الرئيسية » مقالات » (تركيا) ….. الى أين؟ (16)

(تركيا) ….. الى أين؟ (16)

أسباب الثورات الكوردستانية ضد الحكومات التركية

بعد نجاح الزعماء الأتراك في تحقيق الإنتصار على اليونانيين و الذي لعب الكورد الدور الأساس في ذلك الإنتصار و بعد نجاحهم في إلغاء معاهدة سيفر و إبرام معاهدة لوزان في 24 يوليو/تموز سنة 1923، حيث إنهارت الإمبراطورية العثمانية و إختفت من الوجود و تمّ إعلان تأسيس الجمهورية (التركية) الحديثة، قام مصطفى كمال أتاتورك بتبني سياسة ترمي الى إجبار الشعوب و القوميات و الأقليات العرقية، التي فرض حكمه عليها بالقوة، على التخلي عن هوياتها و لغاتها و ثقافاتها و تأريخها و ماضيها و أن تذوب في القومية التركية. قامت السلطات التركية بوضع خطة مبرمجة و مدروسة لتحقيق هذا الهدف. من الطرق التي إتبعها الطورانيون للوصول الى هدفهم في تتريك تلك الشعوب و القوميات و الأقليات العرقية، هو تهجير سكان هذه القوميات من مواطنها الأصلية و تشتيتها بين التجمعات السكانية التركية في المدن التركية و أريافها لتذويبها و القيام بتوطين الأتراك في أماكن القوميات غير التركية. القرى التي كانوا يخلونها من سكانها غير الأتراك و التي كان يتعذر عليهم توطين الأتراك فيها، كانوا يقومون بحرقها و تدميرها و إزالتها من الوجود.

أرى من المفيد هنا الإشارة الى مواد معاهدة سيفر التي عقدت بين الحلفاء و (تركيا) في شهر آب 1920، و المتعلقة بالشعب الكوردي، حيث نصت على إنشاء دولة كوردية كالآتي:

المادة 62: ستقوم لجنة مكوّنة من ثلاثة أعضاء تُعيّنهم الحكومات البريطانية و الفرنسية و الإيطالية على التوالي و تتخذ إسطنبول مركزاً لها، بوضع خطة خلال ستة أشهر من تأريخ تنفيذ المعاهدة للإستقلال الذاتي للمناطق التي تسكنها أغلبية كوردية و التي تقع شرقي الفرات و جنوبي الحدود الجنوبية لأرمينيا، كما ستقرر فيما بعد، و شمال حدود تركيا مع سوريا و العراق. و ينبغي أن تشتمل الخطة على ضمان حقوق الأقليات الآشورية – الكلدانية و الأقليات الدينية الأخرى التي تسكن في المنطقة.

المادة 63: توافق الحكومة التركية على تنفيذ قرارات اللجنة المذكورة في المادة 62 خلال ثلاثة أشهر من إخبارها بقراراتها.

المادة 64: إذا ظهر أنّ غالبية الشعب الكوردي، كما حُدّد في المادة 62، قد أظهر خلال عام الرغبة في الإستقلال عن (تركيا) ، و إذا إعتبر مجلس عصبة الأمم أن هؤلاء القوم قادرون على التمتع بهذا الإستقلال، فإنّ (تركيا) ستوافق على تنفيذ توصيات المجلس، و أن تتخلى عن جميع حقوقها و ممتلكاتها في هذه المنطقة (أنظر الى هامش صفحة 40 من كتاب الدكتور شاكر خصباك المعنون “الكرد و المسألة الكردية”، الطبعة الثانية، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، 1989).

