفع المحرومية والتمييز عنهم.
ولقد استُغل هذا الوضع الشاذ في بناء الدولة اللبنانية من قبل دوائر خارجية وإقليمية وعربية، والتي راحت تستغل هذا الفريق أو ذاك لا لصالح بناء لبنان موحد عصري وديمقراطي، بل لصالح تمرير أجندات لا علاقة لها بالشعب اللبناني ومصلحته. وغدا الوضع الآن في لبنان يثير الحزن لكل من يتابع محنة هذا الشعب الشقيق من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه يثير السخرية في نفس الوقت، وشر البلية ما يضحك. فالمخازن والمستشفيات والأطباء والمحامون ودور العلم والمدارس والمرافق العامة رفعت أعلام الطوائف. وتوزعت هذه المرافق مع عملية استشراء المرض الطائفي المشين إلى حصص ومراكز طائفية تقدم خدماتها فقط لمن ينحدر من أصول طائفية أكانت مسيحية اللون بكل أطيافها، أو طائفية اسلامية شيعية أو سنية أو درزية وغيرها. ووصل الأمر بهذا الهوس الطائفي إلى درجة خطيرة عندما أصبحت مرجعيات غالبية الأحزاب اللبنانية مرجعيات أجنبية. فلم يكن أمام هذه النخب السياسية الطائفية اللبنانية من طريق سوى الاستقواء بقوى من خارج الحدود بدلا من الاستقواء بإرادة الشعب اللبناني المهمش ضمن هذا الهوس الطائفي العارم.
وهكذا لم تعد قضية انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان قضية داخلية لبنانية بل تحولت إلى قضية تتجاذبها أطراف إيرانية وسورية وسعودية وفرنسية وأمريكية وغيرها من “اللاعبين” الأجانب على الساحة اللبنانية، الذين يعقدون المؤتمرات والندوات لتفصيل الزي المناسب لشعب لبنان. وإذا ما أراد لبنان المبتلى بالمرض الطائفي أن يحقق أو يحاكم قتلة الحريري، فما عليه إلا أن يأخذ الإذن من بعض الدول الإقليمية وبعضها البعيد جغرافياً عن لبنان مثل إيران، أو أن يُشل القضاء اللبناني كي تضطر الأمم المتحدة إلى التدخل لتشكيل محكمة دولية لملاحقة قتلة الحريري والعشرات من السياسيين اللبنانيين الذين تعرضوا للغدر في الآونة الأخيرة.
ويتجاوز الأمر كل هذه التدخلات الفظة للدوائر الخارجية، والتي تتحمل وزرها النخب السياسية المتنفذة في لبنان، ليجري تشكيل دويلات داخل الدولة اللبنانية، التي لم تعد موجودة عملياً إلاّ في قائمة الدول المنضوية تحت علم الأمم المتحدة أو الجامعة العربية. فحزب الله له جيشه الذي يفوق تسليحه وميزانيته الجيش الرسمي اللبناني. وامتد جشع هذا الجيش إلى خارج حدود لبنان كي يبادر إلى تدريب جيش المهدي في العراق أيضاً. وتسيطر دويلة حسن نصر الله على الحدود مع جارتها سوريا التي تسهل وصول أحدث الأسلحة الإيرانية إلى هذه الدويلة. ولا تتردد هذه الدويلة الطائفية عن بناء شبكة متطورة خاصة بها للاتصالات أو شبكة أخرى لمراقبة المطار الدولي الرسمي اللبناني. ولم يعد حزب الله مجرد ميليشيات ترفع شعارات مقاومة الأجنبي أو تسعى إلى مقاومة تطاولات الغزاة الإسرائيليين وعنجهيتهم كما أعلن عن ذلك في بداية تشكيلها، فقد أفصحت عن طبيعتها في انقلابها الأخير، وتحولت الحركة إلى هراوة لفرض سلطة دويلة طائفية ضمن حدود نسيجها الطائفي وحتى خارجه ومن أجل تنفيذ أجندات تتعلق بملفات لحكام إيران وحلفائهم في المنطقة وليس لها أية علاقة ببلاد الأرز. فالصور والشعارات والأعلام وأسماء المرافق العامة أصبحت تعود لهذه الجهات الخارجية ولا علاقة لها بأي رمز من رموز لبنان وما أكثرهم. فلا ترى أي اسم في نواحي لبنان يعود لأمين ريحاني ورئيف خوري ومارون عبود وجبران خليل جبران وجرجي زيدان وشكيب أرسلان وميخائيل نعيمة وفيروز أو فرج ألله الحلو حسين مروة ومهدي عامل وجورج حاوي ومنير البعلبكي وسهيل أدريس وسمير قصير .. والقائمة تطول لمن غادر الحياة من أعلام الثقافة أو من هٌمّش وهو في المنافي، بل يقتصر الأمر على رفع صور علي خامنئي والخميني وغيرهم من الشخصيات الدينية وغير الدينية الإيرانية أو العربية التي لا تعرف لبنان إلا من خلال سماع أخباره العجيبة.
