الرئيسية » مقالات » الباحث باتريك هاني- الإسلاميون السنة في لبنان يعيشون على هامش الأحداث

الباحث باتريك هاني- الإسلاميون السنة في لبنان يعيشون على هامش الأحداث

أخذت وتيرة الأحداث تتسارع على المشهد اللبناني، خاصة مع المواجهات المسلحة التي قامت خلالها عناصر ميليشيا “حزب الله” بالسيطرة على العاصمة بيروت وغلق طرقاتها ومطارها الدولي، فضلا عن إحراق وتدمير عدد من الممتلكات التابعة للسنة، حتى قال مفتي لبنان الشيخ محمد رشيد قباني: “إن صبر السنة نفد”.

وقد أثارت هذه المشاهد كثيرا من المخاوف على مستقبل الطائفة السنية اللبنانية، بكافة أطيافها، خاصة في ظل ضعف الجيش ومؤسسات الدولة عن مواجهة الحزب الشيعي المسلح المدعوم من سوريا وإيران.

وحول هذه التطورات التقينا باتريك هاني الباحث السويسري وممثل “مجموعة الأزمات الدولية” في بيروت، وذلك من أجل استشراف موقع الحركات الإسلامية السنية في هذه المعادلة، كجزء فاعل من بين مكونات السنة في لبنان، وإمكانية تأثيرها في هذه المجريات.

الخريطة السنية

*سألناه أولا، ماذا عن خريطة الحركة الإسلامية السنية في لبنان؟

– إن تقسيمات الحركة الإسلامية السنية في لبنان كمثل شقيقاتها في العالم العربي، وإن اختلفت معها في بعض جزئيات، وهي كالتالي:

“الجماعة الإسلامية” التي أسسها الداعية الشهير فتحي يكن مع مجموعة الفعاليات الإسلامية مثل عبد الله بابتي و إبراهيم المصري، والتي تعد العنصر الرئيس في الحركة الإسلامية اللبنانية، وهي تمثل مدرسة “الإخوان المسلمون” في لبنان، وذات حضور واسع في جميع المناطق السنية في لبنان، وهي تحمل مشروعا سياسيا، ولديها سلسلة من المؤسسات التربوية والاجتماعية والثقافية والصحية والشبابية، وكانت لها مشاركة فاعلة في العمل المقاوم إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وبقيت هذه المشاركة، لكن بحجم أقل بعد بروز حزب الله الذي تصدر العمل المقاوم في لبنان.
حركة التوحيد الإسلامي وهي أسست في سنة 1982 وهي تشمل فصائل نضالية قومية ويسارية سابقا، وقد أمرت عليها الشيخ سعيد شعبان الذي تأثر في مساره بالنمودح الثوري الإيراني. وقد سيطرت هذه الحركة على مدينة طرابلس ما بين 1982 و 1985 وشكلت ما يشبه إمارة إسلامية في المدينة قبل أن تتحجم مع الدخول العسكري السوري إلى طرابلس.

“التيار السلفي” أسسه الشيخ سالم الشهال، وقد ظل هذ االتيار موحداً حتى تسعينيات القرن الماضي، في ظل زعامة عائلة “آل الشهال” داعي الإسلام الشهال، وسالم الشهال، وحسن الشهال، وراضي الإسلام الشهال، وهي كتلة أسرية كانت تسيطر على الحيز السلفي “سلفية علمية” في لبنان إلى أن تفككت إلى مجموعات صغيرة حول معاهد للدراسات الشرعية وحلقات دينية، في ظل ضغوط تعرضت لها من قبل سوريا. وهذا التفكيك أدى إلى شكل من التنوع، في ظل صلات عديدة ارتبطت بها مع الخارج وخاصة مع أفراد ومؤسسات في بلدان الخليج العربي.
السلفية الجهادية وقد ظهرت في النصف الثاني من التسعينيات، وبشكل علني مع أحداث “الضنية” عام 2000 عندما تصادم الجيش اللبناني مع مجموعة أبو عائشة، أحد العائدين من الجهاد الأفغاني، وتشكلت هده المجموعة من أفراد تأثروا بتجربة “حركة التوحيد الإسلامي” وأرادو أن يعيدوا تجربة الإمارة الإسلامية في شمال لبنان. ونفس الهدف كان وراءه مجموعات أخرى من أبرزها المجموعة اللبنانية في فتح الإسلام بقيادة أبي هريرة، وهو الآخر أحد قدماء السلفية. ومن بين تفريعات هذه الحالة ظهرت “حركة التوحيد الإسلامي”. ويمكن القول إن السلفية الجهادية في لبنان هي امتداد للتجربة العسكرية “لحركة التوحيد الإسلامي” أكثر مما هي اتجاه نحو العنف عند السلفية العلمية.
وغير بعيد عن خارطة الإسلاميين اللبنانيين يبرز دور فصائل الإسلاميين داخل المخيمات الفلسطينية، كـ”جند الشام”، و”فتح الإسلام”، و”عصبة الأنصار”، و”الجهاد الإسلامي”، و”حماس”.

