الرئيسية » مقالات » الخدمة الإلزامية دعوة لفرضٍ واجب في ظرفٍ غير مناسب

الخدمة الإلزامية دعوة لفرضٍ واجب في ظرفٍ غير مناسب

صرح العديد من النواب وبعض المسئولين في السلطة وخارجها بضرورة إعادة الخدمة الإلزامية في الجيش العراقي . وعندما يتم وضع هذه الدعوة للخدمة الإلزامية تحت مجهر الفحص يمكننا ان نؤشر النقاط التالية :-
أولا:- معنى الإلزام ونجاح تحقيقه يتطلب ان يكون الإلزام والالتزام متبادل من الملََزم والملزِم أي بين السلطة السياسية وأبناء الشعب ممن يساقون لما يسمى بخدمة العلم .
فواجب الخدمة الإلزامية في الجيش لأي بلد تستدعي أولا ان يكون البلد حرا مستقلا ذو سيادة كاملة غير منقوصة يتطلب من الملزَم ان يكون الفرد منقادا لهذه السلطة يتوجب فيها ان تكون سلطة منتخبة بشكل ديمقراطي حقيقي من قبل أغلبية الشعب الذي انتخب السلطة واقرها وان تمتلك إرادة حرة في اتخاذ القرار .
ثانيا : يجب ان يكون الملتزم مصان الكرامة متساوي الحقوق والواجبات مع بقية أبناء وطنه مهما علا شانهم وتنوعت عناوينهم وبالتالي يشعر انه بفقدان وطنه او احتلاله او الاعتداء عليه إنما تعني سلبا لكرامته ولحقوقه وضماناته الاقتصادية والسياسية والثقافية كفرد وذات فاعلة ضمن مجموع أبناء وطنه .
فلا يعني البيت ولا الوطن مني لمن سلبت كرامته وهدرت حقوقه وسحقت إنسانيته.
ولو إننا أمعنا النظر في فقرات ما سبق لو جدنا ان الدعوة لإعادة الخدمة الإلزامية غير واقعية وليست في محلها الآن في ظل هيمنة القوات الأجنبية وخصوصا الأمريكية ودورها الرئيسي في القرار السياسي والأمني والدفاعي للعراق الذي لم يزل منقوص الإرادة والسيادة وهذا ما ينعكس على مؤسساته الدفاعية والأمنية وهو إخلال كبير في أهم شروط وحيثيات الخدمة الإلزامية .
كيف يمكنني ان ألزم نفسي بخدمة وطنية مقدسة وهي صادرة من قبل قوى خارجية محتلة مهيمنة بقوة السلاح الذي يفترض ان تكون مقاومته باعتباره انتهاكا للسيادة الوطنية من قبل الملزم بخدمة العلم من أي جهة جاء هذا الانتهاك وان تكون مقاومته دون تميز فلا فرق بين احتلال أمريكي او بريطاني او ألماني او ايراني او تركي او عربي، سيادة الوطن فوق جميع العناوين والصداقات والتحالفات .
والأمر الآخر ان واقع المحاصصة الطائفية والعرقية للسلطة السياسية وحالات التوتر والاحتراب بين أفراد الطائفة الواحدة والقومية الواحدة في واقعنا الحاضر يجعل من المستحيل إنشاء جيش واحد موحد وتحت قيادة واحدة موحدة والأحداث المأساوية الأخيرة خير دليل على مانقول حيث أثبتت ان رجل الامن ضل مواليا لطائفته وحزبه وولاءه السياسي وليس مواليا للوطن والدستور، فهل الحل ان نحشدهم معا وهم محملين بروح الطائفية المحاصصة الطائفية ونسلمهم سلاحنا ليتقاتلون به ؟؟
هل نملك قوة ردع يمكن ان تسيطر على مثل احتمالات الصراعات الحزبية والطائفية والعرقية وحتى العشائرية؟؟؟
ام سنكون جيوشا بعدد الاحزاب والقوميات والطوائف وجيش لكل رمز وتكتل …الخ.
*ومن الأمور الهامة جدا ان يكون العسكري ضابطا او ضابط صف او جندي يتمتع بإحساس عالي بالكرامة والعزة الذاتية والوطنية ليدافع عن وطن كريم وعزيز ومصان السيادة وليس رقما ممسوخا تقل مرتبته وقدره عن مرتبة وقدر العبيد في القرون الوسطى إذ ان العبد يشكل فقدانه خسارة مالية لمالكه بينما لايشعر ذوي الشأن والإمرة والأنظمة الديكتاتورية بأي خسارة عند فقدان الجندي او الضابط حياته لازال هناك احتياط لم يستنزف بعد ،يمكن ان يعوض عما تم فقدانه إذ لم يعني فقدان حياة العسكري سوى استبداله برقم جديد.