من الوسائل الأخرى التي إتبعها الأتاتوركيون في تتريك ااقوميات غير التركية، هو منع السكان غير الأتراك من ممارسة لغاتهم في مجال التعليم و الثقافة و الأدب و منع أفرادها من تشكيل أحزاب سياسية و منظمات ثقافية و إجتماعية و فنية و رياضية و منظمات المجتمع المدني الخاصة بهم. كما أنهم حدّدوا اللغة التركية كلغة رسمية وحيدة يجب إستعمالها في الدوائر الرسمية و التعليمية و الثقافية و في الإعلام و الصحافة و الإذاعة و التلفزة و نشر الكُتب و المجلات و الصحف بها لوحدها، لدرجة أنّ التحدث باللغة الكوردية كان يُعدّ جريمة يتعرض بسببه الفرد الى مساءلة قانونية و الذي تمّ إلغاؤه في عام 1991. كما قام الطورانيون بوضع دساتير و تشريع قوانين عنصرية لتحقيق خطتهم في تتريك السكان غير الأتراك في (تركيا)، و خاصة الكورد الذين يُشكّلون شعباً ذا كثافة سكانية عالية تربو على 25 مليون نسمة في الجزء المحتل من قِبل (تركيا) لوحده. كما أنّ السلطات التركية وضعت خططاً لفرض الثقافة التركية على غير الأتراك عن طريق البرامج التعليمية و وسائل الإعلام و الصحافة.

بدأ كمال أتاتورك يتنكر لوعوده بعد أن إستطاع أن يُرسّخ نظام حكمه. قام الحكام الأتراك الجدد، برئاسة أتاتورك، بإتخاذ سلسلة من الإجراءات العنصرية ضد الشعوب و القوميات التي بقوا تحت حكمهم بعد تأسيسهم للجمهورية (التركية). قام أتاتورك بوضع دستور ل(تركيا)، تنص المادة 88 منه على أنّ (جميع سكان “تركيا”، بغض النظر عن دياناتهم و قومياتهم، هم أتراك). علّقت الصحف التركية آنذاك حول المادة الدستورية المذكورة بقولها (أنه يجب على غير الأتراك أما أن يذوبوا في المجتمع التركي أو أن يرحلوا). هذه المادة الدستورية كانت تخالف نصوص معاهدة لوزان التي تؤكد على إحترام خصائص الشعوب غير التركية و حريتها في إستخدام لغاتها و الحفاظ على ثقافاتها و تراثها و حقوقها القومية.

هكذا إستحوذ الأتراك على أجزاء من أراضي كوردستان و أرمينيا و اليونان و جعلوا من أنفسهم الأصحاب الحقيقيين لتلك الأراضي التي أسسوا عليها جمهوريتهم الجديدة و للتأكيد على عائدية تلك الأراضي لهم، أطلقوا على كيانهم الجديد إسماً عنصرياً هو “تركيا”، بينما إعتبروا الشعب الكوردي و الأرمني و اليوناني و الآشوريين و السريانيين و غيرهم، شعوباً و قوميات غريبة تعيش على “أرض تركية”. يُشير المؤرخون و علماء الآثار على أنّ الأتراك أنفسهم هم غرباء في المنطقة، حيث وفدوا إليها في القرن السابع الى الحادي عشر الميلادي، فإستوطنوا في كوردستان و أرمينيا و اليونان، فقاموا بإحتلال أراضي هذه الشعوب الأصيلة في المنطقة (راجع كتاب “في أصول التأريخ العثماني” لمؤلفه الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، دار الشروق، الطبعة الأولى، بيروت – القاهرة، سنة 1982، صفحة 17).

فيما يتعلق بالشعب الكوردي، بدأ كمال أتاتورك يتنكر لوعوده للشعب الكوردي بالمشاركة المشتركة للحكم بين الشعبين الكوردي و التركي و قرر حرمان الشعب الكوردي من المشاركة في الحكم. قام الحكام الأتراك الجدد، برئاسة أتاتورك، بإتخاذ سلسلة من الإجراءات العنصرية ضد الشعب الكوردي، منع الطورانيون الجدد الشعب الكوردي، الذي يعيش في الجزء الذي وقع تحت الإحتلال التركي من كوردستان، من إستخدام اللغة الكوردية و قاموا بتهجير الملايين من الكورد من قراهم و مدنهم في كوردستان الى المناطق التركية و توطين الأتراك محلهم. كما قاموا بنفي الزعماء الكورد من كوردستان الى المناطق التركية. تمادى الأتراك في إساءتهم و إهانتهم للكورد و ذلك بإطلاق إسم “أتراك الجبال” عليهم.