إن أخطر حصيلة لهذا الأساس الطائفي للدولة، بل قل اللغم الطائفي، الذي بني عليه لبنان ما بعد الاستقلال، هو تهميش دور الشعب ورأيه. فلم يعد للمؤسسات الرسمية المنتخبة أي دور أو شرعية في إدارة شؤون البلاد. فالرأي الحاسم تحوّل إلى يد نخبة رجال الدين وشيوخ القبائل المسلحين في هذه الطوائف التي تتناحر بالنيابة عن الأجانب أو بأمرها. كما أرتهنت إرادة الشعب لفريق من المشايخ من كل الطوائف كي يتحكموا بالشعب ويصادروا إرادته، بل وحوّلوله إلى “قطيع ووقود” يغذي حروب الطوائف والمشايخ اللبنانية.



خامنئي “يحيي” اللبنانيين في شوارع وملثمون مسلحون يرفعون صورة بشار الأسد
بيروت في بيروت أيضاً

فالعمائم والقبعات الدينية التي يفترض أن تكون رمزاً للسلام والأخاء وحب البشر، تحولت إلى رتب عسكرية وميليشيات وخطابات مثيرة تدعو للعنف وتتغنى بالسلاح فقط وليس للبناء كما نراها بجلاء في خطب حسن نصر الله وغيره من أمراء الطوائف البائسين المتعطشين للدماء ولزيادة عدد “الشهداء السعداء” عند هذا الشعب العريق. لقد تحوّلت السلطة عملياً إلى من يحمل أكبر كمية من السلاح وأحدثه، وليس إلى من يحصل على أعلى الأصوات في الانتخابات، بما يعني سيطرة البلطجة السياسية على زمام الأمور، حيث راح كل من هبّ ودب يؤسس لحركة عن طريق جمع السلاح أو السيطرة على البنوك أو الاستقواء بطرف خارجي، وحتى يحصل على منصب وزاري أو عضوية البرلمان كما حصل أثناء الحرب الأهلية المشينة.
أشير إلى مأساة الشعب اللبناني الشقيق وما آل إليه لبنان الثقافة والجمال كتعبير عن الحزن، ولكنه في نفس الوقت كمسعى لتبصير أبناء بلدي، بلاد الفراتين، من بوادر انحدار البلاد كلياً إلى نفس المأزق اللبناني، إذا ما أصر نفر منهم بالتمسك بنهج الطائفية والمشايخ والعشائرية العراقية التي يُراد تكريسها في بناء الدولة العراقية خدمة لأهداف مريبة لا علاقة لها بمصلحة العراقيين واستقرار بلدهم، بقدر ما هي وسيلة لتشظّيه وخلق الفتنة داخله وزجّه في منازعات وسفك دماء وخراب دائمين. إن كل مقدمات هذا الانحدار قد تبلورت قبل وبعد السنوات الخمس الدامية التي حلت على العراقيين. فالأسلحة موزعة على كل أطياف التطرف الديني وميليشياته التي جاوزت العشرات، وبعد أن سطى البلطجية على مسميات دينية ومذهبية لتتحول إلى يافطات وسواتر لهم. وانقسم العراق خلال هذه السنوات إلى كانتونات دينية ومذهبية وعشائرية لها جيوشها ومحاكمها وسجونها وضاربي الأعناق وعصابات “الامر بالمعروف والنهي عن المنكر” وهيئاتها الاقتصادية التي تجبي الخاوات والفديات من العراقيين. كما أن هناك ظاهرة خطيرة طرأت على الساحة العراقية خلال العقود الماضية على شاكلة ما حصل في لبنان وهي تشكيل أحزاب بيافطات دينية ومذهبية، وهي بالتالي أحزاب طائفية كاملة العيار جل همها الغاء الطرف الآخر وإقصائه بفتاوى وتعاويذ دينية مزورة، وليس العمل من أجل عراق موحد يحترم الحقوق والأديان والمذاهب ولا يؤجج التناحر الديني والمذهبي بين أبنائه. فهذا المنحى الخطير لا يؤدي إلى قيام دولة ديمقراطية تحترم القوانين وتضع الشخص