الرئيسية » مقالات » لبنان: منطق العقل أم منطق القتل..؟!

لبنان: منطق العقل أم منطق القتل..؟!

أتسائل فيما إذا كان هناك ثمة ما يُدْعى بمنطق العقل في السياسة أو في الحوار بين السياسيين، وأتسائل أيضاً فيما إذا كان هناك ثمة سمات لهذا المنطق، أو مقومات وحدود ومشتركات يمكن أن يلجأ اليها المتحاورون ، بل قل أحياناً المتخاصمون، أو بتعبير أدق وفي عوالمنا العربية على الخصوص، يمكنك القول المتحاربون..؟

رائحة البارود آخذة بالإنتشار في شوارع العاصمة بيروت وهي تنذر بالفاجعة، بعد أن فاحت رائحة الدم قبلها، في شوارع البصرة وبغداد وغزة، وهي اليوم في بيروت، ممتزجة جميعها برائحة الدعوة الى منطق “العقل والحكمة”؛ اللغة التي فَتشتُ عنها في هذا الخضم المتلاطم من الدعوات والإِهابات وأحياناً التوسلات، وللحقيقة أقول؛ إنني لم أجدها سوى في لغة الأطراف المتخاصمة والمتقاتلة، فالجميع يدعي بأحقيته فيما يفعل وفيما يهدد وفيما يقتل، حتى لو تطلب الأمر سقوط الضحايا من الأبرياء في حومة وغى تلك الأطراف المتصارعة، والكل يدعي العقل والتعقل والمعرفة، والجميع يدعي الوطنية ومقاومة العدو ومحاربة المحتل والقضاء على الفساد، وسلاحه مختوم بختم “المقاومة” المقدس، حتى لو وجه الى صدر ابن الوطن، ومنها من يتهم الآخر بالفجور والخروج على القانون ومنهم من يصف الآخر بالعصابات وهكذا تجري الأمور، فالجميع على حق فيما يدعون، حتى لو وصلت دماء الأبرياء الركب..!؟

فمن لديه الإستعداد لقطع يد أخيه سيكون لديه نفس الإستعداد لقطع لسانه، بل وحتى قطع عنقه، وهكذا هو منطق “العقل والتعقل” الذي دأبت عليه الأطراف المتصارعة من أجل السلطة في العالم العربي؛ وما يجري الآن في لبنان وما قبله في غزة، ليس إلا “منطق العقل”، وإن تَلَبسه القتل وسالت بسببه الدماء، لأنه منطق من شاءت الصدف أن يلعب بأدوات السلطة، وكأنه يلعب بالعابه البيتية التي إمتلكها منذ الطفولة، ولذك فهو يجد نفسه يمتلك حق التصرف بتلك اللعب ، حتى لو كانت بشراً أو مخلوقات كتب الله لها أن تعيش..!

وأنا أتطلع الى خطاب أحد القادة العرب المؤمنين بالله ورسوله وآله وصحبه وممن يسبحون بحمده ليل نهار، ومن على شاشة التلفزيون قبل يومين، إمتلكني الخوف والرعب، وتمثلتُ نفسي أي لبناني جالس وهو يستمع للخطاب، ليحسب نفسه غداً، وقد تقطع جسمه إربا؛ ذراعاً ولساناً وعنقا، ولتصور أن دمه سال أمامه وهو يرتجف فزعاً ويختض خوفاً وقد إنعقد لسانه..!

وهكذا بدا لي مظهر القائد السياسي وهو يمتلك كل منطق “العقل والتعقل والحكمة”، الذي لم تمتلكه أنت، لِما يراه مبرراً في تكييف منطقه وتصرفاته، حتى لو أجازت له قطع الأيدي وبتر الأذرع أو قطع الألسن بل وحتى قطع الأعناق إن تطلب الأمر، وهي جميعاً تدخل في نظره، في عداد حقوق الإنسان، وهو إنسان بطبعه، ويمتلك كل هذه الحقوق لأنه إنسان بالفطرة، وإلا لماذا كان صدام حسين يقطع آذان الأبرياء من العباد ويبتر أكفهم و يعدمهم بحضور الأباء والأمهات.. فهي الأخرى “سياسة”، وكانت تجري وتنفذ تحت ستار سياسة “منطق العقل والحكمة والتعقل”، الذي يحمل بين دفتيه التهديد والوعيد..!

