الرئيسية » مقالات » المعاهدات غير المتكافئة بين تجارب الماضي وممارسات الحاضر*

المعاهدات غير المتكافئة بين تجارب الماضي وممارسات الحاضر*

يدور الحديث في أروقة الساسة وفي الصحافة وبعض الفضائيات عن طلسم غير معروف وبأسماء مختلفة منها مايسمى بمعاهدة الصداقة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة وقد أعلن عن إعلان مباديء تدور حولها الكثير من التساؤلات والشبهات والشكوك ون المفاوضات تدور في دهاليز السياسة المظلمة. آملا في إعلانها او إعلان العلني منها في تموز القادم كما أوردت بعض الإخبار والتقارير ويبدو ن التوقيت ليس بريئا بالمرة فتموز هو الشهر الذي كانت في ثورة تموز التي ألغت معاهدة حلف بغداد ليخرج العراق من هيمنة الرأسمالية البريطانية ليكون تموز بعد خمسون عاما العودة لهيمنة الرأسمال الامريكي ليأخذ بثار بريطانيا العجوز التي خرجت مدحورة من عراق تموز 1958. فكما ن اندحار الديكتا تورية جاء في 9-4 في نفس ذكرى معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي السابق لتعلن أمريكا للعالم ان العراق الآن في قبضتها بعد ان انهزم السوفيت؟؟
يفترض ان تنطلق المعاهدات والاتفاقيات والعقود التي تعقد بين طرفين على:-
أولا-ماهي المصالح والحاجة التي تدفع الطرفين لعقد المعاهدة او الاتفاق.
ثانيا-ماذا يجني كل طرف من أطراف المعاهدة من فوائد ومنافع نتيجة عقد هذه الاتفاقية او المعاهدة وهل ان مايحصل عليه كل طرف يعادل مايحصل عليه الطرف الثاني في العقد.
ثالثا- ماهو واقع وحال كل طرف من أطراف التعاقد اثناء فترة العقد هل هما متكافئان من حيث القدرة المادية والمعنوية ويمتلك كليهما حرية التصرف والقرار.؟؟؟
واضح ان طبيعة ثالثا سينعكس سلبا او إيجابا على مضمون ثانيا.
مما سبق نرى ان مايزعم عقده من معاهدة صدقة او تعاون بين العراق والولايات المتحدة ربما يستجيب لاولاًبالنبة للعراق والولايات المتحدة الأمريكية في ظل الظروف الدولية الراهنة.فالعراق في موقعه الاستراتيجي وثرواته النفطية الكبيرة ويده العاملة الماهرة والرخيصة وكونه الطرف الأمامي في مكافحة الإرهاب الدولي والمعادي للولايات المتحدة الأمريكية ونفوذها في العالم والمنطقة.
اما الولاية المتحدة فبقوتها العسكرية القاهرة وخبراتها العلمية والتكنولوجية العملاقة ونفوذها الدولي المهيمن في العالم مما قد يعطي للعراق الكثير من الفوائد والدعم والمساندة والدفاع عن نفسه وتطوير اقتصاده واخذ موقعه المناسب بين شعوب الأرض وهذا مايدافع عه المؤيدين والمتحمسين للمشروع الامريكي في العراق؟؟؟1!!!
ولو تبعنا هذه الفوائد فلا نجد على الواقع العراقي غير نقيضها فلا امن ولاتقدم صناعي ولا اعتراف عربي او دولي ولاخبرة فنية او علمية وان حال معاناة شعبنا من شحه الماء والكهرباء خير شاهد على ذلك.
اما بالنسبة لثانيا
فنرى ن الكفة تميل بالكامل لصالح الولايات المتحدة من خلال مانرى من خراب ودمار الذي حل بالبنية التحتية الصناعية والزراعية والإنسانية في العراق وتكالب قوى الإرهاب ومافيات السلب والتهريب منذ دخول قوات الاحتلال العراق ولحين التاريخ بالإضافة الى خروقات وتجاوز دول الجوار على سيادة العراق وأرضه على الرغم من وجود قوات الاحتلال الحامية ضعف موقف ومكانه العراق الدولية حتى من قبل الدول الشقيقة والصديقة والتي لم تقدم اغلبها على قيام فتح سفاراتها في العراق .
اما بالنسبة لثالثا .
