الرئيسية » مدن كوردية » مندلي مدينة تعج بالحياة

مندلي مدينة تعج بالحياة

كثيرة هي الجرائم التي ارتكبها النظام المباد وهي لم تبق منطقة في العراق إلا وتركت آثاراً من الجراح الغائرة التي تكتنف اندمالها صعوبات جمة ليس بمقدور أحد أن يخفيها مهما أوتي من حيلة. وتتميز الجراح التي تعرضت لها مدننا الكوردستانية كونها من أوضح مصاديق الكلام الذي أسلفناه… وعلى وجه الخصوص المناطق التي تم ترحيل سكانها الكورد في خانقين ومندلي وبدرة وزرباطية وغيرها وهي مستقطعة من المناطق التي يضمها إقليم كوردستان حاليا…
وتعد مدينة مندلي التي كانت مركزاً لقضاء كبير باسمها من المدن التي تعرضت لأبشع ممارسة شوفينية من قبل سلطات النظام المباد فبعد أن كانت مدينة تعج بالحياة وترفد الثورة التحررية الكوردية بالمئات من البيشمركة الأبطال وبعد الإجهاز على تلك الثورة المباركة إثر التوقيع على اتفاقية الجزائر، بدأ النظام بأشرس حملة انتقامية بحقها فتم ترحيل كافة سكان القرى الكوردية البالغ عددها أكثر من (60) قرية إلى المناطق العربية في وسط وجنوب العراق وساهمت الحرب العراقية الإيرانية بالإجهاز على ما تبقى من محلات وأحياء المدينة فصارت مدينة أطلال وأشباح وتم إلغاؤها من الخارطة ماعدا بعض الأحياء التي سكنها الوافدون الذين استخدمهم النظام لإكمال الفصل الأخير من عملية التعريب … لنتعرف أولا على المدينة في ضوء المصادر التاريخية 1- اسم المدينة: يقول العلامة المرحوم الملا محمد جميل بندي الروزبياني في كتابه (مندلي في التاريخ) : (اختلف المؤرخون قديماً وحديثاً في منشأ اسم مندلي وذهبوا مذاهب شتى، وادعوا أن الاسم تعرض إلى تغيرات وتطورات وتحريفات،قال ياقوت الحموي: (البندنيجين ALBANDANIGYN لفظه لفظ التثنية، ولا أدرى ما بندنيج مفرده؟ إلا أن حمزة الأصبهاني قال: بناحية العراق موضع يسمى (وندنيكان) وعُرِّب على البندنيجين ولم يفسر معناه). قال أنستاس الكرملي (الظاهر أن الاسم الأصلي هو (وندنيكان) كأنه جمع (وندنيك) على الطريقة الفارسية ومعناه (الملاكون الطيبون). وقال السيد عيسى صفاء البندنيجي: (مندلجين) محرف عن بندنيجين معرب عن بندنيك ، أي الرباط الحسن، كناية عن الحد الذي حد بين الروم والعجم. ويضيف العلامة الروزبياني : (وأما الاسم بشكله الأخير (مندلي) فيرجع تاريخه إلى ما قبل القرن الثاني الهجري (الرابع عشر للميلاد)، فقد ورد هكذا في كتاب (الأنساب) المعروف بـ(صحاح الأخبار) الذي توفي مؤلفه سنة 885هـ (1480م) ولكن في الكتب التاريخية الفارسية تكتب (مندليج) بإضافة (ج).
2-جغرافية المدينة : يقول العلامة الروزبياني : (تقع مدينة مندلي على الحدود العراقية الإيرانية في الجهة الغربية من جبل بشتكوه على بعد 7 كيلومترات، وهي مركز قضاء تابع للواء(محافظة) ديالى، تقع شرقي بعقوبة (مركز محافظة ديالى) على مسافة 93 كيلو متراً منها تحدها شمالاً سلسلة تلول جبل قشقة الفاصلة بينها وبين قضاء خانقين وشرق سلاسل تلول جبل حمرين المتفرعة من جبال بشتكوه الفاصلة بين إيران والعراق، وجنوباً منطقة خريسانة الفاصلة بينها وبين قضاء بدرة وكذلك هور (الشويكة) الفاصلة بينها وبين ناحية العزيزية التابعتين لمحافظة الكوت، وحدود قضاء المدائن (سلمان باك) التابعة لمحافظة بغداد العاصمة، وغرباً تخوم ناحية كنعان (مهرود) التابعة لمركز محافظة ديالى، وفي الشمال منطقة الديمة الواقعة بينها وبين كل من قضاء المقدادية (شهربان) وناحية السعدية (قزلرباط).
تبلغ مساحة مندلي (584000) دونم أي ما يعادل (1460) كم2 مقسمة إلى (21) مقاطعة وتتألف حالياً من: 10,000 دونم من الأراضي المحذورة أمنياً نتيجة زرعها بالألغام 4,000 دونم من البساتين 150,000 دونم من الأراضي الزراعية الصالحة 20,000 دونم تشكل سواتر وخنادق عسكرية وتعد أرضها من الأراضي المروحية (مزيجية – رملية) وهي نادرة عالمياً ولها ما يشبهها في أراضي سهل شهرزور. وتكثر في مندلي العديد من فسائل النخل النادرة وتعد محطة لإكثار الفسائل بمساحة 150 دونما، ويبلغ عدد البساتين (1011) بستاناً مابين صغير وكبير، وهناك عيون للمياه المعدنية (عين ماء كبريت) في منطقة حاجي يوسف. وكانت مدينة مندلي مشهورة بالصناعات الشعبية كصناعة البسط والزوالي والسلال والطبق فضلا عن صناعة الحذاء المحلي (الكلاش) الكوردي ذي النوعية الممتازة. فلندع المدينة وأهلها يتكلمون عنها بأنفسهم.
