الرئيسية » مقالات » جيش المهدي وحزب الله

جيش المهدي وحزب الله

معروفة تصريحات مقتدى الصدر قبل سنوات بأنه وجيشه ذراع حزب الله في العراق، وبتعبير آخر، هما ذراعا إيران في كل من العراق، ولبنان، وقد نُشرت منذ أيام أخبار تؤكد أن حزب الله درب مقاتلي الصدر، ومليشيات أخرى، داخل إيران.

لقد فرحنا في الأسابيع الماضية لشجاعة السيد المالكي في ملاحقة جيش المهدي الإرهابي، الدموي، الذي يتألف عدد كبير منه من أعضاء سابقين في حزب البعث، وفدائيي صدام، ولاسيما في مدينة الثورة التي سرقوا اسمها مرتين، زمن صدام، وأخرى على يد مقتدى الصدر.

لقد كان واضحا ومعروفا منذ البداية أن جيش المهدي لن يكف عن مواصلة تخريب الأمن العراقي خدمة لمخططات إيران، ولكنه في كل مرة ينحني أمام العاصفة، لكي يعود لنشر الفتن مجددا بعد تزويد إيران لمقتدى بمزيد من السلاح، والأموال، التي تنثر على شراء الأنصار، وتجنيد عاطلين، وفقراء، جهلة.

كان حزب الله يركن للهدوء، ولكن في كل مرة يعود ثانية لتدمير لبنان، تحت شعار “طريق فلسطين يمر عبر لبنان.” إن هذه المواقف مجرد مناورات ماكرة، وإيران سيدة المناورات، واليوم يحتل حزب الله بيروت في انقلاب مسلح، ويعمل على إشعال حرب طائفية، وما سقط بسبب ذلك لحد اليوم أعداد من القتلى، والجرحى، وكل هذا لغرض تقوية النفوذ الإيراني في لبنان ومن أجل عودة الهيمنة السورية.

إذا كانت هذه المواقف شطارة في المناورات، فإن مقتدى الصدر يتعلم من مدرسة حزب الله الإيرانية في تكتيك المناورة، والتراجع، والتقدم، ولكن يظل جيشه مسلحا، ويواصل قائد فيلق القدس سليماني، والسفير الإيراني في بغداد، تسهيل تسلل الأسلحة الحديثة، كالعبوات الناسفة المتطورة إلى العراق لقتل العراقيين.

إن من المؤلم أن القيادات العراقية الحاكمة لم تستوعب دروس هدنة النجف، التي أراق فيها الصدر دماء غزيرة، وانتهك حرمة المسجد الحيدري المقدس. لقد خرج جيش المهدي آنذاك بسلاحه، ومقاتلوه يهللون، ولكن ليعودوا لإشعال فتن جديدة في البصرة ومحافظات جنوبية أخرى. فهل هدنة اليوم، أو ما يدعى ب”اتفاق الطرفين”، ستعني توبة الصدر، وعدم عودته لسفح الدم العراقي، وإشعال الفتن؟

لا نعتقد. وما يدهشنا أكثر أن الأحزاب الحكومية تضع الخارجين على القانون من الإرهابيين الدمويين ، في كفتي ميزان مع الحكومة بالاتفاق الجديد، الذي يوصف باتفاق “الطرفين” ، أي طرف الحكومة، وطرف الخارجين على القانون. كل ذلك باسم حقن الدماء، وهو نفس التبرير في هدنة النجف، سوى أن الصدر هو الذي لم يكف عن سفح الدم، بدلا من حقنها.

إن الحملة الجديدة لمطاردة القاعدة في الموصل، حملة “زئير الأسد”، لا يمكن إلا أن تلقى كل تأييد وطني، بعد أن عادت عصابات القاعدة ومن يدعمها بمزيد من اقتراف الجرائم، وتفجير الأبرياء، مع وضع هدف جديد، إضافي، وهو محاربة مجالس الصحوة، ومحاولة اغتيال كوادرها ورموزها، ولكن من دون أن تترك استهداف المدنيين بصورة عشوائية، عمياء، لنشر الرعب، ومحاولة إرباك الحكومة والقوات الأمريكية.

أجل، هذه الحملة الجديدة هي لصالح العراق وشعبه، ولكن هل يجب أن تنسينا مخاطر جيش المهدي، الذي اتبع هذه المرة أيضا تكتيك المناورة؟؟ إن من يتتبع مقالات كاتب هذه السطور منذ خمس سنوات سيجد حصيلتها النهائية، القلق من تطور الأمور، حيث تظل المشاكل الكبرى قائمة، وفي المقدمة التدخل الإيراني المفضوح.

