الرئيسية » مقالات » التحول الدرامي للمعارك من مدينة الثورة لبيروت وصدمة معاقل جحر الثعالب اللبناني

التحول الدرامي للمعارك من مدينة الثورة لبيروت وصدمة معاقل جحر الثعالب اللبناني

رغم تسلسل أحداث ما قبل سيطرة حزب الله اللبناني على بيروت وتوسعها بعد ذلك داخل أماكن أخرى من لبنان عندما استبدل أنصار مقاتلون ومحترفون من حزب الله الذين ملئوا شوارع المدينة عشية الانفجار الأخير ، ثيابهم بثياب مرقطة لا تفرقهم عن الجيش اللبناني النظامي سوى القبعات السوداء التي يرتديها مقاتلو حزب الله تيمنا بـ”القائد” عماد مغنية ، والتي بدا مسلحو تيار المستقبل أمامهم كمقاتلين هواة بثيابهم المدنية وأسلحتهم الخفيفة ، مما دعا قائدهم وطفل التحالف السعودي – الأمريكي – الفرنسي المدلل ( سعد الحريري / مواليد 1970 وهو يحمل جنسيات ثلاث بلدان هي السعودية والفرنسية واللبنانية) يقبع بهلع داخل دارته في ” قريطم ” التي انتزع الزعامة فيها من أخيه الأكبر ( الشيخ بهاء الدين الحريري ) بتهديد مباشر من قبل عراب حرب الخليج الثانية التي أطلق عليها اسم ( حرب تحرير الكويت ) وسفير السعودية السابق في واشنطن ( الأمير بندر بن سلطان ) حسب تصريحات الشيخ بهاء الحريري الذي قال عن أخيه الأصغر سعد ( سرق الزعامة بعد أن هدّدنا بندر بن سلطان بأنه وحلفائه الإسرائيليين والأميركيين لن يؤمنّوا للعائلة ولأموالها الحماية إن لم نوافق على إعطاء الزعامة لأخي سعد ) ، فإن كل ما جرى لم يكن نتاج قراري حكومة السنيورة التي يقال بانهما السبب الرئيسي لـ ( انقلاب ) حزب الله على السلطة الشرعية اللبنانية التي تمثل الأقلية في بلد شكل الاحتلال الفرنسي السابق نظامه السياسي وفق محاصصات دينية وطائفية مبنية على توزيع السلطة على إقطاعيات عائلية معينة من كل طائفة . بل كان القراران تحصيل حاصل لتصاعد الأحداث الأخيرة بشكل درامي عنيف سبب إرباكا واختفاء لسلطة الدولة التي صدمت بوقوف الجيش اللبناني على الحياد الذي تتنازعه عدة عوامل أحدها كون قائده العماد ميشال سليمان المرشح الذي تجتمع على رئاسته للجمهورية كل الأطراف اللبنانية المتصارعة على الساحة السياسية ، وموقف قائد الجيش الحكيم في عدم الانجرار وراء الدعوات لتدخل الجيش رغم الضغوط السعودية المتكررة بهذا الخصوص ، والذي كان من الممكن أن يسبب تدخله نزاعا لبنانيا على غرار الحرب اللبنانية التي جرت أواسط سبعينات القرن الماضي .

ولخص رئيس مجلس النواب وقائد حركة أمل الشيعية نبيه بري كل ما حصل في تصريحه لصحفية الحياة اللبنانية عندما قال 🙁 ما هي إلا رد فعل على خطأ سياسي فادح ارتكبته حكومة السنيورة البتراء، لذلك ما كان مطلوباً قبل شهور مطلوب الآن، أي في العودة إلى طاولة الحوار، من دون زيادة أو نقصان، وهذا ليس انقلاباً ولا ضربة شمس ) . لذلك يأتي مطلب المعارضة بدعوة الحكومة للتراجع عن قراريها (والمتعلقين بشبكة اتصال حزب الله ونقل رئيس جهاز أمن مطار بيروت العميد وفيق شقير من منصبه ) كعودة لمربع الصفر في العلاقة بين الحكومة والمعارضة صاحبة انقلاب بيروت ، وان يكون لها رأي نافذ في الحكومة المقبلة وخاصة في إدارة أجهزة الأمن الرسمية التي يسيطر عليها سياسيو الائتلاف الحاكم منذ اضطرت سوريا للانسحاب من لبنان .

