الرئيسية » مقالات » المجتمع الكردي في مواجهة الذات – الحلقة (1)

المجتمع الكردي في مواجهة الذات – الحلقة (1)




داريوس
: كثر الحديث عن علاقة السياسي الكردي بنظيره المثقف ,وقد لوحظ نوع من التجني على المثقف الذي لم يجد من ينصفه حتى الآن , فرأيت أن نتباحث معا في هذه المسألة عسى أن نوفق مع الآخرين في تحريك المياه الراكدة بين السياسي وبين المثقف, فمن اين نبدأ يا ترى .


زاكروس :هناك من سبقنا في طرح هذه المسألة ولم يوفقوا إلى ردم الهوة وأنني أخشى أن يلتحق جهدنا بجهدهم فلا يأتي نتيجة , فالمسألة تتعلق قبل كل شيء بالإرادة والقناعة وما لم يتوفر هذان الشرطان لن نصل إلى أي شيء , وحتى تكون الصورة واضحة يجب علينا توسيع هذه المحاورة و العودة إلى بدايات تشكل الحركة الكردية, لأن جذور هذه الإشكالية ترجع إلى تلك الفترة المحكومة بظروفها التي لم تعطي المثقف الكردي فرصة ليثبت وجوده أو يؤدي دوره كما يجب , فقد نشأت الحركة الكردية ( ح. ك ) في ظروف مجتمع رعوي زراعي متخلف تسوده علاقات عشائرية إقطاعية حيث الجهل والأمية , ومن جهة أخرى عاشت المرحلة صعود الفكر الشيوعي , فكانت هذه المعطيات بمثابة خميرة لفكر ( ح. ك ) التي أسسها جماعة من المتنورين الأكراد ممن سبقوا الآخرين إلى الوعي بضرورة وجود تنظيم سياسي يعمل من اجل المسألة القومية, حيث يعود الفضل إلى هؤلاء الرواد في بناء( ح. ك) الراهنة , وإذا كان جيل المؤسسين قد اتفقوا بشأن المسألة الكردية إلا أنهم لم يكونوا على سوية واحدة من حيث الفكر والوعي والتوجهات السياسية , حيث يمكن ملاحظة فريقين بين جيل الرواد.


داريوس : تقصد انعدام الانسجام الفكري بين جيل المؤسسين , ولكن ما لم يكونوا منسجمين كيف توصلوا إلى تأسيس الحركة , لا بد أنهم كانوا يحملون أفكار أو ثقافة متماثلة وإلا ما التقوا معا , ولأنهم حملوا ثقافة فلا بد أنهم كانوا يدركون قيمة المثقف ومدى حاجة السياسي والمجتمع إليه , لذلك لا أميل إلى تحميل جيل الرواد مسؤولية التباعد بين السياسي والمثقف هذه مشكلة ظهرت بعدهم على ما اعتقد .