لبنان الآن على فوهة بركان، ونُذر الموت والرعب والهلع والدمار، تقف على الأبواب، والنداءات توجه من كل صوب وحدب، داعية لمنطق العقل والحكمة؛ من رؤساء الدول ، ومن قبل الهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، بل ومن قبل “أطراف النزاع أنفسِهم”، ومن قبل الجيران ودول “الجوار”، ولكن الأمر الأهم، أن جميع من يوجهون هذه النداءات الإنسانية حفظاً للبنان وكبح جماح الداعين بالتهديد الى الحرب الأهلية، قد تناسوا أمراً واحدا؛

إنَ مَنْ يُوجَه اليهم النداءُ للإلتزام بمنطق العقل والحكمة، هم أنفُسهم من يُهدد بتدمير لبنان، وهم أنفسهم من يعتدون على الحريات الديمقراطية وهم أنفسهم من يستبيح بيروت، ويتجاوز الدستور ويسيطر على مؤسسات الدولة، ومن يعتدي على المؤسسات الإعلامية والثقافية، ومن يرفض اللعبة السياسية، ومن سالت بسببهم دماء اللبنانيين جراء منطق “العقل والحكمة والتعقل”، الذي ما إنفكت تلوكُه ألسنتُهم بصيغة التهديد والوعيد ليل نهار، كما سالت قبلها دماء الفلسطينيين في غزة وبأيدي أخوتهم وتحت نفس الذريعة..!

أما المناورون والمتدخلون من خارج الحدود، والمراهنون على النتائج وما سيحسمه الموقف الدموي، لا سامح الله، فهم الأكثر تعطشاً لسيل الدماء، وهم الذين يجدون مآربهم الإقليمية لن تتحقق إلا بقوة السلاح وإرتهان الأبرياء والمدن، تحت التهديد بهذا السلاح..!!

إن من يسعى لمنطق العقل والحكمة في الحقيقة، هم وحدهم الخائفون؛ من الضعفاء والأبرياء، من الذين لا يجدون في أيديهم ما يدفعون به الأذى والموت الزؤام، الذي تفرضه عليهم ميليشيات القتل المتسلطة في الشوارع والساحات العامة والتي لا تعرف أي منطق للعقل والحكمة؛ المنطق الذي لا يعرفه إلا أولئك الضعفاء المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة، إلا بإطلاق مثل تلك الصيحات، ولكن لا من مجيب..!؟

فأين سيجد المستضعفون والأبرياء ضالتهم ،التي يركنون اليها، طلباً للحماية والإنقاذ من هول الحريق والفتنة التي هم أول ضحاياها..؟ وأين سيجد لبنان من يقيه من الدمار والهيمنة الأجنبية ، ويحفظ له سلامة مؤسساته الأعلامية والثقافية، ويبقي له دولته الديمقراطية، ويحميها من هول التفتت وسيادة الفوضى..؟ أليس اللبنانيون هم الأولى في كل ذلك، ولكن كيف وهم منقسمون، وعلامات الحرب الأهلية يدفعها البعض بحماس ودون شعور بالمسؤولية..؟

المجتمع الدولي يقف في مقدمة من يمكن الركون اليه، والأمم المتحدة، تتحمل مسؤولية وضع قراراتها بشأن لبنان موضع التطبيق، وخاصة قرار مجلس الأمن الدولي رقم/ 1701، وتتحمل الدول العربية مجتمعة، مسؤوليتها الأدبية والسياسية في مساعدة لبنان على تجاوز الأزمة التي أصبحت خارج إطار المعالجة الداخلية، بسبب التدخل الإقليمي من بعض دول الجوار بالذات، ولبنان إضافة لكونه دولة عربية، فهو عضو في الجامعة العربية، وعلى كافة أطراف النزاع أن تعلم ذلك، فالمشكلة اللبنانية لا يمكن أن تجد طريقها للحل إلا بالتوافق الوطني، ومن خلال تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بلبنان، والمواثيق العربية التي يمثل لبنان جزءً منها، وفي مقدمتها ميثاق الطائف الذي أقرته كافة أطراف النزاع..!

فهل ستستجيب جميع هذه الأطراف لمنطق العقل حقاً ، أم سيظل بعضها متمسكاً بمنطق القتل تنفيذاً لأجندات خارجية، لا أجدها تعالج أزمة لبنان بقدر ما تزيد من تعمقها وبقدر ما تهدد بالإقتتال الداخلي والحرب الأهلية، فالكتاب يقرأ من عنوانه، والأيام القادمة ستجيب على الأسئلة المعقدة..!