الرئيسية » مقالات » احزاب الطوائف* والبرامج الطموحة !

احزاب الطوائف* والبرامج الطموحة !

لابد من القول بداية، ان شدة قساوة الدكتاتورية البائدة وانفرادها بكل الطرق و بلا حدود، بحكم الحزب الواحد الذي عمل على اقصاء و تحطيم الأحزاب الأخرى دون رادع و دون مبالاة بالنتائج، و الذي اساء الى مفهوم الحزبية و التحزب كوسيلة لرقي وتطور المجتمع، اضافة الى التخلّف الصارخ لرجالها و ظلمهم الكبير الذي ادىّ بهم الى محاربة الآخرين في صراع وجود او لاوجود . . في محاولاتهم الوحشية لألغاء الآخر سواء كان فكرياً وسياسياً ، عرقياً ودينياً و طائفياً . . بالعقوبات والموت والتحطيم الجماعي بلا حرمة لعمر ولا لجنس بشري .
و ان كلّ ذلك وغيره، ادى الى اصطفاف وتشكيل واعتماد آليات للمقاومة والمواجهة سواءً للدفاع عن النفس او لمواصلة الحياة والكفاح من اجل اسقاط الدكتاتورية ومن اجل بديل سياسي ديمقراطي الأتجاه نحو حياة افضل للبلاد، و ادىّ ضمن ما ادىّ، الى ظهور احزاب وحركات الطوائف التي قدّم قسم منها تضحيات كبيرة، جنباً الى جنب مع كل الأحزاب العراقية التي ناضلت ضد الدكتاتورية .
و لابد من القول ايضاً، ان الوضع تغيّر تماماً منذ الغزو الخارجي الذي اسقط الدكتاتورية وادىّ الى الأحتلال والى انواع التدخلات التي تسببت بظهور واقع متناقض، كثير التباين و المخاطر . ويرى عديد من المراقبين ان الموضوع الآن لم يعد موضوع تحريض و تجميع معارضة ضد الدكتاتورية . . وانما موضوع التصدي لبناء بديل عن الدكتاتورية من موقع السلطة، يتلخص بقيام دولة المؤسسات والنظام، الأمر الذي يحتّم على احزاب الطوائف لكونها في موقع السلطة . . يحتّم عليها لتحقيق ذلك، تقديم بديل قادر على مواجهة التمزق الطائفي وقادر على السير على طريق القضاء عليه . .
ويرون ان البديل لابد ان يكون بديلاً ارقى من قضية انتصار طائفة على طائفة او انتصار طائفة على الجميع، الذي بدونه لايمكن الوقوف امام القوى المتشددة المتنوعة و الساعية الى تحويل القضية العراقية من قضية وطنية لشعب متعدد الهويات، الى قضية صراع طائفي واثني الهب المنطقة التي بدورها زادته لهيباً على لهيب .
ولمّا كانت الحكومة تؤكد ولا زالت على ان القضية سياسية وليست عسكرية، وان مطامحها واهدافها ، تتلخص في قيام عراق برلماني اتحادي في دولة موحدة تستند على دستور يضمن تبادلاً سلمياً للسلطة، وانها تسعى الى الغاء الميليشيات الطائفية المسلحة المتصارعة والى ان تكون الدولة هي المالكة الوحيدة للسلاح . . في ظروف لاتزال تزداد فيها حاجات الناس وخاصة الفقيرة منها الى تلبية المتطلبات الأساسية للعيش كبشر اولاً والتي في مقدمتها : الأمن، العمل، الطعام، الكهرباء والماء . .
و في وقت مرّت فيه السنة الخامسة على سقوط الدكتاتورية … ولا تزال اوسع الأوساط تلاحظ ان الوقت لم و لا يزكيّ صواب سياسة المحاصصة الطائفية لاداخليا ولا اقليمياً ولادوليا، بعد ان اخذت اطراف المحاصصة ذاتها، تشهد تصدعات ومواقف متضاربة، وبعد ان عجزت اية مؤسسة طائفية منها من ان توحد نفسها على الأقل.