وهناك شخصيات إسلامية سنية مستقلة وهي مكونة من قيادات منشقة عن الجماعة الإسلامية التي استمرت في العمل الدعوي بشكل مستقل عبر مشاريع خاصة في القطاعين التربوي والصحي، و تحولوا من منطق العمل الخيري إلى المشروع الاستثماري، وعلى هذا الأساس فهم أقرب إلى تمثيل الطبقات الميسورة.
*ما هي المناطق والمدن اللبنانية التي يمكن أن نقول إن للحركة الإسلامية ثقلا فيها؟

– منبع التجربة الإسلامية يتمثل في طرابلس (شمال)، وفي مدن صيدا، وبيروت الغربية، وجزء من البقاع اللبناني، وهذه هي أماكن التمركز السني.

السنة في المعادلة السياسية

*ماذا عن ثقل هذه الحركة في المعادلة السياسية عامة بلبنان؟

– بالنسبة للحركات الإسلامية اللبنانية عامة فهي تعاني من مشكلة أساسية متمثلة في “الضعف التنظيمي” بهيكلياتها، ذلك أن كثيرا من القيادات والزعامات البارزة كانوا قد خرجوا من فصائلهم وجماعاتهم وعمل كل منهم في مشاريعه الدعوية الخاصة، كبناء المساجد والمستشفيات التي كرس نفسه لها، ليترك التنظيم يواجه مشاكل كبيرة في القيادة، وهو ما أثر في قدرة الحركة وفاعليتها بشكل عام.

وعلى عكس ما هو شائع في وسائل الإعلام وما تروج له الدوائر الغربية من قوة وتمدد وانتشار، إلى غير ذلك من المصطلحات التي تعطيك “بورتريه” مخيفا عن الإسلاميين، أرى العكس تماما في لبنان؛ إذ إن هذه الحركات ظلت تعاني من حالة ضعف شديدة، وخاصة بالنسبة للتيار السفلي في ظل ضغوط الممولين لأنشطة الحركة من الخليجيين، والضغوطات التي مورست عليهم، فضلا عن الملاحقات الأمنية التي لم تتوقف في إطار حالة الخوف الدولية من التيار الإسلامي، مما ساهم في كثير من التراجع والتفكك في ظل جدليات داخلية. وقد ظل المال السعودي المتدفق حكرا على جماعة “المستقبل” في مبعدة تامة عن فصائل الحركة الإسلامية.

بعد اغتيال رفيق الحريري جرى توحيد الطائفة السنية تحت راية “المستقبل” وقد تم ذلك بدعم أغلبية الفاعلين الدينيين من السنة، ومن بينها التحالفات التي تمت مع التيار السلفي، وقد جرى كل ذلك في سبيل “التوحد” تحت لافتة الخطر الذي بات يهدد السنة اللبنانيين بعد اغتيال الحريري؛ إذ لم يكن هناك من تحفظات على قيادة “سعد الحريري” ولا توجهاته العلمانية خاصة أنه يمول الكثير من أنشطة وتحركات الشخصيات والزعامات الدينية.

السنة وحزب الله

مقاتلي حزب الله

*ماذا عن العلاقة بين الحركات الإسلامية السنية وجماعة “حزب الله” على اعتباره جماعة شيعية مسلحة؟

– هناك حركات سنية قريبة من حزب الله كـ”جبهة العمل الإسلامي” في ظل قيادة الداعية (فتحي يكن) الذي يتمتع بصلات وثيقة وله قرابة من سوريا، ولعل من أظهر مواقف يكن تعاطفه المعلن مع فكرة “المقاومة” وهو ما يغالب الحس الطائفي لديه، مما لم يجد معه غضاضة في التحالف مع الحزب الشيعي.

وقد واجهت “الجماعة الإسلامية” في ظل قيادته مأزقا ثقافيا ودينيا مع المقاومة، فهي تؤيدها لكنها غير راضية عن مقاومة الشيعة.