ان من يتحدث عن عودة الخدمة الإلزامية في الجيش العراقي يجب ان يكون ممن ذاق مرارة الخدمة في هذا الجيش منزوع الكرامة منزوع الإنسانية حيث يساق الجنود كالقطعان الى الموت وأعمال السخرة والمهانة في ظل الأنظمة الديكتاتورية .
فقد كان متعارفا لمن تدعى مواليده للخدمة الإجبارية مكلفيه او احتياط ان ينزع إنسانيته وكرامته فور ارتداءه الملابس الحاكية والبسطال المشؤم والبيرية تاج المذلة والطاعة العمياء ومسخ الذات تحت أكذوبة خدمة العلم والدفاع عن الوطن والتي هي في حقيقة الأمر خدمة للحكام وإذنابهم وزمرهم ومغامراتهم وإدامة تسلطهم على رقاب أبناء عامة الناس باسم الوطنية.
فقد كان تعريف الجندي أيام الديكتاتورية((هو ذلك المخلوق الحقير المحصور بين البيرية والبسطال ويقسمه البسطال الى قسمين متساويين))وكانت تترجم أل جم بجحش مربوط وج م ح بجحش مربوط حساوي هذا مكان متداولا بين الجود وهم يشعرون بالمذلة .
قرأت ان البعض يدعوا الى إعادة الخدمة الإلزامية من الشباب بدعوى توفر فرص عمل للشباب العاطل؟؟؟!!!! الا يجدر بنا ان نجد عملا لشبابنا في المصانع والمعامل والمزارع ومختلف المشاريع الأخرى لبناء الوطن غير العسكرة الإجبارية وماذا نريد بمئات الا لاف من الجنود ؟؟؟هل تنتظرنا حربا جديدة مع الأشقاء او مع الأصدقاء؟؟ هل سنعيد مفاعل الدكتاتور في استنزاف واردات النفط في العسكرة وزيادة عدد فيالق العسكر لتكون خير مشجعا لغزوات جديدة
ومنهم من يرى ان الخدمة الإلزامية تعيد هيبة الدولة وكان الدول التي ليس فيها خدمة إجبارية ليس لها هيبة؟؟انه إنما يتكلم عن غاية في نفسه ليكون أبناء العامة والفقراء سورا وهيبة له؟؟؟
فمن المؤكد ان أبناء الفقراء والمعدمين اللذين يعانون من البطالة وعدم القدرة على مواصلة التحصيل العلمي سيكونون هم المصدر الأساسي ان لم يكن الوحيد لهذا الجيش فمن المعلوم ان أبناء المرفهين واغلب المسؤليين اما ان يكونوا ضباطا وأمراء يــتحكمون بمصير هؤلاء البؤساء او في مقاعد الدراسة او خارج البلاد خصوصا وان اغلبهم يحمل اكثر من جنسية.
الا رحمة فينا فعلى الرغم من بلوغنا الخمسين من العمر لازلنا نستيقظ مذعورين من كابوس دعوتنا لخدمة((العلم)) ولازلنا نشعر كان البيرية لازالت فوق رؤوسنا.
لاشك ان بعض الضباط ممن اثروا مما حصلوا عليه من رشاوى وإتاوات من الجنود أيام حروب الطاغية يحلمون اليوم بالعودة الى فردوسهم المفقود فربما يكونون من اشد المتحمسين باسم الوطنية وحماية الوطن في الدعوة الى إعادة الخدمة الإجبارية في الجيش الجديد.
وانه لمن المؤلم حقا ان نجعل من نواة الجيش الجديد هراوة للداخل وليس سياجا لحراسة الوطن مضطلعا بواجبات هي ليس من واجباته بل واجبات الامن والشرط أي من اختصاص وزارة الداخلية وليس وزارة الدفاع فاختلطت المهام والواجبات بعضها ببعض.
ان هذه الدعوات في هذا الوقت بالذات تشم منها رائحة ديكتاتورية جديدة ومشروع استعباد جديد وقد يكون تهيئة حطب لحروب إقليمية يخوضها العراقيون بالنيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية او غيرها خدمة لمصالحها ومخططاتها في المنطقة والعالم!!!
لايجب ان يفهم من قولنا هذا إننا ضد مبدأ ن يكون أبناء الوطن سورا لحماية وطنهم ووطنهم فقط وبإرادة شعبهم وشعبهم فقط .على ان يكون الجيش محكوم بقانون وطني مبني على الضبط والالتزام الواعي والاحترام المتبادل والشعور بالمسؤولية الوطنية وليس المبني على الخوف والإكراه والتسلط الأعمى من قل الأعلى على الأدنى.
نرى ان الدعوة للخدمة الإلزامية إنما هي دعوة لفرض واجب في ظرف وأسلوب غير مناسب.