في تأكيد يزداد وضوحاً على أن المصالح السياسية حتى بين القوى المؤتلفة ومكوّناتها ذاتها، والتي تطرح نفسها كحامية لطائفة معينة شيعية كانت ام سنيّة او اخرى . . هي مصالح متباينة تصل حدود التضارب والاقتتال، الأمر الذي يتجلىّ في عجز الائتلافات التي اتخذت شكل من اشكال المحاصصة الطائفية في دخول العملية الانتخابية، والذي اخذ يؤدي الى انبثاق تحالفات جديدة وفق الفرز المستمر بسبب حراك المجتمع الذي لايزال الصراع على السلطة والمال بايّ ثمن ، هو المتحكم فيه.
من جانب آخر فان سعي حكومة رئيس الوزراء المالكي لمد الجسور مع اية تجمعات تؤيدها، وتمهيدها الطريق لها للأصطفاف معها بغض النظر عن طائفتها . . يعزز القناعات في ان ابناء الطائفتين السنية والشيعية يتوزّعون على تكوينات وفعاليات ذات مطالب حياتية سياسية اساساً وليست طائفية، مطالب فشلت سياسة المحاصصة في تفسيرها وبالتالي في حلّها على اسس وخلفيات طائفية، و لم تتمكن من اللحاق بالمشاريع السياسية الجادة والقادرة على الخروج من الواقع العراقي المأساوي الدموي . . في الواقع الجاري الملموس .
الأمر الذي يتسبب في حالة من لفّ ودوران ان صحّ التعبير في ذات المواقع . . و بالتالي في المزيد من تهميش ما تكّون من مؤسسات وخطط وآليات جرى التصويت عليها واقرّت وعُمل بها، على ثغراتها كالأنتخابات والدستور، شاء المرء ام ابى ورغم الجهود المبذولة . . بسبب دوام نزيف الدم بدوام العنف كوسيلة لاتزال هي الأهم . . ابتداءً من واقع الأحتلال الذي صار متنوعا لقوى ودول وكيانات متصارعة على ارضه، تضغط بلا رحمة لترتيب مسيرة البلاد وفق ذلك الصراع القلق المتعدد الأجندة وباسم الطوائف . . !!
ان الوقت يبرهن على ان ماحذّر منه كثير من السياسيين والمفكرين ومن الوجوه العراقية بكل اطيافها، من خطورة اعتماد نظام المحاصصة الطائفية، وانه ان تواصل وترسّخ سيؤدي ـ اضافة الى عوامل اخرى فاعلة ـ الى نتائج عكسية، حيث انه صار في الواقع هو المعيار في اختيار رجال الحكم والدولة، لاالكفاءة والنزاهة والشعور بالمسؤولية تجاه البلاد . . وعلى حد تعبير المسؤولين الحكوميين الرسميين والسياسيين ذاتهم اليوم .
ومن ناحية اخرى، وبينما لاتشكّل الفروق بين هويات تكوين الأفراد وعقائدهم ومواقفهم من الخلق فروقاً في برامج سياسية اقتصادية، بقدر ما هي تنوع في النداء الداعي الى ارشاد الناس والى توازنهم الشخصي والأجتماعي من الزوايا الأخلاقية والروحية . . فأن استمرار تكريس الطائفية باحزاب الطوائف و بنظام المحاصصة الطائفية في الحكم ، ادى ويؤدي الى تشويه مفاهيم وادوار المذاهب والى ان تكون الطائفية كما لو انها انتماءً اثنياً مشوّها، لأنها في الجوهر الموجود اليوم تظهر وكأنها انتماءً ساعيا الى السلطة والى تحقيق ارباح انانية من جهة، و من جهة اخرى تلعب لدى مجاميع المحرومين و الضعفاء وممن هم في محنة، وقاية للنفس و للعرض من مخاطر عقوبات التكفير . .