من ضمن البرامج التركية الأخرى لتذويب الشعب الكوردي و تتريكه، هو قيام السلطات التركية بحجز التلاميذ الكورد في أقسام داخلية خاصة طيلة فترات الفصول الدراسية و منعهم من زيارة ذويهم و أُسرهم أو الإتصال بهم خلال تلك الفترات الزمنية. كان الهدف من تلك الخطة هو الإقتصار على تعلمهم اللغة التركية و جعلهم ينسون لغتهم الكوردية، بالإضافة الى تعريض هؤلاء الأطفال الأبرياء الى غسل دماغ مستمر طيلة فترات إحتجازهم و حشو أدمغتهم بالأفكار الطورانية و بأمجاد الأتراك و “فتوحاتهم”. كما وضعوا خطة مبرمجة لسرقة التراث الكوردي من مفردات لغوية و شعر و أدب و فنون و موسيقى و رقص و أغانٍ. وصلت محاولة النهب التركي للتراث الى درجة أنّ السلطات التركية تخصص في الوقت الحالي مبالغ كبيرة من المال و تهئ مراكز بحوث و توفّر أعدادٍ كبيرة من المؤرخين للعمل على تزوير التأريخ و الإستحواذ على التأريخ الكوردي و سرقته. من بين الأهداف التي تنوي الأتراك تحقيقها من خلال مراكزهم العلمية تلك، هي العمل على جعل الأتراك أحفاداً للسومريين و بذلك يحاولون سرقة الحضارة السومرية من الكورد، بينما يسرد التأريخ بأنّ أسلاف الأتراك في زمن الحضارة السومرية كانوا يعيشون في مناطق متاخمة للصين، بعيدين عن موطن السومريين و أن الكورد هم أحفاد السومريين.

بعد إلغاء معاهدة سيفر و إبرام معاهدة لوزان بدلاً منها و ذلك في عام 1923، و التي لم تُلبِّ الحقوق القومية الكوردية و كانت لصالح تركيا الكمالية، اقنتع قادة الشعب الكوردي بتخلي دول الحلفاء، التي إشتركت في الحرب العالمية الأولى و ربحت هذه الحرب و لا سيما بريطانيا، عن الحقوق القومية للشعب الكوردي، حيث يشير (Forster) في صفحة 152 من كتابه المعنون (The making of Iraq) المنشور في سنة 1936، بأنّه لم تكن للدول الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى مصالح إقتصادية أو عسكرية في كوردستان ما عدا القسم الجنوبي منها (ولاية الموصل) الذي قامت بريطانيا بضمّه الى الكيان العراقي الذي أسسته من ولايات بغداد و البصرة و الموصل العثمانية. يشرح ويلسن السياسة البريطانية تجاه الشعب الكوردي أنذاك بقوله: (كنا نهدف الى تثبيط أية محاولة من جانب الكورد للإنفصال عن الحكم الإيراني بكل وسيلة ممكنة في أيدينا، و كنا نهدف الى ترك الكورد خارج ولاية الموصل لمصيرهم و لرحمة الحكومة التركية) (راجع صفحة 141 و 142 من كتاب Wilson, A.T. المعنون (Mesopotamia 1917-1920; a clash of loyality”, London, 1931).

كان يتصف موقف بريطانيا من الكورد في ولاية شهرزور (ولاية الموصل لاحقاً)، بالتردد في البداية، لكنها ما لبثت أن قررت ضم الولاية المذكورة الى الكيان العراقي الجديد الذي أنشأته من ولاية بغداد و البصرة. قامت بريطانيا بحرب دعائية واسعة ضد (تركيا) لكسب موافقة عصبة الأمم لضم إقليم جنوب كوردستان الحالي الى الكيان العراقي الجديد. أفلحت المساعي البريطانية تلك، حيث تمّ لها ذلك في عام 1927. هدف البريطانيين لضم جنوب كوردستان الى العراق الحالي، كان بالدرجة الرئيسة هو الإستحواذ على المخزون البترولي الذي تحتفظ به أرض الجنوب الكوردستاني (راجع صفحة 301 من كتاب الدكتور فاضل حسين المعنون “مشكلة الموصل”، بغداد، 1955).

