الرئيسية » الآداب » نشأة الصحافة الكوردية.. صفحات ومواقف – القسم الاول

نشأة الصحافة الكوردية.. صفحات ومواقف – القسم الاول

تمثل الصحافة اداة مهمة من ادوات المعرفة والثقافة لأي امة اوشعب في العالم، حيث تعتبر المرآة التي تعكس الاوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية بشكل عام لتلك الامة او ذلك الشعب ،الذي نستطيع وبكل بساطة التعرف على ثقافته وموقعه بين امم وشعوب العالم من خلال مؤشرات عديدة تقع الصحافة في مقدمتها ان لم تكن في اولها, وهي لاهميتها اخذت مسميات عديدة مثل السلطة الرابعة اوكما وصفها الكاتب الروسي تولستوي ( الصحف رسالة خالدة).
وبقدر تعلق الامر بالصحافة الكوردية التي نحتفل هذه الايام وبالتحديد في 22 نيسان بعيد تأسيسها والذي نأمل ان ينشر هذا الموضوع ضمن عدد خاص من مجلة الصحفي التي تصدرها نقابة صحفيي كوردستان بهذه المناسبة والتي نعتقد انها فرصة مناسبة للتعريف بهذه الصحافة التي تمثل شعبنا الكوردي وقضيته العادلة ولغرض التعريف بها خصوصا للشعوب المجاورة لنا ضمن البقعة الجغرافية التي تعيش فيها بشكل متداخل ، الشعوب الاربعة ( العرب والكورد والاتراك والفرس ) و الذين يجمعهم التاريخ والدين والثقافة والجغرافية المشتركة والتي من المفروض ان تكون اسبابا للتقارب بين تلك الشعوب ونبذ الجانب اوالاختلاف السياسي في عملية التواصل والاتصال بينهم والتي من المفروض ان تمتد وتستمر بين جميع الشعوب والاقوام لاسيما اننا نعيش في عصر العولمة وثورة الاتصال وانتشار ثقافة حقوق الانسان . البدايات الاولى للصحافة الكوردية: مرت الصحافة الكوردية بمراحل تطور مختلفة تمثلها الصحف التي ولدت خلال مراحل زمنية ومكانية مختلفة وهي في مجملها تمثل الخط البيانى لتطورهذه الصحافة التي بدأت بذرتها الاولى من خلال صحيفة كوردستان التي اعتبر تاريخ صدورها عيدا لميلاد الصحافة الكوردية . واذا كانت الصحافة هي نتاج تطور العقل البشري على مر التأريخ فان صحيفة كوردستان والصحف الاخرى التي صدرت في مراحل لاحقة والتي كانت ذات طابع سياسي فى الاساس، فإنه كان بداخلها خطاب ثقافي يراعي الحاجات والمتطلبات التي ينشدها الشعب الكوردي، والتزمت في موضوعاتها على المواد العلمية والادبية والفنية والتي يقصد من ورائها الاشادة والتعريف بالتراث والثقافة الكوردية . إن هذه الجهود قد أثرت بلا شك في الحياة الثقافية والسياسية للشعب الكوردي*1، وشكلت حافزاً قوياً لمثقفيهم بالتفكير في إنشاء صحافة خاصة بهم. مع ذلك فقد تأخر العمل الصحفي الكوردي كثيراً بالمقارنة مع الشعوب المجاورة، وكانت حالة التخلف وضعف الطبقة المثقفة السبب الرئيس لذلك ، على الرغم من اشتراك الآلاف من أبناء الشعب الكوردي في الكتابة والمساهمة في الصحافة العربية والتركية والفارسية فان تأخر ظهور الصحافة الكوردية يعود ايضا الى قلة المتعلمين والى ضرورة وجود طبقة مثقفة كإحدى ضرورات الحياة الثقافية بحيث تشكل حالة ينتج عنها ضرروة وجود صحافة قومية ، الا أن الحاجة أصبحت اكثر إلحاحاً مع دخول النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث أصبح الاهتمام بالتعليم أحد شعارات الحركة الكوردية. وكان للمدارس الدينية التي كانت تتمتع بمكانة بارزة في كوردستان ،حيث تخرج من هذه المدارس علماء و مثقفون بارزون يتمتعون بالحس القومي وكان لهم دور بارز في تطوير الحياة الثقافية للشعب الكوردي، كان من بينهم (حاجي قادر الكوئي) و (ملاى كه وره- الملا الكبير) اللذان اهتما كثيرا بالأدب القومي إلى جانب أداء واجبهم الديني. كذلك فإن اتباع الأساليب الحديثة في التعليم كان قد بدأ في كوردستان منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان التعلم في المدن الكوردية الكبيرة كديار بكر أكثر تقدماً، كما كانت العلاقات الثقافية اكثر رسوخاً، وكان لأخبار التطورات التي تحدث في أوروبا الغربية والتي تصلها من العاصمة عن طريق العلاقات الثقافية تأثير كبير في الطبقة المثقفة الحديثة النشوء في تلك المدن، كما كان هناك تجمع للمتعلمين الكورد في مدينة استنبول يعملون كموظفين هناك أو طلاب علم في المراكز