هناك “حركة التوحيد الإسلامية” التي يقودها (بلال سعيد شعبان) وهو نجل سعيد شعبان الأب الروحي لحركة التوحيد الإسلامي. وأيضا هناك الشيخ (ماهر حمود) في صيدا. وهي تحالفات في مجملها قوية، وقد زادت قوتها في ظل الصراع السياسي القائم في البلاد. فمن خلال فكرة “شرعية المقاومة” سعى حزب الله إلى توسيع دائرة المقاومة وقد استفاد أيما استفادة من “سرايا المقاومة” وهي تشكيل من المتعاطفين مع الحزب يضم عناصر سنية وشيعية ومسيحية كلها تتكتل خلف فكرة “المقاومة” ويدعمها الحزب سياسيا وعسكريا، من خلال تدريب وتسليح عناصرها.

وليس أدل على قوة هذه التحالفات التي تقيمها بعض الحركات الإسلامية السنية مع “حزب الله” من أن أيا منها لم يستنكر ما فعله الحزب في العاصمة بيروت، ولم يبد أحد الاعتراض.

*في حال تداعت الأحداث وتحولت لمواجهة مسلحة بين السنة والشيعة، هل ثمة جاهزية أو استعداد يمكن أن يكون لدى بعض الحركات السنية لحمل السلاح في وجه حزب الله؟

– لا أجد من بين فصائل الحركة الإسلامية السنية في لبنان من هو مستعد لفعل ذلك، قد تكون هناك بعض ميول فردية أو حتى جماعية، لكن إمكانية وقوع ذلك صعبة إن لم تكن مستحيلة، وليس أدل على ذلك مما جرى في العاصمة بيروت، على مرأى ومسمع الجميع، حيث أغلق مسلحو الحزب طرقات العاصمة، واستولوا على مطارها الدولي، وظلوا منتشرين في كل مكان دون أن تواجههم أو تردعهم أي قوة.

فلم تحدث أكثر من عدة اشتباكات بمبادرات فردية من أصحابها، جاءت عفوية أشبه ما تكون بالأعمال الانتقامية، بالإضافة لبعض عمليات استهدفت مقار ومكاتب تابعة للحزب الله داخل بعض المدن.. لكن في المجمل العام ظل السنة غير قادرين على فعل شيء.

ذراع عسكرية

المشهد العسكري لا يزال حاضرا في لبنان

* هل معنى ذلك أن الحركة الإسلامية مفتقدة لأي ذراع عسكرية في لبنان؟

– هذا بالتأكيد، اللهم إلا مجموعات مسلحة تقوم على حماية المقار والمكاتب وبعض الممتلكات، بالإضافة إلى اضطلاعها بحماية الشخصيات والزعامات البارزة في الطائفة السنية، كما هو الحاصل بالنسبة للجماعة الإسلامية التي لها بعض المجموعات لحماية مؤسساتها ورموزها، أما عن قوى منظمة وفاعلة وقادرة على القيام بأعباء مواجهة أمام حزب الله فهو غير حاصل بالمرة.

وقد جرى حديث عام 2007 حول إمكانية تسليح السنة في لبنان، من قبل شخصيات في تيار المستقبل، وذلك في أعقاب الإضراب العام الذي نفذته المعارضة وكان هدفه تطويق بيروت، وقد كان للمعارضين ما أرادوا، لكن هذا الحديث انتهى إلى تسليح مجموعات صغيرة غير إسلامية بالمرة، من أجل حماية القادة، كما تم التعاقد مع شركات أمنية أجنبية لحماية الممتلكات، وتم تسليح بعض شباب الأحياء، كل ذلك بعيدا عن الحركات الإسلامية، ولعل كان الفيصل في هذا الأمر المال السعودي الذي يصعب إمكانية وصوله إلى الإسلاميين.

ولقد انعكس كل ذلك في “نكسة” حقيقية بحق السنة في لبنان، فالطائفة باتت تواجه حالة من الفشل العام، من أهم نتائجه التأكد من فشل “مشروع المستقبل” على الأرض في حماية الطائفة السنية. وفي أعقاب الأحداث الأخيرة شوهد عناصر من تيار المستقبل وهم يمزقون صور (سعد الحريري) ويوجهون له الشتائم والانتقادات اللاذعة، بعد أن تخلى عن مسئوليته في حماية الطائفة وتركها بلا حماية.

* ألا يدفع هذا الحال بعض الجماعات الجهادية بالخارج للتفكير في الدفاع عن السنة داخل لبنان؟

– ليس عندي معلومات موثقة بهذا الشأن، لكن بشكل عام فتنظيم “القاعدة” مثلا غير موجود بلبنان، وقد صارت ملاحقات لبعض مشتبهين بالانتماء إليه، وكانت ملاحقات استئصالية.
——————————————————————————–
صحفي مصري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/ علي عبدالعال
2 السنة في لبنان.doc [application/msword] 76 KB