* تعد مندلي إحدى أقدم المدن الكوردستانية حيث أن نسبة السكان الكورد في الإحصائيات السابقة في أعوام 1947 – 1957 كانت تشكل أكثر من 75% مع وجود نسبة من التركمان وبعض العوائل العربية. ولكونها مدينة حدودية فقد تعرضت للعديد من المشكلات والويلات من الناحية العرقية والعمرانية ، فمن الناحية العرقية تعرضت سنة 1975 الى ترحيل كافة قراها الكوردية البالغ تعدادها أكثر من 60 قرية واتت الحرب العراقية الإيرانية على غالبية محلاتها الأمر الذي تسبب في هجرة الكثيرين من أهلها. * هذه المدينة المحطمة التي تتراجع الى الوراء منذ عام 1975 ولحد الان ولكنها بدأت تستعيد عافيتها شيئا فشيئا بعد تحريرها عقب أحداث 2003 وهي بحاجة الى الالتفات اليها. * مشروع الماء الوحيد الموجود في المدينة قديم جداً ولم تقم الحكومة المركزية بتعميرها ولم توفر الخدمات، فلو أن في المدينة خدمات جيدة مع توفر الماء الصالح للشرب لكان في إمكان مواطني المدينة الذين هجروا منها العودة إليها أما بالنسبة للقرى فبحاجة الى إيصال خدمات المياه والمجاري إليها أو حفر الآبار لغرض تزويدها بمياه الشرب. * أسواق وأحياء وشوارع المدينة .. مشاهد مؤلمة حيث الدمار والخراب قد أتى على المدينة وسواها بالأرض.. يكلمنا المواطن(أبوعلي) عن المدينة قائلاً: هذا هو خان عزالدين وهو يعد من أقدم الخانات في المدينة ولدينا ثلاثة أو أربعة خانات أخرى وكان هذا الخان مؤلفاً من طابقين، فلو نظرنا هنا فان المحال كانت تحتل الطابق الأرضي أما الطابق العلوي فقد كانت عبارة عن غرف يستفاد منها كمخازن للبضائع..ويشير الى السوق قائلا:هذا هو سوق مندلي الكبير .. كانت هذه سوق البزازين والخياطين كان عدد محلات بيع الأقمشة يتراوح بين (60-70) محلاً كانت هذه من أجمل الأسواق التي قل نظيرها في العاصمة بغداد ، أغلبها كانت ملكاً لعزالدين آغا وقسم منها تابع لدائرة عقارات الدولة ، وهذا هو مركز المدينة.. كانت هذه المحال تابعة لأبناء بعض العشائر الكوردية كقره لوس وغيرها وكانت هذه المحلات تمارس أعمال البقالة والعطارة وكان لدينا في السابق حوالي (70-80) عطارية.. واومأ الى إحدى المقاهي : كانت هذه أكبر مقاهي مندلي وهي مقهى فهد ومطعم (علي باوه).. وهذه مقهى حسين جانه لي وكانت تجاوره فيما مضى كنيسة اليهود.. وكانت لدينا (60-70) محلاً لبيع الحذاء المحلي (كلاش). وكان في هذا السوق أكثر من (5) حلاقين. تشير بعض المصادر التاريخية الى أن هذه المدينة كانت موجودة قبل حوالي خمسة آلاف سنة قبل ميلاد السيد المسيح.. في السبعينيات قامت بعثة آثار إيطالية بزيارة المدينة وفي منطقة جيجه كان حيث اكتشفوا أول مشروع إروائي في العالم في هذه المنطقة قبل حوالي خمسة آلاف عام. كانت تمارس في هذه المدينة حرفة النجارة المنزلية وكانوا يصنعون المغازل في البيوت. * مندلي مدينة كوردية هجر أهلها سنة 1975 إلى مناطق بغداد ومدن الوسط وتم جلب المستوطنين العرب ليحلوا محلهم وبذلوا شتى المحاولات لتعريب المدينة حيث تم تغيير أسماء محلاتها وميادينها وقد ساهمت الحرب العراقية الإيرانية في تدمير المدينة سواء من قبل القوات الإيرانية أو القوات العراقية، حيث أصبحت المدينة ساحة عمليات حربية أتت على جميع مرافق الحياة في المدينة الأمر الذي أدى إلى هجرة جميع سكانها.. ثم حولها النظام في عام 1987 من قضاء إلى ناحية وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية لم تبد السلطات العراقية أي اهتمام بالمدينة ومما زاد الأمر سوءاً في المدينة أن السلطات الإيرانية قامت بقطع المياه التي كانت تروي المدينة وبساتينها، فأتى الجفاف على البساتين والأشجار ودمرها. وبعد سقوط النظام عام 2003 كانت الأحزاب الكوردستانية سباقة الى فتح منظماتها في المدينة وأخذت تشجع الناس على العودة إلى المدينة وإعمارها بالتعاون مع حكومة إقليم كوردستان..
Taakhi