الرئيسية » مقالات » عندما تكون الميليشيا اقوى من السلطة

عندما تكون الميليشيا اقوى من السلطة

في اقل من ساعة ونصف تقريباً سقطت بيروت أسيرة تحت حراب مقاتلي حزب الله اللبناني وتمّت السيطرة على كل منافذها ومؤسساتها تقريباً دون ان يكون هناك رداً مماثلا ً من القوى الاخرى في فريق السلطة وهم قوى الرابع عشر من آذار، الذين قالوا بأنهم لا يريدوا ان ينجرّوا الى حرب اهلية لبنانية – لبنانية .. وقد كان هذا التصرّف اكثر تعقلا ً رغم اني اعتقد بان السبب الحقيقي وراء عدم الرد هو انعدام التوازن بينهم وبين حزب الله عسكرياً وليس غير هذا الأمر.

سيطرة حزب الله على بيروت تمخّضت عنها وكنتيجة حتمية وطبيعية اسكات المؤسسات الاعلامية التي تنتمي للمعسكر الآخر بعد ان تم اقتحام مبنى تلفزيون المستقبل والعبث بمحتوياته وحرقها مع محتويات جريدة المستقبل الناطقة باسم آل الحريري .. ولا زال الامر على ما هو عليه بانتظار ما ستؤول اليه جهود الوساطة واجتماع وزراء الدول العربية مع التحرّك الدبلوماسي الخجول الذي تبديه بعض الاطراف الداخلية والخارجية لاحتواء الازمة واعادة الماء الى مجاريها.

يبدو ان المسألة وللاسف الشديد ما زال يُنظر لها من منظور طائفي رخيص، ومازال هناك من يؤيد هذا الطرف او ذاك تبعاً لخلفيته الطائفية وليس تحليلا ً للامور بمعزل عن مكتسبات الطوائف. فقد آن الاوان للمثقف العربي والاسلامي بل وللشرق اوسطي عموماً ان يتخذ موقفاً مبنياً على رؤية تحليلية سليمة بعيدة عن الطائفية والعنصرية .. فليس من المعقول ان ندعم طرف ضد آخر لمجرد كونه ينتمي الى نفس طائفتنا او ديننا او قوميتنا بغض النظر عما اذا كان خاطئاً او محقاً. هذا منطق معيوب وسيحاسبنا عليه الزمن والضمير الى الأبد.

من هذا المنطلق وتكملة ً لمقالاتي السابقة التي لا اصطف فيها الاّ مع الحق والمنطق بغض النظر عن اي معيار آخر، سأبقى مدافعاً عن الحق حتى لو كان هذا الحق في صف الاديان او الطوائف او المذاهب الاخرى التي لا انتمي لها، لا بل حتى اذا كان في صف اليهود .. سادافع عنهم واتبنى رأيهم اذا ما اقتنعت بأنهم على حق. فقد ولّى زمن الكاتب المنحاز وجاء زمن الحقيقة .. الحقيقة التي لن يستطيع اي سلاح حجبها.

نعم انا طائفي اذا كانت طائفتي مظلومة واسلامي اذا كان ديني منتهك وقومي اذا كانت قوميتي مهدّدة، وانساني اذا تعرّض اي دين او ملة في هذا العالم الى الظلم والاجحاف، فمعيار العدالة عندي اشمل من المعايير الاخرى. سوف اتعاطف مع كل مذهب وكل دين وكل قومية وملة لكن ليس على حساب الحق والحقيقة اطلاقا ً.

لهذا اقول ان ما قام به حزب الله مؤخراً كان بحق مغامرة لا تستحق التعاطف ولا التأييد وينبغي على الجميع ادانته، يجب علينا الوقوف امام التصرّفات الفردية والاحادية للجهات الحزبية التي تريد فرض رأيها على الجميع بقوة السلاح، ومهما كانت مبرّراتها واسبابها، فلا يجوز ابداً ان تحتكم للسلاح وترهب الآخرين كي تحصل على مكتسبات سياسية ستخسرها بمجرد امتلاك غيرها قوة اكبر في المستقبل. حسب تصوّري لا يمكن لأي بلد في العالم متنوّع الأطياف والطوائف ان يُحكم من قبل جهة واحدة حتى لو كانت هذه الجهة لديها عوامل القوة حالياً، لأن ما اُخذ بالقوة فسيأتي اليوم الذي يُنتزع بالقوة ايضاً.
ان السيد حسن نصرالله يجازف بشعبيته الكبيرة وحب الملايين له وهو يقوم بمحاصرة بيروت اليوم، وسوف لن يكون هناك تعاطف معه حتى من المنتمين لنفس طائفته .. فالمسألة مسألة عدالة ولا علاقة لها بالطوائف والاحزاب، على الاقل من وجهة نظر المثقفين والاحرار .. ومثلما احبّ العالم بأجمعه السيد نصرالله نتيجة دفاعه عن قضيته العادلة ودفاعه عن الاراضي المحتلة، فهو قادر على كرهه ايضاً وقادر على ان يتخذ موقفاً مضاداً منه ومن حركته وحزبه.

ليس كل من رفع شعار المقاومة ضد المحتل كان اميناً وصادقاً في دعواه ابداً .. فالكثير من هؤلاء لو ثنيت لهم الوسادة لكانوا اسوأ من هذا المحتل الذي يدّعون مقاومته، ولا نريد ان نذكر امثلة لأن القضية لم تعد سراً والجماهير باتوا على علم من هو الاصيل من اللصيق. لكن نصرالله كان بحق صادقاً في شعاره مما اكسبه حب الشعوب .. واليوم هو يغامر بهذا الحب وهذا التعاطف، ولا ادري ان كان قد قرأ ما كتبه العشرات من الكتاب العرب خلال اليومين الأخيرين ام لا !!!

عموماً هذا هو حال الدولة التي تكون الميليشيات فيها اقوى من السلطة، واسأل الله ان لا تحتل ميليشيات اخرى عواصم لبلدان عربية اخرى وتحاول ان تقلد ميليشيات (الله) في لبنان …. الله يستر.