العلمية والعسكرية، ومنهم من سافر إلى أوروبا للدراسة أو للعمل في السلك الدبلوماسي. هذه الأحداث وضعت الكورد في مسارات جديدة، لذا فليس مستغرباً أن يهتم شخص مثل (مصطفى باشا يامولكي)، الذي عاش فترة طويلة في استنبول ووصل إلى أعلى المراتب العسكرية بعد عودته إلى موطنه في ظروف بالغة الحساسية، بالعمل الصحافي، كذلك هو الحال بالنسبة إلى أبناء (بدرخان باشا) و(جميل باشا) الذين اعتبروا العمل الصحفي جزءاً أساسياً من واجبهم النضالي اليومي. هذه الأمور، إلى جانب اشتداد النضال القومي وازدياد ضغوط السلطات العثمانية ، ورسوخ الصحافة كإدارة فعالة بأيدي الشعوب المجاورة للكورد، مهدت الطريق لظهور الصحافة الكوردية، لكن السلطة العثمانية ، والمكانة الخاصة التي يتمتع بها الكورد في مصر حيث يحترم المصريون القائد الكوردي المسلم صلاح الدين الايوبي الذي استطاع ان يُخلص المصريين من سيطرة الدولة الفاطمية وأعاد الشعب المصري الى الاعتدال والوسطية من خلال محاربته وانهائه للدولة الفاطمية التي اتخذت المذهب الجعفري بصورته المتشددة مذهبا لها والتي اجبرت المصريين على اتباعه ،ما دعاهم الى طلب النجدة من صلاح الدين، واستمرت تلك العلاقة الخاصة بين مصر والكورد الى يومنا هذا ،وكانت القاهرة المكان الذي أبصرت فيه اول صحيفة كوردية في التاريخ وارتباط ميلاد الصحافة الكوردية مع عاصمة أكبر وأهم دولة عربية . جولة في صحيفة كوردستان: لقد صدر العدد الاول من جريدة كوردستان*2 القاهرة في 2241898 وطبع منها 3000 نسخة وزع منها 2000 نسخة في كوردستان مجانا على نفقة صاحبها , وكان صدورها في القاهرة بعيدا عن ارض كوردستان يعتبر تأكيدا للمعاناة والظلم الذي عاشه الشعب الكوردي والذي منع من ممارسة ابسط حقوقه المشروعة على أرضه وبلسانه الذي يميزه عن بقية أقوام العالم ، لكن مع ذلك فان صدورها في القاهرة لم يخلص صاحبها من المضايقات والملاحقات التي أجبرته على إصدار ستة أعداد فقط في القاهرة ثم انتقل الى أوربا (جنيف) حيث صدرت الأعداد 7 الى 19 لكنها عادت ثانية الى القاهرة فصدرت الأعداد 20 الى 23 ثم لتنتقل الى لندن فصدر العدد 24 فيها قبل أن ترحل من جديد الى مكان آخر هو ( مدينة فولكستون ) والتي صدرت فيها الأعداد 25 الى 29 وكانت آخر رحلة لهذه الصحيفة الرائدة مدينة جنيف التي صدر فيها العدد 31 وهو العدد الأخير الذي صدر في 14 نيسان 1904 حيث توقفت الجريدة عن الصدور بعد هذه الرحلة الطويلة والشاقة في بقاع العالم المختلفة والبعيدة عن ارض كوردستان والتي تؤكد مقدار الجهد والدور الكبير الذي لعبته الأسرة البدرخانية في خدمة الثقافة الكوردية وتنمية الوعي والشعور القومي لدى الكورد. لقد اختار المناضل الكوردي مقداد مدحت بدرخان *3 اسم كوردستان لصحيفته التي صدرت في القاهرة وباللغة الكوردية وكتبت باللهجة الكرمانجية الشمالية وبالحروف العربية ، لانه كان يريد ارسال رسالة الى الشعب الكوردي في جميع اجزاء كوردستان لايقاظ الشعور القومي لديهم، وتعتبر ولادة لأول كلمة مناضلة في مسيرة الحركة التحررية الكوردية، ولعبت صحيفة كوردستان دوراً تاريخياً مهما مجيدا في ايقاظ الوعي القومي وبلورة اهداف الحركة التحررية الكوردية والتعبير عن الاماني القومية والتطلعات الانسانية والدعوة الى اشاعة الديمقراطية، وكان جل اهتمام الامير مقداد مدحت بدرخان هو نشر العلم والمعرفة والثقافة بين ابناء امته، في وقت كانت شعوب المنطقة غارقة في ظلام الجهل والفقر والمرض وجور الظلم والاضطهاد من الحكام الجائرين. وصحيفة كوردستان صدرت لتكون بداية تدفق كلمات المقاومة ضد عهد الدولة العثمانية لانه كان عهد ظلام وجهل واستغلال وحرمان حقوق الكورد والقوميات الاخرى من ابسط حقوقهم الانسانية وهو حقهم القومي والثقافي، لان التعليم الرسمي والثقافة التركية كانتا تقفان بقوة بوجه تقدم وازدهار الثقافة والتعليم الكورديين، ومرت الصحافة الكوردية بمراحل وظروف شتى وهي بوصفها صحافة امة مظلومة ومهضومة الحقوق. وتعد صدور الصحيفة بداية لنضال القلم في التاريخ الزاخر لشعب كوردستان والشرارة التي بدأت ولم ولن تنطفىء الى الابد .

Taakhi