الرئيسية » مقالات » ألمشروع ألروسي ألجديد للشرق ألأوسط

ألمشروع ألروسي ألجديد للشرق ألأوسط

رغم تعابير ألخجل وألطيبة ألبادية على تقاسيم وجهِهِ إلاّ أنّ ألرئيس ألروسي ألجديد ديميتري ميدفيديف إستهل رئاستهِ بطرد دبلوماسييّن أمريكيّيَن وإقامة إستعراض عسكري عملاق في ألساحة ألحمراء يشبهُ إلى حدّ بعيد تلك ألإستعراضات ألتي كانت ألدولة ألسوفيتية تقيمها في عهد ستالين بمناسبة ألتاسع من أيار من عام 1945 يوم إنتصار ألجيوش ألسوفيتية في ألحرب ألوطنية ألعظمى وكذلك يوم توقيع وثيقة إستسلام ألمانيا ألنازية ، ومَنْ تابع ألعرض ألعسكري ألذي عرضتهُ فضائية روسيا أليوم لساعات طويلة سيخرج بلا أدنى شك بإستنتاجات كثيرة أهمُّها أن روسيا بدأت تُعبّر عن نفسها في ألواقع ألدولي ألجديد ولا يهمنا في طريقة تعبيرها هذهِ سوى أبعاد وتأثيرات سيّاستها على شعبنا ألعراقي وباقي شعوب ألشرق ألأوسط …

فتأثير هذهِ ألدولة على ألمسرح ألسيّاسي للشرق ألأوسط ليس وليد أليوم بل يعود لعام 1921 عندما وقّعت ألدولة ألسوفيتية في عهد لينين مع ايران إتفاقية تسمح فيها ايران للقوات ألسوفيتية بألتدخل عند حدوث إعتداء أجنبي عليها ، ومن ثمَّ إتفاقية عام 1941 ألتي تمَّ ألتوقيع عليها في عهد ستالين وإضيفَ لها بنود أخرى ومنذ ذلك ألحين لعبت ألسيّاسة ألروسية دوراً في ألتأثير على ألقرار ألسيّاسي لأيران ولاتزال لاسيما وأن ألحديث في ألفترة ألأخيرة بين ألدولتين يتمحور حول إنضمام ايران لمنظومة ألتعاون ألأمني مع روسيا وألصين وألتي تسمى منظومة شنغهاي ..

ومع إندلاع ألثورة ألإسلامية فيها وجّهت ايران ضربة للمصالح الغربية وألرأسمالية فيها من خلال إبعادها عن ألأسواق ألأيرانية رغم إتهام ألبعض لهذهِ ألثورة بألتبعية لإسرائيل وألولايات ألمتحدة إلاّ أنّّ ألواقع يعكس حقيقة مغايرة تماماً فألمصالح ألغربية تضرّرت بألفعل من حدوث هذهِ ألثورة ويمكن تلخيص ألإرتياح ألأمريكي لحدوثها في نقطة واحدة وهي أنَّها وضعت حدّا لتقدم ايران ألتي كانت دولة صناعية وكذلك أوقفت ألمدّ ألثوري أليساري ألمتعاظم ألذي كانت ألأحزاب أليسارية تقودهُ وألتي كانت تعّد نفسها وألطبقة ألعاملة في ايران للتحالف من ألمؤسسة ألعسكرية ألإيرانية لثورة وألإطاحة بمحمد رضا بهلوي شاه ايران ،أطاحت ألثورة ألإسلامية في هذهِ ألدولة باليسار وراحت تُبيد كُلَّ مناصرية كما أعدمت قادة وجنرالات ألدولة من ألذين كانوا يتحالفوا مع أليسار للإنقضاض على ألشاه ، أوقفت هذهِ ألثورة عجلة ألتطور ألطبيعي في ايران وربما أعادت ألبلاد عشرات ألعقود إلى ألوراء وهذهِ ألثورة ربما لم تكن صناعة أمريكية بقدر ما كانت صناعة سوفيتية بألإعتماد على أللوبي ألأرمني في فرنسا ، فقد أدركَ ألسوفييت أنَّ زلزالاً بحجم ثورة إشتراكية في ايران لن يمّر بسهولة وسيقضي نهائياً على طموحاتهم في إبقاء ايران في ألإطار ألعام لمصالحهم خاصةً بعد تجربة ألعراق وثورة تموز عام 1959 والتي أدّتْ لوصول ألإسطول ألأمريكي إلى شواطئ لبنان …

كمّا أنَّ ألشعور ألديني في ألمنطقة وقف حائلاً أمام نجاح ألإشتراكية في هذهِ ألبلدان ولم يكن أمام مُشرّعي ألسيّاسة ألسوفيتية إلاّ ألإعتماد على ألتيّارات ألدينية بعد أن تأكّدت من أنَّ دولة علمانية او إشتراكية أويسارية هو خط أحمر بألنسبة لإسرائيل ألتي تريد جمهوريات متخلّفة وإستبدادية في ألمنطقة كي تؤكّد لإوربا وألغرب بإستمرار أنّها تعيش في وسط من ألأنظمة ألإستبدادية وجموع من ألمتخلّفين !!