المناسب في المكان المناسب بعيداً عن انحداره الديني والمذهبي والعرقي، بل على أساس خبرته وعراقيته وما يقدمه للبلد من خدمات جليلة. فالخيار الطائفي يجلب لنا أقبح أنواع الفساد ويهدد وحدة الدولة وتكافل أبنائها. وهو خطر يهدد العراق في حالة عدم استيقاظ النخب السياسية للأحزاب الطائفية من سكرتهم وتغيير نهجهم إلى نهج مدني لا يعتمد الدين والمذهب أساساً في نشاطه، ولا يُقحم في المنافسات السياسية، بل اعتماد افضل الحلول الاجتماعية والاقتصادية للعراق الديمقراطي كله. فالدين والمذهب يُصانان من خلال ضمان حرية الاعتقاد وعدم التمييز بين العراقيين على أساس دينهم ومذهبهم كما يجري في كل ديمقراطيات العالم الحديث. وأي خروج على هذه المعايير الحديثة في بناء الدولة ومنها الأحزاب السياسية لا يقودنا إلاّ إلى الطريق اللبناني المشؤوم.
ولكن وبعد خمس سنوات من تجربة العراقيين المريرة في البحث عن طرق بناء عراقهم الجديد، فإن هناك بوادر وبصيص أمل يلوح في الأفق يدل على تبلور قناعة لدى العراقيين في أن البناء الطائفي للدولة والأحزاب هو ليس الصيغة التي تجلب الاستقرار والأمان للعراق، ولا تقوده إلى جادة الديمقراطية التي ينشدونها بسبب من تجربة السنوات الخمس الدامية الماضية. فالخطاب الديني الطائفي لم يعد ذلك الخطاب الذي يثير حماس الناس، بل تحوّل عند الكثير من العراقيين إلى لعنة وشؤم وقرين للموت والدمار. ولم تنطل على العراقيين تقليعة جمع الأسلحة والتهديد بها بذرائع استرجاع السيادة وأخراج المحتل بعد أن توجهت أسلحة كل دعاة “المقاومة” إلى صدور عشرات الآلاف من العراقيين. وأصبح شعار جمع الأسلحة من الشارع ومطاردة الأرهابيين القادمين من دول الجوار وحل الميليشيات وملاحقة الخارجين على القانون من كل الأطياف مطلباً شعبياً نسف الأكذوبة الطائفية التي يتشبث البعض بها كي يتسلق إلى كرسي الحكم. هذا المطلب الشعبي كان وراء اقدام رئيس الوزراء العراقي وحكومته على خوض أخطر المعارك ضد عشاق حمل السلاح والعصابات المسلحة مهما كانت طائفتها، فهي حملة مزقت الرداء المتهري الخادع للطائفيات المذهبية والسياسية التي لهث البعض لإرسائها خدمة لأغراض ضيقة وأجندات إقليمية. وبذلك كسبت الحكومة الحالية تعاطف الشعب ووضعت بداية الأسس لتشكيل دولة بعيدة عن النهج الطائفي المدمر والمدعوم من قبل أطراف إقليمية تسعى إلى “لبننة” العراق وإيقائه غارقاً في نزاع دموي عبثي.
إن النزاع الذي اندلع أخيراً في لبنان الشقيق لا يمكن، بإعتقادي، أن ينفصل عن ما أحرزه العراقيون من نتائج إيجابية بعد “صولة الفرسان” في بصرة الفراهيدي، والتي وجهت ضربة حقيقية إلى المضاربين بالطائفية والدين والمذهب وأنصار السلاح والملثمين المدعومين من خارج الحدود. ولذا جاء رد أربابهم سريعاً بإشعال نار الفتنة في لبنان بعد فشلهم في البصرة التي أرادوها هي والعراق ساحة من ساحات تشبه لبنان أو غزة كي ينشروا الفوضى وسفك الدماء وتحقيق أهداف لحكام من دول الجوار وبالضد من مصالح الاستقرار في المنطقة ورفاهية شعوبها. ولكن هيهات فالعراقيون لهم بالمرصاد.

13/5/2008