لقد استبشرنا ببعض الإشارات الحكومية عن لتدخل الإيراني، ونية تقديم معلومات موثقة عنه للجانب الإيراني. ولكن، هل الحكومة وكل القيادات الحاكمة قادرة على اتخاذ موقف حازم من هذا التدخل؟! لا نعتقد ذلك مع الأسف. إنه ليس خافيا أن لكل جهة حساباتها، واعتباراتها، ومصالحها الخاصة، وارتباطاتها، مما تستغله إيران، ضغوطا، وابتزازا، وتقديم منافع.

بالطبع، ليس تردي الوضع، من انفلات مليشيات، وفساد مستفحل، وطائفية، من صنع طرف سياسي واحد، بل يعود لحزمة من الأسباب سبق أن توقفنا عندها في مقالات سابقة: من مسئولية التخبط الأمريكي في العام الأول، وانفجار قيح الدمامل الأخلاقية، والفكرية، والاجتماعية، التي خلفها صدام؛ وأيضا مسئولية كل القيادات الوطنية، التي لم تبرهن مع الأسف على استيعاب مستلزمات الظروف الجديدة لما بعد الحرب، وانهمكت في منافسات، وسباق لجني أكبر ما يمكن من الامتيازات، والسلطة.

أخيرا أرى مفيدا أن ألحق بالمقال نص رسالة خاصة لقيادي مرموق قبيل مؤتمر لندن، فعسى أن يكون في بعض فقراتها تذكير مفيد.

إن هذه الرسالة تنشر لأول مرة، معتبرا أن وقت نشرها قد حان.

*********************
ملحق.

رسالتي في 6 ديسمبر 2002

” 1 – سيكون مؤتمر المعارضة في لندن منعطفا استثنائيا في القضية العراقية، فإن فشله سيسدد ضربة سياسية وأدبية موجعة، في حين أن النجاح سيكون خطوة هامة نحو سقوط النظام. أقصد بالنجاح صدور خطاب سياسي واحد، والاتفاق على مشروع أولي لما بعد سقوط النظام.

نظرا لأن المجتمع الدولي لا يعير المسألة الديمقراطية، وحقوق الإنسان في العراق، الأهمية المطلوبة، حيث أن القرار 1144 ركز على موضوع التسلح فقط، فإن المطلوب من المؤتمر إبراز الموضوع، ومطالبة مجلس الأمن، والدول الكبرى، والرأي العام الدولي، بضرورة اعتبار القضية لا تقل أهمية، إن لم تزد، عن موضوع السلاح، والمطالبة بتفعيل وتطوير القرار 688 حول حقوق الأقليات القومية. إن إهمال الموضوع، [ باستثناء تصريحات بوش والتقارير الرسمية البريطانية ]، قد ساعد على توسيع المعارضة الشعبية في الغرب للموقف الأمريكي. إن الرأي العام يتصور أن موضوع السلاح لا يهمه مباشرة، أما إذا عرف أن الشعب العراقي هو تحت كابوس نظام دموي ذي ممارسات فاشية، وإذا اطلع على تفاصيل القمع والانتهاكات، وأن ما يجري يزيد على ما عاناه أهالي كوسوفو، والبوسنة، من نظام ميلوسوفيتش، فإن المعارضة سوف تتقلص؛ ففي البوسنة، وكوسوفو، جرت الحرب على ذلك النظام باسم حقوق الشعوب، والإنسان، ولم تتشكل معارضات واسعة للتدخل الغربي الععسكري.

لذلك أقترح توجيه نداء لمجلس الأمن، والأمين العام، واليونسكو، والدول دائمة العضوية، ليولوا الموضوع أهمية استثنائية، وكذلك ضرورة استفادة المعارضة من أي منفذ صحفي وإعلامي في الغرب لنشر وقائع الانتهاكات، بما في ذلك اللجوء لنشر إعلانات في صحف واسعة الانتشار.

2 – لا أرى غير الضرر من إثارة موضوع كركوك الآن. إن الموضوع حساس جدا، ويثير عشرات المخاوف، والحساسيات. هذا موضوع هام يترك لما بعد ترحيل النظام، وقيام الديمقراطية، والحكومة، والبرلمان المنتخبين، وحينئذ يجري الحوار حول الموضوع بين الأطراف المعنية والحكومة المركزية. إن من المؤسف صدور تصريحات مندفعة هذه الأيام بالذات حول كركوك، في وقت نحتاج فيه إلى تعزيز الاتفاق الوطني حول القضايا موضع الاتفاق، وترك موضوعات الخلاف للمستقبل.

3 – سيكون المد الإسلامي خطرا حقيقيا على العراق وكردستان، وهذا يتطلب الحذر الشديد واليقظة، وذلك بقرن الدبلوماسية بعدم إعطاء أية تزكية فكرية للأحزاب الإسلامية.

هذه ملاحظات سريعة، أرجو أن تكون فيها بعض الفائدة. [ في 6 ديسمبر 2002 ]….”