نرى حتى عدم وجود إمكانية إجراء مقارنة بين قدرة ونفوذ وإمكانيات الولايات المتحدة إجراء مقارنة بين قدرة ونفوذ وإمكانيات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وبين إمكانيات وقدرات الحكومة العراقية وهي تعاني من العنف والتفكك وقلة الخبرة في ظل وضع سياسي واجتماعي قلق ومرتبك وحافل بالمفاجئات لمختلف الأسباب الذاتية والموضوعية لحسن بعد التفاصيل فيها .
وبذلك فان أي عقد وأي اتفاقية تعقد ألان لابد وان الطرف القوي هو الذي سيفرض فيه مصالحها ومنافعه لأجل طويل خصوصا وان العراق له تجارب مريرة مع دول العالم الرأسمالي في هذا المجال منذ معاهدة حلف بغداد 1930.
هذا هو وصف المعاهدات غير المتكافئة في عصر القطبين والمعسكرين الاشتراكي والرأسمالي حيث ان هناك إمكانيات ولاباس لها لقادة وحكومات البلدان التابعة وشبه المثقلة بالمناورة واستغلال حالة التناقض والصراع بين المعسكرين خدمة لأوطانهم وشعوبهم.
فكيف هو الحال الآن في ظل هيمنة القطب الواحد للرأسمالية المتوحشة بقيادة الرأسمال الامريكي المسلح الذي يجثم على تراب وطننا ويصادر حرية وكرامة شعبنا.
فماهو وصف وشكل ومحتوى المعاهدة التي ستعقد بين الحكومة العراقية والحكومة الأمريكية لوعقدت وأقرت الآن والذي تكاد تكون شبيهة باتفاقية بين أسيرا وآسره.
كذلك فان الكاتب وفي معرض عرضه لتاريخ هذا النوع من المعاهدات يذكر كيف استعملت أول مرة في ايرلندا عام 1921 واستعملت ثاني مرة في مصر عام 1922.
((استعمل ثالث مرة في العراق في سلسلة المعاهدات المعروفة وخاصة معاهدة 1930 التي ربطت العراق بعجلة الاستعمار البريطاني،مع الاعتراف له بحقوق السيادة والمساواة والتمثيل السياسي الشكلية، حيث يقول الفقيه(شارل رسو) عن هذه المعاهدة” على ان السير الاعتيادي لميكانزم التحرر قد زور من قبل الاتجاه المقصود للدول المبتدئة-سيرا على منوال التكنيك الذي اتبعته انكلترا في العراق منذ 1930 للاحتفاظ بنفس المزايا التي كانت تتمتع بها سابقا مع التملص في نفس الوقت من المسؤليات المقابلة التي يفرضها الانتداب من حيث خضوعها للرقابة الدولية السابقة” ص9
(وقد ازدادت الحاجة الى ((هذا التكنيك)) بعد الحرب العالمية الثانية خاصة فطبق على شرق الأردن (1946) وعلى الفلبين عام(1947) وعلى بورما(1948) وعلى ليبيا (1952)…. والحبل على الجرار كما يقول المثل العامي)
نعم ان الحبل لم يزل على الجرار ولكنه هذه المرة اكثر سمكا وغلظة واشد إحكاما وعسفا من سابقه حيث انتقل من يد بريطانيا العجوز الى يد الولايات المتحدة الأمريكية بغياب القطب المنافس الاتحاد السوفياتي وحلفائه ومن ثم يختم الكاتب مقالته بعنوان العبرة من هذا التكنيك((تكنيك المعاهدات غير المتكافئة)) فيقول:-
(( العبرة بالتحرر هي ليست بالشكل الظاهري المزيف ،بل بالمحتوى الداخلي الحقيقي “فالإعلان الملصق على الزجاجة لايعد ضمانا على صحة المحتويات) كما يقول الكاتب الانكليزي العظيم(( بالم دات))
يجب دائما النظر الى ماوراء الاتفاقيات الدبلوماسية والصيغ الشكلية لتقويم وتقدير الشروط والعلائق الحقيقية للحكم والسلطان،ان جوهر النظام الامبريالي فيما يتعلق بالعلائق القانونية الدولية يقوم على العناصر الآتية:-
أ‌- على استغلال البلدان المستعمرة (مواردها وعمالها) وعلى ربطها بمصالح الاحتكارات الامبريالية الكبرى للدول الامبريالية.