وما تحمله المعارضة في دواخلها لهو اكبر بكثير من هذين المطلبين كونها كما فهم من مجريات الأمور تصر على نهاية المرحلة الرمادية والسعي بعد انتخاب الرئيس المتفق عليه لتأليف حكومة وحدة وطنية وإقرار قانون للانتخابات يعتمد القضاء دائرة ، للحصول على الأكثرية في صنع القرار ، ومن اجل هذا أطلق السيد حسن نصر الله قوله الذي فجر الأحداث بعد مؤتمره الصحفي : “الحرب بدأت.. وقد أعذر من أنذر” .

وعند استعادة حزب الله للأحداث يعود دائما للذاكرة التي فجرت الأحداث وشكلت ضغينة على زعيم كتلة 14 آذار سعد الحريري وحليفه القائد الدرزي كمال جنبلاط أو رئيس الحكومة الفعلي كما يجري تسميته من قبل المعارضة اللبنانية ، فذاكرة الحزب وحلفائه من المعارضة لن تستطيع محو تحركات سعد الحريري أيام حرب تموز 2006 مع إسرائيل ، حيث ذكر بأن سعد زار إسرائيل حتى الآن خمس مرات واحدة منها خلال الحرب التي شنّتها على لبنان إثناء الحرب اللبنانية الإسرائيلية في تموز 2006 ، إضافة لشخصية خليجية كبيرة قدمت الدعم المادي لإسرائيل بغية استمرار الحرب دون توقف لإعادة تشكيل الخارطة السياسية اللبنانية بعد القضاء على حزب الله اللبناني ، وكان ذلك بحضور وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايز التي كانت تقيم في فندق داخل مدينة القدس إثناء زيارتها لإسرائيل وقت اندلاع الحرب . كذلك تختزن ذاكرة الحزب الموالي لإيران مواقف لسعد الحريري لبناء علاقات مشبوهة بدعم من شركة علاقات عامة يملكها الموسادي الروسي فيكتور سلاييفزفيتش ، وحاول شراء الكثير من المقرّبين من القيادة الروسية بالرشاوي والهدايا طمعاً في مواجهة اللوبي الروسي العامل لمصالح روسيا مع إيران الداعم الرئيسي لحزب الله اللبناني . وهو نفس الموقف الذي حاول به سعد الحريري مع تركيا إثناء زيارته لها لخلق حالة من التهديد ولو من بعيد لكل من حليفي حزب الله سوريا وإيران عبر القوة العسكرية للجندرمة الأتراك المدعومة أمريكيا .