إلتقت ألمصالح ألروسية في ألشرق ألأوسط مع ألمصالح ألإسرائيلية عند هذهِ ألنقطة وهي إقامة جمهوريات دينية في ألمنطقة تعطي إسرئيل مزيداً من ألشرعية وألدعم من أوربا وألغرب ، ولم يكن مفر من ألنظر بواقعية لطبيعة ألشرق ألأوسط من قبًل ألروس دون ألتحالف مع إسرائيل وطرح برنامج بديل للمشروع ألأمريكي تكون فيهِ إسرائيل ألرابح ألوحيد ، فرأس ألمال أليهودي حوّل شركة غاز بروم ألروسية في ظرف سنوات صغيرة إلى ثالث شركة عملاقة في ألعالم وسيتمكن من إختراق إيران وألعراق وسوريا وتركيا وألخليج دون ألحاجة للقلق من طرد ألشركات ألأمريكية وألغربية من ألمنطقة ..

فإسرائيل تعلم جيداً بطبيعة ألتعاون ألايراني ـ ألروسي وألمدى ألذي يمكن أن يصل إليهِ ، كما أنَّها تعلم بدعم ألروس لحزب ألله وألصدريين وألمجلس ألأعلى وحزب ألدعوة عن طريق ايران لكنها راضية عن هذا ألدعم لأنهُ سيقود في نهاية ألأمر إلى إقامة جمهورية إسلامية في ألعراق على غرار ما هو موجود في ايران وهذا ألشئ لا يخيفها طالما أنَّهُ تحت ألسيطرة ألروسية ـ ألإسرائيلية …

لقد تعلّمت ألسيّاسة ألروسية من نظيرتها ألأمريكية ألتعامل مع معطيات ألواقع من خلال ألمصالح ، ليس لهم أصدقاء دائميون بل مصالح دائمة وهذا ما ترجمهُ ألروس على أرض ألواقع من خلال ألأحداث ألتي تلت إعلان تفكك ألإتحاد ألسوفيتي ، وهم أفضل من ألأمريكيين في تحويل ألمعادلات ألسيّاسية إلى قطع شطرنجيّة ، وحتى بألنسبة لتركيا ألتي يتّم جرّها تدريجيّاً للمشروع ألروسي من خلال إقناعها بأنَّ ألأوربيون لن يسمحوا لها بألدخول إلى ألإتحاد ألأوربي دون ألتخلي عن حضارتها وماضيها وألنظر إليهِ على أنَّهُ ماضٍ دموي وظلامي وهذا ما لا تريدهُ ألأمة ألتركية ، لقد أفسح ألروس ألمجال لتركيا لإجتياح ألأسواق في ألجمهوريات ألسوفيتية ألسابقة كي تشعر بألثقة من أنَّ إنسحابها من اوربا وألإتحاد ألأوربي لن يكون باهض ألتكاليف كما أنَّها سلّطت عليها أللوبي ألأرمني في فرنسا يهددها بين ألحين والآخر كعامل مساعد لموضوع ألضغط ألروسي بإتجاه إبعاد تركيا عن ألغرب وإستبدالهِ بالشرق ..