ويرى خبراء اجتماعيون وقانونيون متتبعون للوضع العراقي طيلة السنوات الخمس المنصرمة، ان استمرار احزاب الطوائف تحت راية القضية الطائفية دون برنامج اقتصادي واجتماعي يحقق مكتسبات ملموسة واقعية لأبناء البلاد، قد يضيف عقبة صمّاء تعيق مبدأ التداول السلمي للسلطة، لأنه يمثّل تعميقاً لخلل وتناقض لم يجرِ التوقف عنده بل جرى المرور عليه . . كون ان مبدأ التداول سيتشوّه تطبيقه ان اعتمد على الأساس الطائفي بشكل اصمّ ، لمخاطر تؤدي الى العودة الى اقتصار الحكم على حكم حزب واحد وهو الحزب الذي يدّعي (1) تمثيله لطائفة الأغلبية، (لأنها اغلبيه، حتى لو كانت نسبية)، وسيحرم الحزب الذي يدّعي تمثيله الطائفة الأصغر من الحكم (لأنها اقلية دائمة ) . .
ويرى عديدون ان تزايد مخاطر ماتقدّم قد تأتي لكون ان القضية تجري في بلد لم تسقط الدكتاتورية فيه لا بثورة شعبية ولا بانقلاب عسكري داخلي يعكسان درجة نضج داخلي معيّن حقق التغيير ، ولم تقم به جهة او ائتلاف عراقي لوحده، ليحاول فرض نمط بنائه وتوجهاته هو معتمداً على قواه التغييرية، وانما سقطت بغزو خارجي في وقت كانت فيه معارضة الدكتاتورية موحدة على هدف اسقاط الدكتاتورية فقط ( وبأي ثمن بتقدير قسم منها)، الاّ انها لم تكن موحدة على ماهية البديل وتفاصيله . .
ويرى آخرون، ان المسيرة الماضية اثبتت تناقض الخطاب الطائفي مع الأهداف الوطنية المعلنة او عجزه عن هضمها و تمثّلها ( حتى بمنظوره)، من اجل تحقيق وحدة المكونات الداخلية وفق الخاصية الوطنية العراقية باطيافها، بل اضاف اليها تناقضات دموية مروّعة ادّت وتؤدي الى تفتتها المتواصل بسبب الطمع بالسلطة والثروة و السعي لتركيز العنف الممكن بيد طرف من الأطراف لتحقيق زعامته، فيما يحترق البلد، رغم جهود متنوعة مخلصة .
ان تزايد الظروف الداخلية والأقليمية والدولية الضاغطة لوضع حد للفوضى الدموية في البلاد، والذي وجد تعبيره في النجاح في توجيه ضربات موجعة للقاعدة وتجمعات للجريمة والأرهاب، والذي كشف عن تدخلات اقليمية اكثر وضوحاً، سمّاها عدد من رجال السياسة والحكم باسمائها، و بطبيعة وارتباطات (مجاميعها الخاصة) (2) . .
و اضافة الى جهود تحقق نجاحاً على طريق رأب الصدع الوطني، يتزايد شعور اوساط واسعة وخاصة الكادحة منها، بقصور الخطاب الطائفي وعجزه عن تحقيق حقوقها في حياة كريمة، و اخذت نتائج استفتاءات تجريها جهات محايدة متنوعة تعزز وجود تحول جدي عن الأحزاب الدينية الطائفية بشكل خاص، اضافة الى تصريحات و فعاليات مختلفة بنفس المعاني لعدد يتزايد من الوجوه الدينية والسياسية والأجتماعية الفاعلة في مؤسسات الحكم وخارجها، و من المنتمين للطائفتين السنية والشيعية، وهم يرون الحجم الذي يزداد هولاً وتعقيداً للمخاطر الشاخصة المؤدية الى النزيف المؤلم للدم العراقي المهدور على مذبح التناحر الطائفي الدموي و نهج احتكار السلطة والثروة والقوة بكل السبل سواء كان كان محلياً او مناطقياً او على صعيد عموم البلد، الذي تشجعه دوائر اقليمية و دولية لا تريد للعراق الأستقرار ولا تريد لأبنائه رجالاً ونساءاً العيش الكريم، لأنه يتضارب مع مصالحها !!