ولكون السياسة فن الممكن كما يقال ، والتي لا تخضع دائما لقيم وأخلاق ومبادئ ، وتستند على اللف والدوران وعمادها المناورة فما حصل ببيروت ليس ببعيد عما كان يحصل من صراع دولي إقليمي على الأرض العراقية . حيث تقود إيران صراعا مكشوفا على النفوذ في المنطقة مع الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة اليد الطولى في العراق ، ووصلت حدة الصراع قوتها في عملية تكسير العظام بين طرفي النزاع الشرس الذي يذهب ضحيتة عشرات العراقيين الأبرياء يوميا وتركزت قوة ذلك الصراع في البصرة التي شهدت انحسار النفوذ الإيراني للميليشات المدعومة رسميا من قبل إيران في ( صولة الفرسان ) ، مما دعا إيران لفتح ثغرة أخرى في مدينة الثورة – الصدر – ببغداد لإرباك الحكومة العراقية ومن خلفها قوات الاحتلال الأمريكي الداعمة لقراراتها بتخليص العراق من الميليشيات الإرهابية المسلحة وتقف على رأسها ميليشيا مقتدى الصدر المسلحة تسليحا يفوق في كفائتة تسليح الدولة وقواتها المسلحة ، إضافة للتدريبات المكثفة لرجال العصابات من الميليشيات داخل إيران من قبل ( سپاه باسداران ) آی الحرس الثوری الإيراني وبالخصوص فیلق القدس الإيراني الممول الرئيسي والمسؤول مباشرة عن تشكيل وتنظيم وتسليح جيش المهدي . وهي حالة استعاضتها إيران من النظرية الأمريكية التي تقول بـ ( خلق بؤر توتر ) لتسهيل عملية التدخل الخارجي أو التفاوض من اجل بسط النفوذ ، أو تمرير مشاريع وخطط معدة مسبقا . ولا يستبعد أن يكون هناك توافق ثنائي بين طرفي الصراع الأمريكي – الإيراني يحمل عدة دلائل يقف في مقدمتها غض الطرف الإيراني عما يحصل من ضغوط عسكرية عراقية أمريكية مشتركة على ميليشيا مقتدى الصدر للضغط عليه عسكريا واستسلامه لسلطة الدولة ثم حله للتخلص من مخاطره نهائيا على سير العملية السياسية ، وهو ما حصل فعلا ضمن الاتفاق الأخير بين قيادات ميليشيا الصدر العلنية الممثلة بالملتحين الجدد الذين انتجتهم سنوات ما بعد سقوط نظام البعث كبديل حاضر لجيش القدس وفدائيي صدام والتشكيلات الأمنية المدربة تدريبا جيدا كما ظهر في قدراتهم العسكرية إثناء المجابهة مع الحكومة العراقية . والهدف الثاني هو قرص أذن النظام السعودي الداعم لسعد الحريري وتياره الذي شكل من قضية اغتيال شخص رفيق الحريري رغم بشاعتها ، قضية وطن باجمعه هو لبنان وضخمها لتطغي بذلك على الوطن كله ، إضافة للموقف السعودي المستمر في دعم الإرهاب الوهابي إن كان من خلال الفتاوى الدينية التي لم تتوقف لحد الآن ، أو التبرع بالأموال ودعم القوى الإرهابية بواسطة قنوات مالية عديدة تقف على رأسها جمعيات الإغاثة الإسلامية السعودية . وزاد من غيض الحليف الأمريكي للسعودية عودة من تم اطلاق سراحهم من المعتقلين في معسكر غوانتنامو من السعوديين والخليجيين وبضغوط سعودية وخليجية ، لممارسة الإرهاب من جديد ، بمعنى إن حكوماتهم لم تكن جادة أصلا في مراقبتهم وتتبع تحركاتهم بعد إطلاق سراحهم ، أو كان هناك غض بصر عن تحركاتهم الجديدة ما أدى لحدوث تفجيرات في كل من أفغانستان والعراق من قبل إرهابيين كانوا ضمن الذين أطلق سراحهم من معسكر غوانتينامو ومثل على ذلك الإرهابيين الكويتيين الذين نفذا تفجير مدينة الموصل . لذلك كان تواجد المدمرة «يو اس اس كول» التي تمركزت في المياه الإقليمية قبالة شواطئ لبنان في البحر الأبيض المتوسط جزءا من مسرحة الحدث الذي بدأ يكبر وينتفخ بسرعة كفقاعة الصابون ليخفت وتهدا الأمور بعد خمسة أيام من الحدث عندما انسحب المسلحون من الشوارع وسلموا مراكزهم للجيش اللبناني الذي بقي واقفا على الحياد ، معلنا انتهاء اللعبة بعد الصدمة العنيفة التي تلقاها جحر الثعالب في لبنان . وهي نفس الخطة التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية لتصفية حزب العمال الكردستاني PKK عندما أوعزت ومن طرف خفي لتركيا بملاحقة الحزب وقصف قرى كردستان العراق بعد تقديم كل ما يحتاجه الجيش التركي من معلومات استخبارية لسببين رئيسيين هما التخلص من حزب العمال الكردستاني الذي يضايق حليفتهم تركيا من جهة ، وقرص أذن حكومة إقليم كردستان من جهة أخرى وتذكيرها بمقولة ( إننا هنا ) .

* ناشط في مجال مكافحة الإرهاب