وألمشروع ألروسي لا يهدف إلى جعل ألشرق ألأوسط مجموعة دول دينيّة فحسب بل يهدف إلى أبعد من ذلك بكثير وهو تحويل رؤوس ألأموال ألعالمية ومراكزها من أوربا وألولايات ألمتحدة إلى روسيا وألصين لأنَّ اوربا وألغرب ستدخلال حرب باردة دينيّة ألطابع ستجعل من ألتعامل معهما أمراً في غاية ألخطورة بالنسبة للخليج ودول ألشرق ألوسط ألتي تتحرّك تدريجيّاً إلى ألإتجاه للبحث عن بديل بعد تصاعد ألعنصرية وألكراهية بين اوربا وألغرب وشعوب ألعالم ألإسلامي بعد ألحرب على ألإرهاب وخاصةً بعد مسلسل ألرسومات ألمُسيئة للإسلام ومشاريع مشابهة أخرى كثيرة يجري الإعداد لها كي تصّب في نهاية ألأمر في بروز ألحرب ألباردة إلى ألسطح بصورة أوضح تُعجّل من خوف ألأنظمة ألتي تدور في ألفلك ألأمريكي من ألتخلي عن تبعيّها وألإتجاه نحو ألقطب ألجديد ، لا يمكن إغفال ألدور ألسوري ألذي يمثّل هو ألآخر طرفاً محورياً تعلم إسرائيل ثقلهِ جيداً لأنَّ سوريا حليفاً وثيقاً للروس من ألصعب عليهم ألتخلّي عنهُ ربما يجري ملائمتهِ مع ألتطوّر في ألمستقبل بما يصّب في تقدم ألمشروع ألروسي كأن يتم تحوير ألبعث إلى حزب ذو توجّهات دينية يلائم طبيعة ألصراع في ألمنطقة لكنهم يعلمون أنَّ ألتخلي عن سوريا يعني تركها لقمة سائغة للغرب وهذا ما لا يريدهُ ألروس لا ألآن ولا مستقبلاً …

ألمشروع ألأمريكي في إطارهِ ألعام يقوم على أساس تفكيك شعوب ألمنطقة وجعلها ولاياة أثنية ودينية وطائفية يسهل ألسيطرة عليها وتركيعها ، أي أنَّهُ يعتمد على ألتفكيك وألتجزئة بالمقابل يهدف ألمشروع ألروسي إلى ألإعتماد على ألكتلة ألعقائدية ألمتجانسة لمحاربة ألمشروع ألأمريكي وهذا ما تُطبِّقهُ على أرض ألواقع من خلال ألإعتماد على ألتيارات ألشيعية في ألمنطقة وألمتحالفين معها كحماس وإقامة جمهوريات إسلامية تستقطب مشاعر ألشعوب ,تعتمد عليها وفي نفس ألوقت تضمن ألمصالح ألروسية ألتي تلعب مع إسرائيل ألدور ألأبرز لإنجاح هذا ألمشروع ألذي يصب في خدمة ألأخيرة أكثر من ألروس فإسرائيل لا يهّمها في ألموضوع سوى بُعدهِ ألعقائدي ألذي يعطيها مبرر ألبقاء وألإستمرار لمئة عام مقبلة وهو حق مشروع لها تطمح لتحقيقهِ بعد أن غابت إرادة شعوب ألمنطقة عن ألتأثير في ألأحداث وإنجرارها وراء شعارات ألإسلام ألسيّاسي ألتي تقودهم كألعميان لإعطاء إسرائيل ألمزيد من ألتعاطف من ألغرب …

بدأ ألمشروع ألروسي يظهر بوضوح أكثر فأكثر من خلال حالة ألجيش ألأمريكي في ألعراق ألذي سيُحدّد طبيعة ألصراع في ألعقد ألمقبل ، فبقاء هذا ألجيش يعني هزيمتهِ وتلاشي ألدور ألمريكي عالميا لأنَّ ألهزيمة سيلحقها إنهيار إقتصادي ، وسحب ألجيش حتى ولو بعد توقيع إتفاقية مع ألأحزاب ألعراقية سيعني ألتسريع بسيطرة ألموالين لإيران وروسيا في ألعراق وإعلان تخليهما عن أي إلتزام مع ألأمريكيين وإقامة نظام معادٍ لها في ألعراق يعتمد على ألروس وألصينيين وألإيرانيين لإعادة بناء ما دمرتهُ ألآلة ألحربية ألأمريكية …

هذا ألإحتمال لا يقلق إسرائيل لأنّها ستتمكن من إختراق ألجمهورية ألجديدة في ألعراق من خلال ألشركات ألروسية وألصينية كما تخترق أليوم ألمشاريع ألعسكرية ألإيرانية حتى لو تسلّحت نووياً لأنّها تعلم أنَّ ألقرار في إستخدام هذا ألسلاح سيخضع لموافقة روسية وهذا ما سيطمئنها أو يعطيها ألأسبقية في ألتحّرّك لمواجهتهِ إنْ حدث …

لم يكن غريباً على من يقرأ ألتطوّرات ألأخيرة في لبنان أنّ يرى ملامح هذا ألمشروع ألذي يريد تحويل لبنان إلى جمهورية إسلامية يعيد عجلة ألتطوّر فيهِ عقوداً إلى ألوراء ، وألروس لا يهمهم موقف ألشعوب هنا لأنّهم إختبروا هذهِ ألمواقف كثيراً ويدركون أنّ لا فكر يحرّك ألمنطقة ويتسيّدها بقدر ألفكر ألديني ألذي ساهم مع ألغرب في سقوط ألمشروع أليساري للحركة ألوطنية ألفلسطينية وباقي ألمنطقة .