من جهة اخرى فان تزايد اوساط الشباب التي تؤيد الإجراءات والمواقف الوطنية الرامية الى لمّ الشمل الوطني باطيافه، بعد ان صحّتها وفتّحت اعينها دوّامات الخوف و العنف والدم و هي تعيش تحطّم آمالها النبيلة، على مسارح قتلة ولصوص محترفين و ديماغوجيين يبررون جرائمهم بأسم الطائفة التي هي براء منهم . . تزيد الأمل في نجاح الجهود المبذولة لأنعتاق السياسة عن المذاهب (3)، من اجل صيانة دماء ابناء العراق باطيافهم وحماية للمذاهب ذاتها، في مرحلة خطيرة تتطلب ذلك لأحياء التلاحم المديد لمذاهب البلاد الذي عمّده النضال من اجل التحرر و الخبز والحرية، و حقق الكثير للطبقات والفئات المسحوقة . . ومن اجل توحيد طاقات البلاد بكل اطيافها من اجل السلام، انسحاب القوات الأجنبية، وقف التدخلات والأجتياحات العسكرية وشبه العسكرية و الخاصة، سواءً في البصرة وجنوب البلاد، او في كوردستان العراق .
الأنعتاق عن المذاهب . . الذي بدونه لايمكن صيانة حقوق البلاد سواءً في الأتفاقات النفطية او في المعاهدة الأميركية ـ العراقية المنوي ابرامها ، وبالعكس من ذلك فان استمرار التمزّق تحت الراية (المقدّسة) هو الذي سيمرر كل المخططات العسكرية والنفطية، لأنعدام وجود رادع قادر على صيانة حقوق البلاد في التعامل مع الآخرين على اساس المنافع المتبادلة . . التمزّق الذي يجعل شركات استثمارية كبرى دولية وعربية وايرانية و تركية ترى، ان المنطقة يمكن ان تزدهر!! بوجود نزيف العراق ( العاجز الضائع في نزيف دماء ابنائه)، الذي اسست له حروب الدكتاتورية . . و المستمر الى الآن (4).
وترى اوساط شعبية عراقية واسعة اضافة الى اخرى في مؤسسات الحكم او خارجها، ان الظروف المدمّرة التي تمر بها البلاد والجهود الساعية لأستعادة كرامتها و رفاهها . . هي التي تفرض وقفة لابد منها بعد مرور السنوات الخمس، لألغاء المحاصصة الطائفية (5) واعتماد الكفاءة والآهلية والنزاهة والمواقف الوطنية . . التي اثبتها رجال و نساء من مختلف الأنتماءات الفكرية والسياسية، القومية، والدينية والطائفية . . من اجل تحقيق البرامج الطموحة التي تدعو لها الحكومة والتي تتوافق معها و التي يمكن ان تقترب منها قوى عراقية اوسع، للسير نحو استقرار البلاد، والتأسيس لأستقرار المنطقة .

8 / 5 / 2008 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المقصود الأحزاب التي تنشط تحت راية المذاهب، سنية و شيعية و غيرها .
1. ان ادّعاء حزب تمثيل مذهب او طائفة ما، قد يؤدي الى استخدامه العنف على الآخرين لفرض ذلك، في ظروف كظروف العراق الآن .
2. حيث يدور تحقيق رسمي اصولي الآن عن مدى ونوعية التدخلات الأيرانية بشؤون البلاد، وفق الصحافة ووكالات الأنباء العراقية والأميركية والدولية .
3. التي قام ويقوم بها قسم منها، وقسم سار بتغيير الاّ انه مسّ الأسم و لم يمس الجوهر، فيما تواصلت و تتواصل الأنسلاخات واعادة الأصطفافات والتجمعات، فيما ازداد قسم تمسكاً بها وتثبيتاً لها .
4. راجع نشرة بي بي سي العربية ليوم 7 / 5 / 2008 ” شركات عالمية تستكشف الأستثمار في العراق ”
5. التي يرى قسم منها انها ادّت ادواراً لم تخل من فائدة في ظروف البداية، ويرون ان تلك الأدوار بعد مرور السنوات الخمس لم تعد ذات فائدة، لأن المحاصصة الطائفية اخذت تشكّل اضراراً بالغة حتى على المذاهب ذاتها.