كما أنّ التدابير التعسفية للسلطات الكمالية و قيامها بتتريك كوردستان و التهجير الجماعي لسكانها و إعتقال النواب الكورد في المجلس التركي و إغلاق المدارس والصحف الكوردية، زادت من خيبة أمل الشعب الكوردي في هذا الجزء من كوردستان. كل تلك المستجدات الخطيرة لم تترك أمام الشعب الكوردي خياراً آخر غير الدفاع عن وجوده و مقاومة عمليات التهجير الجماعية للكورد و العمل على إفشال عملية تتريك كوردستان و حماية لغتهم و ثقافتهم و تراثهم و التشبث بوطنهم الذي يعيشون فيه منذ ما قبل التأريخ و إيقاف محاولات مصطفى كمال أتاتورك لإلغاء الوجود الكوردي كشعبٍ و طمس ثقافته و تراثه و تأريخه و سرقتها.

من الأمانة التأريخية أن أذكر بأنّ العامل الديني ساهم أيضاً، الى جانب الشعور القومي الكوردي و الإضطهاد الذي تعرض له الكورد، في إندلاع بعض من الإنتفاضات و الثورات التي قام بها شعب كوردستان في إقليمه الشمالي ضد الحكومات التركية العنصرية المتعاقبة منذ تأسيس الجمهورية (التركية)، بعد إختفاء الإمبراطورية العثمانية، حيث لا يخفى أنّ أكثرية الكورد هم من المسلمين. لذلك فأنّ إلغاء أتاتورك “للخلافة العثمانية” التي كان الأتراك يدّعون بأنها كانت إمتداداً للخلافة الإسلامية التي بدأت بعد نجاح الدعوة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية، و التوجه الغربي لسياسة كمال أتاتورك، لعبت دوراً في ظهور الثورات الكوردية. لتأكيد دور عامل الدين الإسلامي في المجتمع الكوردستاني، نرى الى يومنا هذا إنخداع أعداد كبيرة من الكورد بالدعايات الإسلاموية، حيث أعطت نسبة كبيرة من الكورد أصواتهم للحزب الإسلاموي التركي، حزب العدالة و التنمية، خلال الإنتخابات التشريعية التركية الأخيرة، و بذلك حصل الحزب المذكور على أكثرية أصوات الكوردستانيين في الإقليم الشمالي و هذا يدل على أنّ الشعب الكوردستاني لم يتعلم من دروس التأريخ و لا زالت أكثريته غير واعية و بذلك ينجح محتلو كوردستان في الإستمرار في خداع الكورد و الإبقاء عليهم تحت حكمهم أذلاء يفتقدون الى الهوية و الكيان السياسي و اللغة المشتركة و محرومين من ثروات وطنهم التي يستغلها المحتلون في شراء الأسلحة و أدوات الدمار لقتل أبناء و بنات شعب كوردستان و تدمير كوردستان و تشويه جمال طبيعتها و إفساد بيئتها و تلويثها.

للأسباب المارة ذكرها، بدأت الحركة الوطنية الكوردية تعمل من أجل تمتع الكوردستانيين بحقوقهم. نمو الوعي القومي و تبلوره و نمو طبقة وسطى واعية في صفوف الشعب الكوردستاني آنذاك ساعد على هذا التبلور، ساهم أيضاً بدوره في تكوين أرضية جيدة و توفير شروط ذاتية في المجتمع الكوردستاني للتحرك في سبيل تحقيق حريته و تحرير وطنه من الإحتلال. كما أنّ شعب كوردستان إستبشر ببرنامج ويلسون الشهير للسلم العالمي، الذي إقترح فيه حصول الشعوب التي كانت ترزح تحت الحكم العثماني على حق تقرير المصير و البرنامج المذكور شجع الشعب الكوردي على العمل من أجل تحرير نفسه و كوردستانه من الإحتلال.