أي أنَّ ألمنطقة واقعة ألآن تحت مشروعين خيرهما مُرُّ على شعوبها ونجاح ايٍّ منهما يكفي لإعادة شعوب ألمنطقة إلى ألظلام ، نجاح ألمشروع ألأمريكي يعني تقسيم دولها وإفقارها ونجاح ألمشروع ألروسي يعني تحويلها إلى جمهوريات إسلامية تُسخّر كل مقدرات ألشعوب للتسلّح ومواجهة معسكر ألكُفّار ويبقى بروز ألسؤال ألمشروع عن إرادة ألشعوب غائباً في ظل تحوّل ألمجتمعات إلى خامات لفكر ألإسلام ألسياسي ألذي ضربتهُ روسيا بألولايات ألمتحدة وألغرب لإشغالهما بينما تسير عجلة تقدمها مع ألصين إلى ألأمام ، فكل طرف يعي دورهُ جيداً إلاّ ألأطراف ألعربية ألتي تسير تابعة دون ألقدرة على تحديد دورها بنفسها ، وبين عالم شيعي تدعمهُ روسيا وآخر سنّي مدعوم من ألغرب وأمريكا تتهيّأ ألمنطقة لصراع جديد وقودهُ حريّة وكرامة شعوبها وأدواتهِ توابع لايعلمون أنَّ أحزابهم تخدم على ألمدى ألبعيد مشروعين يحملان في نفس ألوقت موت هذهِ ألتوابع ، لقد بدأ هذا ألمشروع من ألعراق ويمرّ أليوم بلبنان وربما لن يتوّقف إلاّ عند سيطرة ألأخوان على ألسلطة في مصر ، حينها ستكون ألمنطقة بصدق على موعد مع ألقدر ، مع أنظمة ربما ستجعلها تنسى أو تتخلّى عن حضارتها وتاريخها وشخصيتها وتذوب في واقع مفروض بقوة ألسلاح عليها …

وبينما يغيب دور ألحركات أليسارية وألعلمانية في ألشرق ألأوسط يبرز دور ألأحزاب ألدينيّة ألطابع ألتي تطفو للسطح ليس لأن طروحات أليسار فاشلة وغير قادرة على ألتأثير في ألواقع بقدر ما تذهب ألجهود ألدولية لقتل هذا ألفكر وجعلهِ بعيداً عن منال شعوبها لأنّهُ سيعني تحررها وتقدّمها وتجاوزها ألأحقاد ألدينية وألطائفية وألنظر إلى ألواقع نظرة تُغلفها ألهوية ألإنسانية ألتي تجمع ألشعوب أكثر مما تفرّقهم ، لقد أسهمَ تراجع ألأحزاب ألشيوعية وعدم قدرتها على فهم ألواقع ألدولي إلى تراجع ثقة شعوب ألمنطقة بقدرتها على إحداث تأثير في واقعها يحوّلها من أدوات في مشاريع دينيّة تحطّم أحلامها إلى صانعة للتاريخ من خلال تأثيرها وتغيير ألواقع بما يسهِم في إفشال ألمشروعين ألروسي وألأمريكي ويحقق إرادة ألشعوب في ألتحكّم في مصيرها …

لا يمكن وصف مواقف ألأحزاب ألدينية في ألشرق ألأوسط على أنّها مواقف معادية للغرب وإسرائيل لأنها في ألحقيقة تؤدّي إلى إعطاء ألمزيد من ألشرعية لطروحات ألغرب ووصف حركات ألإسلام ألسيّاسي بألفاشيّة وألإرهابية وألمعادية لقيم ألحضارة وألتمدّن ، وبألتالي تلعب دوراً بارزاً في جرّ ألشعوب إلى مستنقع ألتوتر كما يحدث أليوم في لبنان على يد حزب ألله فهو لا يعلم أن أمنية إسرائيل ألحقيقية هي تحويل لبنان إلى دويلة دينية يحكمها أصحاب ألعمائم ويجعلوا من شعبها أسيراً لبرامجها ألخطابية ألتي لا تُحدث أي تغيير على أرض ألواقع ..

لقد مرّت ألمنطقة بأحداث في ألقرن ألعشرين جعلتها عرضة سهلة لتمرير مشاريع سيّاسية قادرة على إحداث ألتأثير فيها بسهولة فهذهِ ألشعوب بحاجة إلى فهم ما يحدث لها وبألتالي وقف هذا ألمشروع ألذي سيُنهي عمليّاً قدرتها على تغيير ألواقع بما يُسهِم في تقدمها …