ب‌- على السيطرة الإستراتيجية للبلد التابع وإدخاله في الكتل الامبريالية على النطاق العالمي.
ت‌- وأخيرا على الإبقاء على نظام سياسي يحقق هذه الأغراض لصالح الدول الامبريالية. اما(الإشكال) السياسية فمسالة ثانوية بالنسبة لهذا(المضمون) والجوهر الامبريالي.ولا يستهدف تكنيك المعاهدات غير المتكافئة الا تثبيت هذا الجوهر الاستغلالي)).
إننا إذ نشير الى هذه المقالة التحليلية التي كتبت قبل (50) عاما لانريد ان نؤكد مدى شبه اليوم بالبارحة وإنما على كونه اكثر سوادا وقاتمة ووحشية منه بما لايقاس في ظل الظروف العالمية الحالية والوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب لعراقي الآن الذي تم افتراسه من قبل الامبريالية الأمريكية وهي في مرحلتها المتوحشة الذي نرى إنها أعلى مراحل الامبريالية وقد تكون أولى مراحل احتضارها او انتحارها لتخذ العالم بأسره عها الى الخراب والدمار الشامل للحياة على كوكب الأرض. ان لم تعي الشعوب وفي مقدمتها شعوب البلدان الرأسمالية مصالحها وتضع حدا لهوس وهمجية ووحشية الرأسمال الامريكي المسلح.هذه المعاهدة التي يهيأ لها إعلاميا كما هيأ ل(حلف بغداد)هذا الإعلام الذي يصفه أورين دان قائلا(ان الدعاية الرسمية التي أعطيت لتبرير الدخول في (حلف بغداد) كانت سخيفة حمقاء تعوزها الحصافة)
ان هذه المعاهدة يعد لها لتكون مشرعنة من البرلمان العراقي عبر برلمان وحكومة عراقية منتخبة(ديمقراطيا)) وبمواصفات واليات تجعل من الإرادة الرسمية العراقية خاضعة لإرادة ومخططات الولايات المتحدة الأمريكية حيث أنها أعدت واقعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا عراقي يقول اما بقاء وهيمنة الرأسمال الامريكي المسلح وإما الطوفان والخراب والاحتراب الشامل تحت سطوة المليشيات الطائفية والعرقية ومافيات القتل والسلب والتهريب محلية وعالمية حيث يسير الطرفان الامريكي المسلح وحامل لواء(( معاداته)) المزيفة في طريق واحد يخدم كل منهما الآخر ويديم وجوده ومصالحه على حساب أرواح ودماء العراقيين ونهب ثرواتهم واختطاف خيار المقاومة الحقيقية من قبل أحرار العراق في ظل فوضى الإرهاب والقتل والاحتراب الطائفي المقيت.
لذلك نرى كما يرى كل وطني عراقي ان إبرام أية معاهدات او اتفاقيات او إصدار أية قوانين ستراتيجة هامة مثل معاهدة التعاون وقانون النفط والغاز في الوقت الحاضر امرا لايصب في مصلح الشعب والوطن مهما كانت المبررات والأعذار.
كما نذكر بأرواح ودماء الشهداء والضحايا من أبناء الشعب العراقي الذين ضحوا بأرواحهم لإسقاط حلف بغداد وملحقاته.
وعلى أبناء الشعب العراقي ليطالبوا بقوة ان تكون بنود الاتفاقية ان حصلت علنية وعدم تضمينها أية بود سرية ويأخذ رأي الشعب بمضمونها وكل فقرة من فقراتها ليطلع الشعب العراقي على مايهم مصلحته وسيادته وثروته الوطنية في الأمد القريب والبعيد.
ونرى ان مثل هذه القوانين والمعاهدات تفتقر او تفتقد للسند الدستوري لان الدستور تحت التعديل ولم تقر تعديلاته المرتقبة بعد فعلام سيستند البرلمان والكومة في إقرار وإبرام مثل هذه المعاهدات والقوانين.
كما نرى ضرورة ان تأتلف كافة القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية بمختلف عناوينها تحت برنامج موحد لمقاومة ومناهضة كل مايمس بسيادة وثروة الشعب لعراقي على ارض وطنه.

*مجلة الثقافة الجديدة العدد تموز 1958مطبعة الرابطة بغداد