زاكروس : لا احمل الرواد المسؤولية بل الظروف التي عملوا فيها فقد كان هناك فريقين من هولاء الفريق الأول : له خلفية عشائرية إقطاعية وهذا لا اعتبره عيبا أو نقيصة ولكنه لم يملك من الثقافة والفكر الحديث القدر الكافي ليؤسس أعراف وتقاليد في التنظيم السياسي على أسس سليمة تتبع مناهج الأحزاب العصرية على قواعد الديمقراطية والحرية حتى تتخلص ( ح. ك ) من الشوائب العشائرية والإقطاعية التي بقيت عالقة حتى الآن بذهنية بعض الكوادر الحزبية من مختلف المستويات, مما يعرقل تطور فكر أحزاب ( ح. ك ) الإيديولوجي والسياسي والتنظيمي نحو ثقافة الانفتاح والتسامح ضمن المكون الذاتي ( الكردي) وهذا يؤثر في نوعية التركيبة البشرية لجسد الحزب أي نوعية أعضائه ومستوى وعيهم العلمي والمعرفي والسياسي , حيث كلما كان الحزب منفتحا كلما ارتقت نوعية أعضائه وهنا لا نقصد الحط من قيمة وأهمية الأعضاء الأقل وعيا بل هم الأساس والقاعدة التي لا يمكن لأي حزب الاستمرار بدونها ولكن وجود النوعية ( النخبة ) مفيد في الأخذ بيد هؤلاء بهدف رفع مستوى وعيهم إلى الدرجة التي تليق بحماسهم وإخلاصهم لقضيتهم القومية التي ما انخرطوا في صفوف أحزاب ( ح. ك ) إلا من اجلها , إن التثقيف والتدريب أمر ضروري في حياة الأحزاب لبناء الكوادر المؤهلة القادرة على تأدية المهام المكلف بها على أكمل وجه ,والتمرن على ممارسة فن السياسة , ولكن ( ح. ك ) لم توفق كثيرا في هذا المضمار لتبقى تتحرك في إطار الحس القومي السليم دون تخطيط أو برنامج عصري متكامل ,أما الفريق الثاني : فقد اطلع على الفكر السياسي والتنظيمي للأحزاب المعاصرة ولكنه تأثر باليسار والشيوعية ونبذ الليبرالية , فجاء التصور عن التنظيم الحزبي أشبه ما يكون بالأحزاب الشيوعية والاشتراكية , وبذلك التقى الفريقان حول فكرة الزعامة لأن العقلية الإقطاعية تلتقي مع التوجهات اليسارية في مسألة الزعامة , مما كرس مبدأ الزعيم الأوحد التاريخي والسلطة المركزية للحزب و مبدأ تبعية القاعدة للقيادة , فلم يتسنى للكادر الحزبي إن يتعرف على الأشكال الأخرى للتنظيمات السياسية السائدة في العالم الحر , حيث تكون اجتماعات الأحزاب ومؤتمراتها بمثابة جلسات برلمانية للمساءلة والمحاسبة وفي ذلك منفعة لتقويم الأخطاء وتمرين عملي على تعلم ممارسة الديمقراطية , وكانت النتيجة إن الرواد من الفريقين لم يكتب لهم اكتشاف الشكل الآخر للتنظيمات السياسية الموجودة في العالم المتمدن , فبقيت ( ح. ك ) في إطارها الكلاسيكي المتأثر بالعقلية العشائرية واليسارية معا , حيث الزعامة الفردية والسلطة المركزية , ونتيجة ضعف الوعي الشعبي وعدم إدراك كوادر ( ح. ك ) , فقد ساد الاعتقاد بأن الحزب ملكية فردية لزعيمه وان البقية أتباع , ذلك لعدم توفر معارف أو معلومات حول بناء التنظيم السياسي , فقد كانت الناس مدفوعة صوب ال ( ح. ك ) بعواطفها القومية .


داريوس :لقد أحسنت الربط بين العقلية الإقطاعية والفكر اليساري بخصوص القيادة ولكن أضيف هذه الفكرة سرعان ما تحولت إلى التعصب للزعيم ومن ثم للحزب وليس للهدف الذي تأسست من اجله ال( ح. ك ) , فوقع الخلل , حيث تحمس البعض للزعيم العشائري والبعض للزعيم اليساري ولم يظهر الخط الثالث المتحمس للفكر الحر رغم أن ال ( ح. ك )حملت منذ البداية شعار الديمقراطية ولكنها لم تعرف ممارستها على أسس سليمة داخل التنظيم الحزبي وهذا شيء طبيعي إذ يجب الحكم على جيل الرواد حسب ظروف واقعهم ومرحلتهم وليس بمنظورنا نحن جيل المرحلة الراهنة , لأن الظرف السياسي والاجتماعي والاقتصادي حكم على ال( ح. ك ) فلم تستطع تجاوز تقاليدها العشائرية اليسارية إلى التقاليد الديمقراطية الليبرالية … يتبع